يعتقد الطب الرباحي جازما أن " دعوته الخفية " الى أن يحمل الشاعر الفأس ويزيل الطحالب ويخصب التفكير . . لم يهضمها بعضهم لانهم يحرصون بكل طاقاتهم على توفير ما يعجب القارىء المتخلف الذي مازال يمشى على نقش الجنس اللطيف . .
قبل التعرض الى ما جاء فى ملاحظة الاخ من اخطاء لا بد أن أقول له اذا كان لا يعرف ان هناك من يقيس الانتاج بمقياس مستعار لا يعتمد الى ما كان اشار اليه العقاد من أن " الاذواق الحية تحل محل القواعد الدراسية " ليس في هذا ما يشير الى أن العقاد أصاب أو أخطأ انما أردت ادراج هذه الكلمة حتى أذكر الاخ الطيب الرياحي بأن ما يسميه نقدا لقصائد أو لغيرها ضرورى أن يكون نداء عقل الى احتضان انتاج عقل وبالتالى أن يكون ثورة هادفة على الانتاج لها مقاييسها واعتباراتها وخصائصها وكما قال السيد الرئيس عن النقد " انه يفتح عيون القراء واذهان المستمعين على مواطن الجمال والقيم والأثر المدروس وبالتالى يخلق فيهم تأثرا ايجابيا ورد فعل سليم . . "وأنا ما أظن أن الذي يمشى - على نقش الجنس اللطيف متخلف - لانه اتخذ وجهة لا يمكن ان نعتمدها لتكون معيارا للتقدم او التخلف باعتبارها كانت الهمت وسوف تلهم الكثيرين وما أظن أن القارىء فى تونس هو من هذا النوع ذلك انه استطاع فى اكثر من مناسبة - والحالة هذه - ان يلاحظ للاخ الرياحى أن امره للشعراء " يسلوك مسلكه ضرب من الغرور والتيه - وأقول حتى من التظاهر والادعاء . .
ثم مسألة هضم بعض الشعراء لما تتضمن دعوة الرياحى الخفية - ولسنا يعلم لماذا هي خفية - امر يتطلب كبير تفسير ذلك أن الاخ ليست له آية صفة بحبر بها الشعراء على طرق المواضيع المعينة حتى تكون القصيدة - حسب رأي ان كان لى رأى - " ذات نفس خطابى اقوى من النفس الشعرى " الشئ الذي يجعل النقاد يعيبون هذا الاتجاه على الشعراء كما وقع هذا من القديم وكاد النقاد يخرجون معلقة الحارث بن حلزه من عداد المعلقات العربية الكبرى
ثم ان دعوة الرياحي من شأنا أن تعقد الاتجاهات الفكرية الطبيعية وتزيد في اضطراب الحركات الادبية الهادفة . . ويكفى أن نقول غاية الشعر هى نعكاس وتصوير وتسجيل للحالات الداخلية والخارجية وبطبيعة الحال ليس احلى من القصائد التى تترجم عن حقائق انسانية خالدة سابحة عبرلا لاحدود الزمان والمكان فيها من السمو والجودة ما يجعلنا نؤمن بان الحق - مع الذي يمشى على نقش الجنس اللطيف - مثلما هو مع الذى ينتفض مع انتفاض الفقراء التائهين فى العمل والنضال والصمت . .
والاخ الطيب يعلم نفسه أن الشعراء الذين حملوا الفأس - كثيرون وأن الذين دعوا الى حمله عديدون لكنى ما أظنه يريد - والعمر عنده نضال وثور واباء - الا ان يضم صوته مع الشاعر الفلسطينى كمال ناصر :
الى الذين مزقوا اسطورة القدر
ولونو تاريخهم بعاصف الشرر
فحققوا وجودنا ، فماج وانتصر ..
ثم التعرض الى القصائد التى وردت فى عدد اكتوبر من مجلة الفكر كان فيه الرياحي مخطئا اكثر من أن يكون مصيبا والمسألة ليست مسألة كمال وانما ابراز خصائص لنوع من الانتاج الفنى لم يتوصل الى ابراز الجوانب الرمزية للانتاج ٠٠
الاحظ انه لم يتعرض الى ذكر صاحب القصيدة الاولى - تحية المهدية - ثم ان الرياحى يتهم القصيدة التقليدية فى شكلها ومضمونها بعدم بلوغها المستوى المطلوب . وما هو ؟ لا شك انه يعرفه ونسى ان يطلعنا عليه مبررا بأن الجرى وراء القافية - هذه التهمة القديمة - هي سبب تعثر المعاني التى أشار الى أنه ليس فيها تجديد وبأن الطريقة فى الموضوع تغلب عليها السطحية . سامحك الله يا أخ طيب فى هذا النقد الذى ليست له الخصائص التى تقضى بأن تفتح العيون والابصار الى مواطن الجمال والضعف معا . .
وينتقل الناقد بعد ذلك ليرى - الطفل على الشاطئ - يقيم الدليل على شاعرية جعفر ما جد وقدرته على الخلق بكلماته السهلة الممتعة ، وهي فرصا اخرى وجدها الرياحي ليبرز اتجاهه النضالى ويلفت انتباهنا من خلال الكلمات الموحية الى - الفأس - والواجب قبل - الجنس والنهد - ثم ينتقل ليأخذ على عبد المجيد بن جدو مغالاته فى - الهيام بجمال عيني حبيبته - وبعدما لا يشك فى استجابته لحرارة العاطفة - ونحن نشك فى أن الهيام بانواعه يسئ الى
الشخصية مهما كان تقدمها فى السن وان لعبد المجيد كما لغيره الحق بالشعور بالجمال وبالهيام - بخضرة الامواج والبحر - فى عينى حبيبته . . ويواصل الرياحي جولته عبر القصائد ليصل الى عفيفي مطر فيفرض عليه لسنا ندرى لماذا - أن يحاذى شاكر السياب ويتخذ البساطة فى الصور والكلمات والتعابير ( بدون تعليق ) ومرة اخرى يتأسف لكون رياض المرزوقى - يتعثر فى ضفائر النساء - بنجاح فنى للقصيدة لا يهمه بقدر ما يريد من الشعر ان يؤدى وظيفة انسانية - وألاحظ له ان الحب وظيفة انسانية باعتبارها تخص الانسان وتصدر عن الانسان وهى تستجيب لاهم نزعات الانسان ..
ولم يعد لى مجال بعد هذه الجولة الخاطفة في هذا - النقد للقصائد - الا ان اهمس للطيب الرياحى ما قاله العالم فرويد من آن " الابداع فى الميدان الفني هو التنفس الطبيعى للكبت الجنسى عند الكاتب . . " ثم بما أنه - لا وجود لقاعدة ثابتة لفهم الامور فيتحتم التمسك بالاعتدال فى احكامنا - كما قال السيد الرئيس فى ملتقى هواة الادب ..
- المنستير -

