الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

بورقيبة والجدلية التاريخية

Share

تقف اليوم في الذكرى الأربعين لتأسيس الحزب الحر الدستورى التونسى ، بعد أن خاض هذا الحزب معارك كبرى وانتصر فيها ، على جبهات عديدة وفى ظروف متباينة ، كانت معارك ضد الاستعمار والخيانة والعروشية والذوبان تحولت منذ الاستقلال الى معارك أكبر وأخطر ضد الفقر والتخلف والجهل والاستعمار الجديد والانغيار

نقف اليوم بعد أربعين سنه من مؤتمر قصر هلال ، ونحن اقوياء بعبر التاريخ الحاسمة ، هذا التاريخ الذي أثبت مناعة الحزب وتجدده وقدرته على البقاء ومواكبة المجتمع التونسى وتجنيد طاقات الامة وتفجير امكانياتها .

اذا أردنا تلخيص كل كفاح الحزب بقيادة بورقيبة ، وجدنا أنه يعتمد على ما نسميه الجدلية التاريخية ، نعني التفكير المستمر بمنطق التاريخ على أساس أن هذا التاريخ لا يرجع الى الوراء ، وعلى قاعدة الرفع من شأن الانسان التونسى حتى يكون جديرا بتاريخه ، وانطلاقا من فكرة الموعد مع التاريخ ، التى تمثل مفهوما بوقيبيا طريفا لحركة الحضارة وقيادة الشعوب ومعنى الحكم ، هذا بالاضافة الى أن ينبوع النهضة التونسية هو التاريخ أى جذور الامة وأصالتها وهويتها التى تميزها عن الشعوب والامم الاخرى

نعتقد أن التاريخ كفلسفة هو العنصر الاساسى لدراسة موضوعية للفكر البورقيبى

تحليل هياكل التخلف والاستعمار :

مر ورقيبة فى شبابه الاول - مثلما ذكر لنا فى محاضراته بمعهد الصحافة وعلوم الاخبار - بمرحلة تحليل تاريخى لازمة الحضارة لدى الشعب التونسى فقد وجد الزعيم الشاب المثقف حوله هياكل اجتماعية غريبة التكوين ، تتحرك حسب نواميس غير قارة . فاكتشف أن السبب الرئيسى للقهر الاستعمارى هو خنوع جزء كبير من الامة ، هذه الامة التى تداولت عليها قرون الانحطاط فأصبحت قانعة بالمهانة ، متواكلة ، منقسمة الى قبائل ونحل وطوائف و " عروش" واكتشف بورقيبة أن عمل " النخبة " الوطنية عمل ذو نوايا

طيبة لكنه عمل عقيم تاريخيا ، فحركة الحزب الدستورى القديم حركة منعزلة عن الجماهير ، حركة اصلاحية ليست مرتبطة جدليا وعضويا بعناصر الشعب المتفجرة .

فكان جهاد بورقيبة جهادا واعيا . اذ تمكن من تحليل هياكل المجتمع التونسى قبل التأثير فى هذه الهياكل . ولقد جاء فى مقال له "بالعمل التونسى" صدر يوم 21 فيفري 1933 ، بيان دقيق وعلمي لفئات التونسيين و " الميكانيزم" الاستعمارى لمحق الذاتية التونسية والمصالح القومية ، يقول بورقيبة فى هذا المقال ( 1 ) :

" لقد واصل الاستعمار " بالتعاون " مع بعض أنفار منا عمله الرامي الى تفقيرنا والحط من شأننا . . فانتقلت الارض الى أيدى الاستعمار تحت غطاء " اقرار التونسيين على أراضيهم " . ولعزل الفلاح التونسى وتهيئة تعريته الشرعية تم اختراع " حق الاحتلال " . وسادت الارقام . هذه الارقام العجيبة التى تذر الرماد فى العيون وتشل عزم الشعب المريض بالتصديق . وفي هذه الآونة تغلغلت الحكومة فى مواقع هامة ، وهي تقوم بمحاولة بلع البلاد وابادة قوميتها . . "

نلاحظ أن الوعى التاريخي لدى بورقيبة هو الذى كأن يمنحه القدرة على ضبط " تكتيك " مناسب لكسب الانصار ، ومقاومة الادارة الاستعمارية لا بالحماس وحده بل بالتحليل السوسيولوجى لظاهرة الاستعمار

ونرى بعد ذلك فى مقالات عديدة بنفس الجريدة من عام 1933 الى عام 1937 دقة نادرة فى دراسة المجتمع التونسى بعد نصف قرن من " الحماية " فى فترة تاريخية حساسة . فكان بورقيبة يهدف بعد هذا التأمل الرصين ، الى جمع كلمة التونسيين وتوجيه غضبهم فى منهج سياسى واحد يعبر عن كيان الامة ويقف صامدا أمام الاستعمار

أرضية تاريخية :

وجاء الفكر البورقيبى بسياسة المراحل ، والوحدة القومية ، وأصبح الاتصال بالجماهير هو الطريقة المثلى لتحقيق مطامح الامة . وأمسى بورقيبة صوت كافة الفئات المضطهدة مهما اختلفت مصالحها وتباينت مستوياتها فتبعته الطبقة الكادحة التى لمست فى نضاله دفاعا مستميتا عن كيانها وأيدته البورجوازية

الصغيرة (2) فى مواقفه اقتصادية ضد " الصهر " الاستعمارى وتعنت المعمرين والاجانب ( 3 ) ووقف الى جانبه جانب كبير من المثقفين الشبان

ومن ذلك كان أول هدف سعى اليه المجاهد الاكبر والحزب هو توحيد الامة وجمع تلك الفئات المتنافرة ، واقرار ما سماه بورقيبة بالوحدة القومية يعنى ارساء الكفاح التحريرى التونسي على أرضية تاريخية ناجعة . وحلل بورقية السبل الموصلة إلى الوحدة القومية فى عديد المقالات وخاصة فى مذكرة مكتوبة للمسيو ( فيانو ) فى 28 اوت 1936

ان الخط الفكرى الذى يربط بين كل آراء ومواقف المجاهد الأكبر منذ عام 1933 الى عام 1942 وهو ايجاد قاعدة تاريخية للشعب التونسي ولكفاحه . والا فماذا  كانت تعنى مواقفه ضد التجنيس ونداؤه لدعم مقومات الشخصية التونسية ، وخاصة في مقال له بعنوان (الحجاب) دعا فيه لعدم التخلى عن علامة من علامات الذاتية القومية . وماذا كان يعنى موقفه الرامى الى تعبئة كل القوى الشعبية ونبذ التواكل في خطاب - برنامج ألقاه في مؤتمر نهج التريبونال المنعقد من 30 أكتوبر الى 2 نوفمبر 1937 ، ثم أحاديثه فى شهر ديسمبر من نفس السنة عن التبعية الاقتصادية المشينة ، ومظلمة تقسيم " الميزانيه" التونسية حسب مصالح الاقلية الفرنسية المهيمنة على البلاد ، ودعوة بورقيبة الى القطيعة واعادة النظر في " اللهجة " الدستورية ( 4 ) حينما قال " ان الشعب سيبقي صامدا ، وستكون له الكلمة النهائية طال الزمن أو قصر " ، ودعوته الى " القطيعة " الكاملة فى مقال تاريخى بهذا العنوان كتبه ليصدر يوم 9 افريل 1938 . ثم ماذا كانت تعنى حكمة بورقيبة عندما أعلن عن مناؤءته للمحور النازى أثناء الحرب الكونية الكبرى

وعي تاريخى :

أما ثمار هذه الافكار وتلك المواقف فقد تجسمت كما نعلم فى خلق مناخ يؤدى حتما الى الاستقلال . فبعد أن اجتمعت كلمة الامة فى مطالب موحدة ، وبعد أن دخل الحزب تجربة العنف الاولى والثانية وأصبح الكفاح المسلح عنصرا من عناصر اخضاع السلطة الاستعمارية للاعتراف بالحق ، استطاع بورقيبة أن يستعمل " الجدلية التاريخية " فى كسب احترام وتفهم جانب هام من الرأي

العام الفرنسى ، حينما ذكرهم بجهاد فرنسا نفسها ضد المحتل الالمانى ، وألح على " العبقرية الفرنسية الخالدة " التى تكمن قيمها فى ميثاق الثورة الفرنسية . واستطاع بورقيبة أن يضع الحكومة الفرنسية فى مأزق وحرج مدروسين أمام الولايات المتحدة والرأى العام الدولى ، وقد لاحظ هذا " التكتيك " كمنعرج تاريخى فى نضال الشعوب الصحافى ورجل السياسة الفرنسى جون جاك سرفان شرايبر فى مقال بجريدة ( لانترنزيجان ) تحدث فيه عن بورقيبة وكان الاستقلال وانبعاث الدولة التونسية ثم الجمهورية من نتائج وعى الحزب التاريخى وكفاحه الذى جسم هذا الوعى

تونس والعالم :

ولا يخفى أن فلسفه الحزب منذ أن سهر بورقيبة على حظوظه كانت دائما تضع تونس فى اطارها التاريخى الطبيعى ، اذ ان كفاحنا الطويل ظل موازيا لكفاح الامة العربية والافريقية ، وظل استقلالنا موصولا باستقلال كامل أجزاء المغرب العربى وخاصة الجزائر ، وبقى بورقيبة منذ الاستقلال وفيا لرسالة تونس التاريخية وهو يواصل النضال من أجل تحرير فلسطين واستقلال افريقيا ، اذ أن نظرة الحزب للسلم فى العالم نظرة شاملة ، بعيدة عن الانانية القومية وضيق الافق . فبورقيبة كان من أول دعاة عدم الانحياز ، وأول من حلل الظاهرة الاسرائيلية كواقع استعمارى ، وأول من نادى على اثر حرب أكتوبر واندلاع أزمة الطاقة بفكرة " عقد التنمية " بين الدول المصنعة والدول النامية .

هذا في الحقل الدولي ، أما في الحياة القومية ، فكانت مجلة الاحوال الشخصية ، وتعميم التعليم ، وتوحيد القضاء ثورات عميقة وتحولات ضخمة فى تاريخ الشعب التونسى

شخصية فذة :

هذه بعض الخواطر حول الجدلية التاريخية التى طبعت وميزت كفاح ومواقف رجل من أبرز وأصدق رجال العالم المعاصرين ، حيث أن الحكم لديه ينبع دائما من حركة التاريخ وتقدمه وتحفزه ، وحيث أن الهدف الاسمى يبقى الانسان كفرد وكمجموعة . ولعل المؤرخ حينما سيتولى التأمل فى كفاح الحزب ونضال لشعب التونسى بقيادة بورقيبة ، سيكتشف مع البعد الزمني منهجا طريفا وفلسفه فريدة ، وراءهما شخصية فذة ، هى شخصية المجاهد الأكبر التى أثرت فى عدة أجيال وطبعت التاريخ التونسى والعربى والافريقي بطابعها وحددت الى أمد بعيد مصير الامة نحو الافضل والاسمى

اشترك في نشرتنا البريدية