3
الى الولايات المتحدة مرة أخرى :
ثم قام بورقيبة (*) برحلة الى الولايات المتحدة ، وهى رحلة اعتبرها بورقيبة هامة لانه نظر الى نفسه كأول قائد حركة وطنية يزور الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية ، اذ اعتبرها قوة كبيرة متحالفة مع فرنسا تستطيع ان تقدم الى تونس مساعدة ثمينة في معركتها ، وبدأ هذه الزيارة بواشنطن وفيها تحدث عن تصريح روبير شومان فى ابريل سنة 1950 والذى وعد فيه بوضع حد للادارة الفرنسية المباشرة فى تونس والسير بها نحو الاستقلال، الذاتى،وقال: إن تونس بعد ان شكلت وزارة تفاوضية ودخلت مع فرنسا في مفاوضات خيل اليها انها وصلت الى نهاية المطاف ، وان فرنسا ستنفذ ما وعدت به فى اطار من الصداقة والسلام ، وانها ستنقل السلطات الى التونسيين وتضع فى يدهم المصالح الاستراتيجية والثقافية والادبية ، ولكن الجالية الفرنسية وقفت فى فى وجه هذا العمل ، وقدم المقيم العام برييه الى تونس اصلاحات 8 فبراير ولكنها كانت اصلاحات مبتورة وانها حينما نقلت بعض السلطات للوزراء التونسيين وألغت منصب الكاتب العام فانها اوقفت نحو 150 قرارا تشريعيا، واوقفت دولاب العمل الادارى عن الحركة ، ثم هاجمت الحزب الدستورى وقبضت على العديد من رجال الحزب ورجال الاتحاد النقابى لان هؤلاء لم يرضوا عن هذه الاصلاحات ، وطالب بورقيبة الرأى العام الامريكى بمد يد المساعدة والتعضيد ضد هذه المؤامرات خشية سيلان الدماء ، والشعب التونسى لا يسعه الآن إلا الاتجاه بقلبه نحو الشعب الامريكى ،
الشعب الذى يدافع عن العدالة الاجتماعية للبشر ، ليقف معه ، وان الطبقة العمالية التونسية تنسحب من الاتحاد العام العالمى Fédération Syndicale mondiale لانها منضوبة فى نطاق الشيوعية وتنضم الى ( الاتحاد العام للنقابات الحرة C.I.S.L. (28) وذلك حتى تقاوم بكل الطرق والوسائل تدخل المستعمرين الفرنسيين (29)
ومن واشنطن خرج بورقيبة في طريقه الى سان فرنسيسكو بدعوة من قبل المؤتمر الكبير الذى نظمه الاتحاد النقابى الامريكى A.F.L. وكان مقررا ان يلقى بورقيبة كلمة امام هذا المؤتمر يوم الجمعة 21 سبتمبر ولكن حدث حادث اثار ضجة كبيرة هو ما يسمى ( بخطاب سان فرنسسيكو المدلس ) ذلك أن بورقيبة بعد رجوعه من سان فرنسسكو قرأ فى صحيفة ( لوموند ) فى عدد 2 سبتمبر خطابا نسب اليه قالت الصحيفة انه القاه امام المؤتمر فى هذا اليوم ، ولم تكن المشكلة ناتجة من أنه القى الخطاب أم لم يلقه وانما جاءت المشكلة من ناحيتين .
أولا : انه لم يلق هذا الخطاب اصلا .
ثانيا : انه نسب اليه أنه ألقى هذا الخطاب وفيه قدم :
أ ) سبابا موجها الى الشعب الفرنسى . ب ) حملة عنيفة على امريكا وعلى كافة دول حلف الاطلنطى وعلى روسيا كذلك (30)
ولما كان بورقيبة لم يلق هذا الخطاب وبالتالى لم يرد ما فيه من تهم . كما ادعت الصحيفة المذكورة - فانه ارسل الى جاك جريف مدير تحرير الصحيفة يشرح لها حقيقة الموقف ويكذب هذا الادعاء ، اذ ان ما حدث هو انه لم يلق خطابا البتة ، وانما الذى القى الخطاب امام المؤتمر هو فرحات حشاد وذلك يوم الاثنين 24 سبتمبر ، ويحذر بورقيبة الصحيفة من السعايات المغرضة التى تريد القاء التهم جزافا على الحزب الدستورى الجديد ، كما نفى تهمة مشاركته للمحور فى قضيته ضد الحلفاء ، واستشهد فى موقفه هذا بالقنصل العام الفرنسى
م. دى لاجار وكان حاضرا هذا الاجتماع (31)
ولكن بورقية أحس أنه قد أصبح متهما من قبل الفرنسيين وخشى أن يؤثر ذلك على موقفه ويفقده ما كسب من عطف الاحرار الفرنسيين ، فعمل على ازالة اثر هذا الاتهام وكتب يشرح حقيقة الموقف وان العابد بوحافه كان قد أعد خطابا باللغة الانجليزية ليلقيه بورقيبة أمام المؤتمر فوجد فيه بورقيبة سبابا وتهجما على الولايات المتحدة ودول حلف الاطلنطى فطلب من بوحافة شطب هذه العبارات ووعده بوحافة بذلك ولكنه لم يفعل ، فقرر بورقيبة عدم القاء الخطاب ، ولكنه لما اعد الطيب سليم خطابا آخر يتعلق بالقضية التونسية رغب بورقبية فى القائه فى اليوم المخصص له وهو يوم الجمعة 21 / 9 ولكن آخر دوره إلى يوم الاثنين 24 منه ثم جاء فرحات حشاد يوم السبت 22 منه فأعطى الكلمة باسم البلاد التونسية وبذا فلم يلق بورقيبة خطابه لان فرحات حشاد كان نائبا عن مؤسسة نقابية وهو بذلك أولى من بورقيبة فى التحدث . ولم يكن بورقية بالرجل الذى يعمل على اغضاب الامريكيين أو غيرهم من الحلفاء ، وهو ما جاء الا ليطلب معونتهم ومساعدتهم (32)
واثناء وجود بورقيبة فى أمريكا انتهز الفرصة فقابل م. صمويل كابر M. Samwel Kapper مدير قسم الشرق الاوسط بالخارجية الامريكية ، وكان هذا الرجل قد رافق م. ماك غى M. Mac. Ghee السكرتير العام المساعد للدولة للشؤون الافريقية وشؤون الشرق الاوسط ، وبورجيرى Bourgerie فى رحلة الى تونس قابلوا فيها الباى ولقيت رحلتهم الود من قبله ، وحدث تفاهم بينه وبين بورقيبة وتفهم لمشاكل تونس (33)
وحتى يساعد على ازالة البلبلة التى احدثتها تصريحات صحيفة ( الموند ) صرح قبل تركه لسان فرنسيسكو بأن حزب الدستور مستمر فى نفس الخط الذى يسير عليه ويتمسك بمبدأ قيام وزارة تونسية انتقالية تفاوض من اجل انهاء الادارة الفرنسية المباشرة ، تمهيدا لقيام حكومة ذاتية تصبح نواة لحكم مستقل كامل بعد اجل محدد ، ويعلن عن حسن نية تونس ورغبتها فى المصالحة ويعترف بأن نقل السلطة الى التونسيين يحقق الحكم الذاتى لهم ويوصلهم الى الاستقلال فى مراحل محددة فى نطاق من السلام والصداقة مع فرنسا بشرط
ان تكون هذه المراحل محددة الزمن محددة فى نهايتها ، وتعترف اساسا بمصالح تونس وتقوم على اساس احترام مصالح فرنسا ايضا بشرط توافقها مع تطلعات الشعب التونسى الى الحرية ، ولكنه لا يعترف مطلقا بأحقية المستعمرين الفرنسيين فى المشاركة فى الحكومة التونسية تحت ادعاء أن هذا يحافظ على مصالحهم .
ويبدو ان بعض الصحف الفرنسية لم تقتنع بكلام بورقيبة وتصريحاته فى امريكا وسياسته وسياسة حزبه ، فقد نشرت ( البتى ماتان ) تصريحات بورقيبة فى واشنطن وقالت : إن الباى - وليس بورقيبة - هو المعتمد فى فرنسا ، فهو وحده الذى يستطيع ان يناقش فرنسا ويبحث معها العلاقات بين البلدين ، وهو وحده الذي له الحق فى الكلام عن الاصلاحات المطلوبة فبورقيبة لا يمثل الرأى العام التونسى ، فى رأى الصحيفة ، وانه وان كان حزبه عضوا فى الوزارة فان عليه ان يتصرف من خلال ذلك وفى نطاق الوزارة التونسية المسئولة (34)
ومع هذا فان تصريحان الموند - المكذوبة - احدثت رد فعل عنيف فى الاوساط الفرنسية ، فقد صرحت هذه الدوائر بأنها لا تستطيع ان تصدق هذه التصريحات وتستغربها ، وتستغرب من بورقيبة تلميحه الى ضعف الجيش الفرنسى فى سنة 1940 والتصدى بسخريه له ، وأخذت هى بدورها تسخر منه فقالت : إن الفضل في إخراج بورقيبة من السجون يرجع الى النازى ، وإنه تعاون مع المحور . وأردفت فقالت : إن أرشيفات المحور تكشف عن هذا التآمر، وتكشف عن المساعدات التى قدمها له فقد قدم لدول المحور وعودا خاصة وهى تعهده بمساهمة قوات تونس فى معركته ضد الحلفاء (35)
وقبل أن يعود بورقيبة من أمريكا أسس مكتبا للدعاية أسند أمر الاشراف عليه الى الباهى الادغم الذى تابع النضال من أجل تعزيز المساندة الامريكية للقضية التونسية .
فى مدريد وطنجة :
رجع بورقيبة الى تونس ومر فى طريقه بمدريد فى 25 اكتوبر ثم طنجة فوصلها فى أول نوفمبر وفيها عقد اجتماعا مع زعماء المغرب ، ولكن القوات الفرنسية حاصرت مقر الاجتماع وطردت بورقيبة فى اليوم التالى فرجع منها الى مدريد ثم روما فوصلها فى الخامس منه حيث قضى فيها بقية شهر نوفمبر، وفى أول ديسمبر خرج منها الى تركيا حيث زار استانبول وانقرة ثم رحل منها الى بيروت ثم وصل القاهرة فى 13 ديسمبر .
وفى هذه المدن والبلاد كانت كلمات بورقيبة تلفت النظر الى التجربة الجارية فى تونس وتعبر عن خشيته من أن تؤدى الى الفشل بسبب عجز فرنسا عن الوفاء بعهودها ، وعن الصمود فى وجه الجالية الفرنسية ، وفى كل بلد زارها بورقيبة كان يعمد الى مقابلة المسؤولين الفرنسيين فيها حتى يقنعهم برأيه ، وحتى يكونوا عونا لقضية بلاده ، وكان يمهد لمرحلة جديدة لابد سيخوضها فقد احس ان الصراع مع فرنسا آت ، وذلك ليكسب هذا النضال شرعية ، وحتى يظفر بعطف الرأى العام العالمي وتأييده (36)
وقد حقق بورقيبة بعض ما يريد ، وأصبح م . فنر بروكواى Fenner .M Brockway رئيس المؤتمر الشعبى فى انجلترا يساند هذه القضية ، ففى الثامن عشر من سبتمبر ارسل رسائل الى كل من جواهر لال نهرو رئيس وزراء الهند وشودرى ظفر الله خان وزير خارجية بأكستان ود . ساباندريو وزير خارجية أندونيسيا حول هذه القضية وموضوع طرحها أمام هيئة الامم ورد عليه نهرو بأن الهند تقف مع قضية تونس وتؤيدها وتعطف عليها إذا ما قدمت هذه القضية أمام الهيئة الدولية (37) ، كما رد أحمد بوخارى مندوب باكستان فى هيئة الامم يعلن مساندته للقضية (38) وبالمثل كان رد د. سوباندريو (39) وعلى هذا فان فنر بروكواى ارسل هذه الردود الى بورقيبة
وأكد مساندته بدوره لهذه القضية أمام الرأى العام العالمى (40)
قضية تونس فى أروقة هيئة الامم :
بعد ان حال بورقيبة فى أوربا نحو 11 شهرا عاد الى تونس واخذ يطوف بالمدن والقرى يوضح للشعب ان فرنسا لم تستجب لمطالبه ، ولم تنفذ وعودها . قال ان تونس التى مدت يدها الى فرنسا آملة السير فى طريق الحوار للوصول عن طريق التعاون والتضامن الحر لتونسة الادارة بمعونة فرنسا نفسها وعلى اساس الاعتراف بمعاهدة باردو سنة 1881 وعلى اساس الحفاظ على مصالح فرنسا فى تونس ولكن فرنسا بدلا من ان تستجيب لذلك ردت فى 15 ديسمبر سنة 1951 بمذكرة تشيد فيها بما ادخلته فى تونس من اصلاحات وتعلن أنها تتمسك بتونس وانه من الضرورى ان يشارك الفرنسيون فى الحكم فيها (41) وعلى هذا فان تونس تجد لزاما عليها ان تلجأ الى هيئة الامم تعرض قضيتها وهى تخاطب الرأى العام العالمى الحر للوقوف معها صراحة ، وذلك للخروج بالقضية من حالة الجمود التى تعانيها ، وطلب بورقيبة من الوزارة التونسية الاسراع بتقديم مذكرة بهذا الشأن لمجلس الامن وطالبوا بعدم التردد والا حاسبها الشعب على تقصيرها .
ومع ذلك فان بورقيبة والشعب التونسي لا يحمل لفرنسا حقدا ولا ضغينة ، وانما هو يطالب هؤلاء الذين يستغلون تونس ويتحكمون فى مصيرها ان يعطوها حقها فى الحياة وتسيير امورها بنفسها ، ويطالب الشعب التونسى بالوقوف صفا واحدا والاستعداد لمعركة حاسمة قد تطول حتى تنال تونس هدفها (42)
وازاء الموقف المتوتر بين تونس وفرنسا ، وبعد ان فشلت المفاوضات ، لم بعد الشعب التونسي يقنع بتلك المماطلات فأجبر الوزارة على عرض القضية على مجلس الامن يؤيده فى ذلك الحزب الدستورى والصحافة التونسية ، وسافرا محمد بدرة وصالح بن يوسف يحملان قضية تونس الى المجلس معتمدين على ما ورد فى البند الخامس والثلاثين من ميثاق هيئة الامم : بأن لكل دولة الحق في ٢٣٠١ لفت نظر المجلس الى أى خلاف تكون هذه الدولة طرفا فيه ، وفى هذه المذكرة حددت تونس مطالبها وذكرت ان فرنسا وعدتها بالحكم الذاتي ولكنها لم تنفذ وعدها ووصلت العلاقات بين الدولتين الى حد التهديد بحدوث اضطرابات فى تونس ، كما قالت المذكرة ان تونس سبق ان طلبت من فرنسا بمذكرة قدمتها فى 31 ترسب بمد بره كدمنها فى اكتوبر سنة ٦ استقلالا ذاتيا يتمثل في حكومة تونسية بحتة وهيئة تشريعية منتخبة انتخابا حرا تكون مهمتها سن القوانين ووضع الدستور ولكن فرنسا بدلا من أن تستجيب لطلب تونس فانها ردت بمذكرة 15 ديسمبر سنة 1951 الت - ٧ - أسى نصر فيها على ضرورة مشاركة فرنسى تونسى فى الشؤون السياسية والادارية والاقتصادية مما يتعارض مع القانون الدولى وما جاء فى معاهدة الحماية الت بي ٣ - عقدت في 12 مايو سنة 1881 ولذا فالشعب التونسي يلجأ الى محل الامن طالبا منه ان يعمل على انهاء النزاع بين الدولتين ومطالبة فرنسا باعطاء تونس ٣ تر سيما بوييس مطالبها ( 43 (
معنى ذلك أن السبب الاول فى التجاء تونس الى ا - : - ، ١١ السبب الاول فى التجاء تونس الى الامم المتحدة كان مذكرة 15 ديسمبر سنه 1951 لانها اثارت الخواطر بتونس بشكل واسع وأجمعت المنظمات القومية على رفض كل تدخل فى شؤون تونس ، ولم يكن من الممكن ان تلجأ تونس الى استخدام القوة فليس لها جيش وليس لها سلاح وانما اصبحت عدتها فى صراعها مع فرنسا ثبات ابنائها واعتمادها على مناصرة الرأى العام العالمي ( 44 )
- ١٤-١ ولكن عندما تقدم الوزيران بهذه المذكرة الى السكرتير العام م . تريجفى لى رفض قبولها بل رفض مقابلتهما ، فما كان منهما الا ان حاولا واصرا واخيرا استطاعا تسليمها الى مدير مكتبه ، وعلى الرغم من توسط عبد الرحمن عزام
امين عام الجامعة العربية آنذاك فقد رفض تيجفى لى مرة اخرى مقابلة الوزيرين وأصر على الرفض ، الا ان عبد الرحمن عزام واصل جهوده حتى تم عرض هذه القضية على مجلس الامن وذلك بأن طلب الى مندوب باكستان القيا بذلك ولبت باكستان الطلب ، وكلف ظفر الله خان وزير خارجيتها مندوها فى هيئة الامم بالعمل على تحقيق هذه الرغبة ، وبذلك ظهرت ولاول مرة كتلة الدوا العربية الاسيوية التى تضامنت بجد وبعض مع تونس ووقفت معها تساند وكانت أهم الدول التى فعلت ذلك هي مصر وسورية وبورما وباكستان والهن وشيلى وايران والفيلبين والسعودية واليمن ، ورغم تخلف مندوب كل ما اثيوبيا ولبنان وليببريا عن حضور الاجتماع الذى تم فيه الاتفاق على ادراج القضية ، الا ان هذه الدول ايدت تونس فى موقفها ) 45 ( وكلفت لجنة من دول الكتل المذكورة باعداد المعلومات الخاصة بالوضع فى تونس وتطوراته وتقديم تقرير عنه وادرجت القضية فعلا فى 2 ابريل سنة ٥ و 1 في اعمال المجلس واعلن السيد بوخارى مندوب باكستان فى يوم الخميس 10 منه رسميا دعوة مجلس الامر للانعقاد فى تمام الثامنة للنظر فى قضية تونس ولكن المجلس رفض القض فى دورته هذه لان انجلترا صوتت ضدها ارضاء لفرنسا حتى تقف معها فى مصر ، كما ان الولايات المتحدة عارضت القضية أيضا وضغطت على هولنه وتركيا واليونان ارضاء لفرنسا وعلى هذا فلم تحرز القضية الاصوات السب اللازمة حتى يتم قبولها ومناقشتها
ولكن هذا الموقف لم يثن دول الكتلة المذكورة عن موقفها وكان عدد دولها قد اخذ يتزايد بانضمام العديد من الدول فى افريقيا وآسيا اليها حتى بلغ عددها 22 دوله فزاد ذلك من حماسها ومضاعفة جهودها ، وأصبح الامل هو فى عرض القضية على الجمعية العامة فى باريس الا انها لم تحرز الاصوات اللازمة فعرضت فى نيويورك ورفضت أيضا بسبب معارضة الولايات المتحدة
ورأت الدول العربية فى رفض مجلس الامن بحث القضية التونسية سابقة خطيرة ، واصبحت هذه القضية امتحانا وتجربة يتقرر بها مصير العلاقات والثقة بين دول الغرب وكتلة الدول الآسيوية الافريقية ، وأصبح قرار مجلس لامن لا يتفق مع روح العدل وميثاق الامم المتحدة ورأت فيه سورية فضيح نهدد بوقوف الدول العربية موقفا سلبيا من هيئة الامم ، وصرح الوزيرا التونسيان فى بيان صدر عن مكتب الحزب الدستورى فى القاهرة بأن مجلس الامن قد ارتكب خطأ ليس له مثيل فى تاريخ الامم المتجدة .
وفي ذلك الوقت كانت الازمة قد تفاقمت بين تونس وفرنسا حين قبضت ١ - فرنسا على بورقية واربع من الوزراء وأعلنت الاحكام العرفية فى 18 يناير سنة 1952 وبدأت منذ ذلك اليوم تتخذ العديد من الاجراءات التعسفية للقضاء على نمو الحركة الوطنية فى تونس ، وللضغط على الباى لاستبدال وزرائه بآخرين مناصرين لفرنسا .
وقامت باكستان بمهاجمة الموقف الامريكى وأعلنت انها كانت تنتظر من امريكا تأييدا لحربات الشعوب ومن الهيئة الدولية عدالة أكثر ، وليس تنكرا لميثاقها وخذلانا لمبادئها .
وكان من المنتظر ان تقف فرنسا وانجلترا هذا الموقف المتعنت فهما دولتان عريقتان في الاستعمار ونظرا لهذه المواقف والتصادمات أخذت قضية تونس تحتل صفحات عديدة من أمهات الصحف فهي قضية انتقلت من نطاقها الضيق بين فرنسا وتونس الى النطاق العالمى وأصبحت تجذب اهتمام الرأى العام فذكرت صحيفة ) نيويورك تيمس ( و ) نيويورك هيرال تريبيون ( و ) كريسيان سنس مونتور ) أن فرنسا التى تدعى أنها استاذ الحرية تعسف بالشعب التونسي وتنتهك اعراض بناته ، وتدعى أن الحركة الوطنية فى تونس ليست سوى حركة يقوم بها شرذمة قليلة تتحرك بتعاليم من موسكو ، وعلى الرغم ان الاشتراكيين الفرنسيين قد ادركوا الموقف على حقيقته وطلبوا من حكومتهم تحرير تونس ومنحها حقها فى الاستقلال ، وأخذت بعض الصحف مثل ) بوبولار ( نسساندهم وتقول : إن شعوب شمال افريقيا ستنال حريتها حتما ) 46 ( ، اما صحف مصر مثل الاهرام ) 47 ( والمصرى ) 48 ( والبلاغ ) و 4 ( فقد ساندت هذه القضية واستنكرت الاعتداء الفرنسي الوحشي على التونسيين ، كما استنكرت موقف امريكا التى عملت على عدم اغتصاب فرنسا رغم المعارضة الداخلية لموقف الحكومة ووقوف الشعب الامريكي بجانب قضايا الحرية فى شمال افريقية واخذت البلاغ تحذر هيئة الامم من الفشل وتقول : ان اقرار السلام الدولى يرتهن بازالة كل اثر للاستعمار فى آسيا وافريقيا ونعود الى كتلة الدول الاسيوافريقية
فنجدها قد احتضنت قضية تونس بحماس ، وأخذت تعقد الجلسات الدورية المنتظمة اثناء انعقاد المنظمة الدولية وذلك لتنسيق الجهود ووجهات النظر فيما يختص بقضية تونس وقضية مراكش ايضا ، واصدر الامين العام للجامعة تقريرا اعتز فيه بهذا التأييد ، وأخذت هذه الكتلة توضح فى اللجنة السياسية أن تونس تستعد للاستقلال وتستحقه بالمقارنة بكثير من الدول وان النزاع بين فرنسا وتونس إنما هو نزاع على الحرية ، حرية الانسان التى دعا اليها ميثاق هيئة الامم
اما فرنسا فقد استمرت في عنادها ، واستمرت ترفض أى تدخل وأعلنت أنها ستتخلف عن حضور المناقشة أمام اللجنة السياسية
ثم دخلت القضية فى دورة أكتوبر سنة 1952 فقد تقدم مندوبوة من ٣٣ - من الكتلة المدكورة فى 20 يونية بطلب لعقد دورة خاصة للجمعية العامة لبحث مسألة تونس ، وأيدتهم فى هذا الطلب عشر دول اخرى ومع ذلك فلم يظفر ٦ ر ت ٣٣٣٣ الطلب بالا كثرية القانونية فتعذر انعقاد الجمعية العامة فى دورة خاصة فانتظرت هذه المجموعة من الدول انعقاد الدورة العادية ، وفي 30 بوليو تقدمت بطلب لادراج القضية فى جدول الاعمال ، وفعلا اقرت الجمعية العامة ادراج القضية فى جدول اعمالها فى 16 اكتوبر ثم احالتها على لجنة سياسية ، وعقدت هذه اللجنة عشر جلسات لبحثها ، وتولت الكتلة المذكورة الدفاع عنها باسهاب الدفاع عنها باسهاب ، وتطرق الكلام الى المفاوضات التى جرت بين تونس وفرنسا الى بيان الاسباب التى ادت الى فشل هذه المفاوضات والى حدوث الاضطرابات داخل تونس والى ات داخل يوس وان قيام حوادث دامية فيها ، ووقف الاتحاد السوفيتى يؤيد الدول العربية ف ج - ت موقفها وناشدت هذه المجموعة فرنسا الاشتراك فى مناقشات الجمعية السياسية ولجنها رفضت بشدة وكان مندوبو تونس يشتركون مع هذه المجموعة ويقدمون لهم المعلومات اللازمة ، واسفر هذا الجهد عن تقديم مشروع قرار بعد طول بحث تناول عدة نقاط
له ( يعلن ميثاق الهيئة المساواة بين الشعوب كبيرها وصغيرها فى الحقوق وفى حق تقرير المصير
2 ( استمرار الحالة فى تونس يجحف بتلك الحقوق والمقاصد وبهدد الامن والسلام الدوليين
3 ( مطالبة الهيئة بأن تحث فرنسا على ايجاد حالة عادلة واعادة الحياة في تونس .
4 ( ان تدعو الهيئة تونس وفرنسا الى استئناف المفاوضات بينهما من اجل تقرير مصير شعب تونس وامانيه الوطنية
٦ ( ان تعين الهيئة لجنة للمساعي الحميدة تؤلف من ثلاثة أشخاص تعد للمفاوضات المقترحة وتساعد عليها .
- 6 ( ان تتخذ الهيئة جميع الخطوات اللازمة تحقيقا للاهداف المذكورة وتقدم تقريرها الى الجمعية العامة .
ان تدعو الجمعية العامة أصحاب الشأن لتقديم معونتهم لهذه اللجنة .
8 ( ادراج القضية في جدول اعمال الجمعية العامة لدورتها الثامنة ) 50 (
هكذا وقف هذا المشروع بجانب مطالب تونس ، ووقفت دول الكتلة الى جانبها ، الا ان مندويو احد عشر دولة امريكية فى امريكا الوسطى والجنوبية تقدموا بمشروع آخر .
٢ ( يعلن المشروع ثقة الجمعية العامة فى أن فرنسا ستسعى لانماء المؤسسات الحرة للشعب التونسى وفقا لمبادئ الامم المتحدة .
2 ( وتعرب الجمعية العامة عن أملها فى استمرار الدولتين فى استئناف المفاوضات بصورة عاجلة بغية اقامة حكم ذاتي للشعب التونسى فى ضوء ميثاق الامم المتحدة
3 ) تناشد الجمعية العامة الدولتين بأن تسيرا فى علاقتهما بموجب روح وميثاق الامم المتحدة والامتناع عن أى اعمال او اجراءات تؤدى الى استمرار التوتر الحالى وزيادته
وأصبح هذا المشروع بشكله هذا يهدف الى حل وسط ولم يكن له قوة المشروع السابق . فرأت كتلة الدول الاسيوية الافريقية دعوة ممثلى تونس وفرنسا لحضور المناقشة وفعلا تقدم مندوب باكستان بمشروع قرار يأسف لعدم حضور مندوب فرنسا اثناء مناقشة القضية ويناشد فرنسا معاودة النظم فى قرارها ، ويدعو اللجنة السياسية دعوة باى تونس لارسال مندوبيه للاشترا فى المناقشة دون ان يكون لهم حق التصويت ، وكان الهدف الحقيقي لهذا المشروع هو اتاحة الفرصة لباى تونس ليعلن عن رأيه ولازاحة الحصار الذى ضربته فرنسا حوله ، ولكن الولايات المتحدة واكثر دول امريكا اللاتينية واوربا
وانجلترا صوتت ضده فلم يظفر بالاغلبية
حيث ١ العين ثم أحست الكتلة المذكورة بان مشروع دول أمريكا اللاتينية يحظى بتأييد اكثر فتقدم مندوب الهند بتعديل لتحسين المشروع اللاتينى طالب فيه بالغا الفقرة الخاصة بشأن المؤسسات الحرة فى تونس وسياسة فرنسا واستبدالها بفقرة تنص على رجاء رئيس الجمعية بأن يلاحظ خط سير المفاوضات بير الدولتين وان يقدم المعونة التى يراها ضرورية ، وكان القصد من هذا التعديل هو ربط المفاوضات بالامم المتحدة حتى تسير توجيهها من حيث الزمن والموضوع بدلا من أن تظل تحت رحمة فرنسا وتحت رحمة الظروف .
ولما جرى التصويت على مشروع الكتلة الاسيوية الافريقية رفض بأغلبيا 27 صوتا وموافقة 24 صوتا وامتناع سبع دول عن التصويت ، وذلك على الرغ من ان بعض فقرانه مأخوذة من ميثاق هيئة الامم ، واما المشروع اللاتيني فق وافق عليه 45 دولة ورفضته ثلاث دول وامتنعت عشر دول عن التصويت
- ١ اما التعديل الهندى فقد ظفر بتأييد 31 دولة ومعارضة دولتين وامتناع 6 . دول عن التصويت .
وفي 17 ديسمبر 1952 أقرت الجمعية العامة قرار اللجنة السياسيه بأغلبيه 4 صوتا مقابل 3 أصوات وامتناع 8 دول عن التصويت ) 51 (
وجاء فى هذا القرار أن الجمعية العامة .
1 ( تعبر عن ثقتها بأن حكومة فرنسا تطبيقا للسياسة التى اعلنتها ستبذل جهودها بصورة فعلية لازدياد نمو المنظمات الحرة للشعب التونسى طبقا لاهداف ومبادئ الميثاق .
- 2 ( تعبر عن أملها في أن الفرقاء سيواصلون المفاوضات بصورة عاجله لتحقيق الحكم الذاتى .
٦ ) تناشد الفريقين المعنين بأن يسيروا في علاقاتهما وان يسويا النزاع القائم بينهما طبقا لروح الميثاق وان يكفا عن القيام بأية أعمال أو اجراءات من شأنها أن تزيد فى خطورة التوتر الراهن ) 52 (
ومهما كان الامر فان فرنسا لم تستمع الى هذا القرار ولم تنفذه ، ولكن تونس كسبت من هذه التجربة فلم تعد قضيتها قضية محلية بل اصبحت قضية مطروحة امام الرأى العام العالمي . وجعل فرنسا غير طليقة دون رقيب أو حسيب .
فما هى سوى بضع سنوات حتى اضطرت فرنسا امام الضغط الشعبى المتزايد فى تونس وامام الثورة العاتية فيها وأمام خذلانها فى الهند الصينية الى الاستماع الى صوت العقل . وكان أن استجابت للمطالب التونسية واستقلت تونس فى مارس سنة 1956 .
والفضل فى ذلك يرجع الى اصرار الشعب التونسي وقادته وعلى رأسهم بورقيبة على الحصول على حريته
مراجع هذه الدراسة
أولا : الوثائق :
مركز الوثائق القومية ) كتابة الدولة للشؤون الثقافية والاخبار ( مجموعة وثائق تحت رقم 50-3
2 ( مصلح 2 ( مصلحة وثائق الكفاح الوطني ) كتابة الدولة للاخبار و الكفاح الوطني ( كتاب الدولة للاخبار والارشاد ) ايام خالدة . المعركة الحاسمة 18 يناير سنة 1952 . تونس 1958 ) I 2 ( من سجل الكفاح . المعركة الحاسمة 18 يناير سنة 1952 . تونس 65 و 1 4 ( منشورات الحزب الاشتراكى الدستورى . وثائق من تاريخ الحركة القومية . 18 يناير سنة 1952 ) نشر قسم التوجيه وتكوين الاطارات ( تونس سنة 67 ، و 1 5 ) الحبيب بورقيبة أ - بين تونس وفرنسا . كفاح مرير طيلة ربع قرن فى سبيل التعاون الحر . تونس سنة 1957 ب - من تاريخ 7 يونية سنة 1943 . تونس سنة 63 و 1 Centre de Documentation National ; Histoire ( 7 de Movement Nationl Tunisien ; Pour Preporer lo troisime epreuve . A . Doc . X . Le Neo Destour brisle silence 1944/49.72 . Doc . Xl . Le Neo Destour enScrooge un ultime diogue . 50/51 Tunis 1973 . C . Doc . X. Le Neo Destour enScrooge un ultime diologue . 50/51 . Tunis 1974 .
Hobib . B . ; Discours . Vol . 1 . Annees 1955-56 . Tunis 1974 to الحسب بورقيبة . أحاديث . سنوات 55 / . تونس 1974 II
ثانيا : المؤلفات
1 ( يونس درمونة : تونس بين اتجاهات . القاهرة 1953 اهار القاهرة 3 2 ( تونس بين الحماية والاحتلال . القاهرة ؟ 3 ( الحزب الاشتراكى الدستورى بعث أمة وبناء دولة 1934-1974 تونس سنة 1974 3 ( كتابة الدولة للاخبار والارشاد الحبيب بورقيبة . حياته وجهاده . تونس 1966 ٥ ( على البلهوان : تونس الثائرة ) لجنة تحرير المغرب العربى ( القاهرة ٤954 6 ( شارل اندريه حوليان : افريقيا الشمالية تسير . القوميات الاسلاميا والسادة الفرنسية . ترجمة . المنجى سليم وآخرون . تونس سنة 1976
ثالثا : عدد من كل من المصرى والاهرام والبلاغ .

