الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

بوغرطة

Share

مجهود محمود هذا الذى تقوم به الدر التونسية للنشر فى تكوين المكتبة التاريخية التونسية فعلاوة على الوثائق والمخطوطات التى برزت الى العيان فى هذه السنوات القليلة ركزت هذه المؤسسة جهودها على المساهمة فى حث المؤرخين التونسيين على نشر تآليف بأتم معنى الكلمة فى تاريخ تونس القديم والحديث بالعربية والفرنسية .

وبعد ان ظهر فى السنة الفارطة للاستاذ محمد فنطر كتاب قرطاج بالفرنسية ها هو يطلع علينا بكتاب ثان بالعربية يتناول شخصية يوغرطة الفذة .

والكتاب من القطع الكبير يحتوى على 300 صفحة فى حروف واضحة وورق صقيل . قدم له الدكتور محمد الحبيب بلخوجة الرئيس المدير العام للدار التونسية للنشر كما قدم له صاحبه مبينا أهمية التاريخ فى تنمية القومية والوطنية معللا اختياره ليوغرطة .

ولعل الذى يستوقف القارئ أول ما يستوقف هو أن محمد فنطر الباحث الأثرى المعروف عالميا فى حقل الآثار بدراساته العلمية ومقالاته الموضوعية بكتب كتابا عن يوغرطة مبسطا غاية التبسيط فى متناول جميع الطبقات القارئة من دون أن يمس بالروح العلمية فى منهجه ومحتواه وتكون الغاية من تأليفه هى خدمة فكرة عزيزة عليه ألا وهى غرس حب الوطن فى النفوس بالتاريخ وتعميق روح القومية بدراسة هذا الفن من المعرفة .

يقول القائل أبن الموضوعية العلمية إذن ؟ وأين التاريخ فى أجلى معانيه ؟

وأين حب البشرية من هذا كله فى عالم يتوق الى أن يتعاون ويزيل الحواجز الموجودة بين مختلف سكانه ؟

أظن أن هذا هو صلب المشكل الذى يقلقل ضمائر علماء التاريخ وأساتذته فى ديارنا : هل نجعل من التاريخ فى تونس مادة غايتها غرس حب الوطن ، حب تونس أم أننا نعتبره من العلوم التطبيقية التى لها قوانينها الشاملة مثل الفيزياء والكيمياء وهو مطلب عسير لا أظن أن مادة التاريخ الخاضعة للاحداث التاريخية فى تقلبها وارتباطها بالنفس البشرية وتعقدها يمكن ان تصل يوما الى ضبط قوانين مسطرة يقع اختبار صحتها فى كل زمان ومكان ؟ ذلك أن المؤرخ هو مؤول للأحداث قبل أن يكون عالما .

التاريخ من أول البشرية الى اليوم يخدم فكرة فهو إما للاعتبار ومعرفة أحوال الناس وغايته اخلاقية وإما لتعليل الاحداث بالاعتماد على العوامل الفردية السياسية أو العوامل الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية . وبعبارة أوضح فان التاريخ لا يمكن أن يتصور بدون فلسفة للتاريخ .

وإذ كان تدريس أو درسة التاريخ تخضع لفكرة فالمشكل إذن مشكل اختيار لهذه الفكرة . وبما أن المؤرخ فى بلاد متنامية مثل بلادنا له دور يجب أن يقوم به ولا يعقل أن يكون على هامش مجتمع هو فى أشد الحاجة إليه فمن باب أولى وأحرى أن يتمثل هذا الدور فى الذود عن كيان الأمة التى ينتمى اليها وفى المساهمة فى رفع كابوس الاستعمار الثقافى المذيب لشخصيتها كما ساهم فى زحزحة نير الاستعمار السياسى . والاستعمار فى الواقع كل متكامل اذا بقيت رواسب من رواسبه فى أمة أصيبت بنكسة طال الزمان أو قصر ورجعت الى ما كانت عليه من عبودية وذل .

وليس هذا من باب المغالاة فى حب الوطن الذى يقود الى مناوأة الشعوب الاخرى لأن ذلك لا ينشأ ولا يخشى إلا من أمة قوية عزيزة منيعة لا تشكو آفة من آفات التخاذل والانحطاط . أما بالنسبة للشعوب المتنامية التى أزالت نير الاستعمار وحسمها ما زال يشكو أمراضا عديدة فمن الطبيعى أن تنكب على معالجة هذا البدن حتى يمكن لها أن تتعامل وتفيد شعوب العالم الاخرى .

وهذا الذى دعا محمد فنطر الى أن يقول : " إن التعاون الحر المثمر ميدان لا تلجه إلا شعوب آمنت بقوميتها أى بذاتها كعامل فعال يساهم فى سبك الحضارة البشرية " .

وهكذا فانه لا مناص فى هذه الفترة من أن تكون غاية التاريخ فى بلادنا غرس حب الوطن وتعميق روح القومية من دون أن نمس بالموضوعية التاريخية من حيث صحة الاحداث والمحافظة على سلامتها من كل تزييف وتغليط .

ويمكن أن يكون يوغرطة الذى اختاره محمد فنطر ليقص علينا حياته الزاخرة بالاعمال رمزا لهذا المثقف الذى آمن بقومه وخاف عليهم من الاستعمار فانبرى بكافح من أجل حريتهم حتى آخر رمق من حياته .

يوغرطة الذى تغذى بثقافة رومة علاوة على ثقافته القومية اللوبية البونقية وعرف أهلها وحذق لغتها واندمج فى أوساطها لم يتفسخ ولم يذب فى رومة بل حافظ على إفريقيته وصدع بتلك العبارة التى بقيت ترن صدى من أصداء التاريخ : " إفريقية للأفارقة " . ولقد فهم وهو أقرب الناس الى رومة روحها الاستعمارية وكان من الممكن له وقد تحصل على ملك عظيم ان يكسب ودها وهى القوة الجبارة آنذاك القاهرة لحنبعل وقرطاج ولكنه عرف الخطر الذى يحدق بافريقية كلها وهو ما لم يفهمه مسنيسا عندما تحالف مع رومة ضد قرطاج فأبى على شعبه أن يؤول به الأمر الى العبودية فشنها حربا لا هوادة فيها .

ولقد حاول محمد فنطر أن يخلص بموضوعية تامة هذه الشخصية الفذة مما لوثها به المؤرخون الرومان وفند الكثير من تأويلاتهم وشكك فى بديهياتهم فأتى كتابه تاريخا منصفا لرجل لم يكن من ذنب له إلا الدفاع عن حرية قومه فى ظرف تطور فيه الاستعمار وأخذ شكلا فظيعا .

وعلاوة على ذلك فقد برز الكتاب فى ثوب قصة مشوقة سهلة لم يتوخ فيها صاحبها الاساليب البلاغية ولا المحسنات البديعية بل هى لغة خالية من التصنع ، أدبية إن شئنا ، فى نفسها ، ولكن جوهرها ينبنى على روح علميه تروم الدقة والضبط . ولهذا فان القارئ العربى يصطدم بتراكيب غريبة شيئا ما عن المألوف وبعبارات قليلة الاستعمال ولكنها عربية أخرجها المؤلف ليدل بها على مفاهيم جديدة فأتى كتابه سهلا ليس فيه من غاية إلا خدمة الموضوعية التاريخية من أجل عزة الوطن .

اشترك في نشرتنا البريدية