فازت بجائزة " على البلهوان " لهذه السنة
-2-
وصل محمود مبكرا إلى الجامع ( 1 ) فوجد جل الاطفال واقفين امام بابه يترقبون اوامر المؤدب الذى انهمك فى اخراج الاعلام وتوزيعها على التلاميذ . فكان منها الاخضر والاصفر والاحمر فكتب على بعضها لا اله الا الله محمد رسول الله ونقش على الاخري يا عبد القادر يا جيلانى . اما الباقى منها فلقد ازدان بسيوف وخناجر ونجوم وما شابهها من الصور التى تباينت اشكالها واحجامها . سلم المؤدب لمحمود علم سيدى عبد القادر الجيلانى الاخضر الذي تدلت من اطرافه حروز وسمكة سمينة طرزت كلها بالعدس الملون . فوقف فى أول الصف فخورا بعلمه الطويل الثقيل بينما كان المؤدب يربط اعناق اصغر التلاميذ بحبل ويرفع شاشياتهم عن رؤوسهم
- يا محمود حط علمك وكمل ارفع كبابيس كل الذرى وطلع شوشاتهم - لكن ما عندهمش كلهم شوشات - كل طالب ما عنده شوشه خليه فى آخر الصف ثم اضاف - وقت تقصوا شعركم اتركوا دائما شوشة يا اولاد ، راهى تصلح اصطف الجميع ثم اتبعوا المؤدب وقادهم خارج القرية ، مارين بمدرسه الذكور الابتدائية وطاحونة مغز حتى اقتربوا من هضبة ام الحيران فصاحوا مع المؤدب - يا الله ويا الله صب النو انشالله ، يا الله ويا الله
فدوت أصواتهم وتوجهوا الى هضبة ام الحيران وعين ام الثعالب . كان محمود ينادي معهم وينظر الى علمه وحروزه وسمكته . فلم ير علاقه بين علمه والله والمطر والسماء التى كانت صافية تلمع فيها شمس حارة محرقة لا تستريح ولا يهنا لها بال نظر حوله فرأى الاطفال يصيحون بكل ما اوتوا من قوة يتعثر بعضهم او يسقط كلما جذب بعضهم الآخر الحبل الذى يربطهم . ابتسم فرحا لهم مشفقا عليهم من الشمس ومن طوب الارض التى تشققت فكثرت ثقبها وبدت حمراء جدباء . لقد ندرت ثمرتها منذ سنوات متوالية وكادت تفقد هذه السنة فقلت الحبوب واختفى العشب حتى المروبية والكرشون والخبازة وذيل خروف والاكليل تلك الحشائش الفاسدة التى كانت تعمر الى آخر الصيف فتعافها حتى الاحمرة والمعز . اما جذوع السنابيل فلم يبق لها اثر وكانت تبقى فى سنوات الرخاء الى آخر الخريف فيضطر الفلاحون الى خرقها لكى يزرعوا للشتاء والسنة الجديدة . عثر بغتة على جذوع قليلة فتذكر ايام الحصاد
الخصبة التى يقبل فيها الحصادون من كل فج يحمل كل واحد منجله فيصطفون عشرات ومئات ثم يهوون على سوق القمح والشعير بالاتهم فيلتهمونها التهاما. فكانت السنابل الذهبية تنحنى امام المناجل هينة راضية مرضية ويتعالى صوت العمال ويكثر ضجيج العربات التى تحمل اكداس القمح الى البيادر وتدوى في الفضاء اغاني عذبة تطلقها النساء والرجال على السواء فيكثر التعارف ويلد الحب فيتحمس الجو وتزداد الحركة ويدب الفرح دبيبا حتى تدرك العاملين الهجيرة فيرمون بالمناجل ويخرجون خبزهم ولبنهم وماءهم فيسدون الرمق ثم يضطجعون تاركين العنان للنوم والراحة او يستمعون الى الصراصير تغنى وتنشد في الجو الهادىء .
تصدعت اذنا محمود من صياح الاطفال الذين كانوا يضعون ايديهم على رؤوسهم ثم يلوحون بها الى الفضاء مرددين يا نو يا اميمتى بليلى شويشتى شويشة العتوقه فى السماء مرشوقه
ابتسم محمود رغم تعبه عند ما رأى المؤدب يصيح ويتعثر معهم غير منتبه الى لحفته الصفراء التى كادت ان تسقط عن كتفيه . فهرول لاخذها لكنه تأخر عند ما رأى المؤدب يلتفت اليه باكيا قد انهمرت دموعه على لحيته وبلت صدريته السوداء . تقدم محمود فمد له لحفته قائلا - لا بأس عليك يا سيدى ، انت مريض فلم يجبه بل ازداد بكاءه ونادى
يا الله يا كريم صب النو يا رحيم ! يا الله يا جليل . . فلما رآه الاطفال الصغار على تلك الحال ارتاعوا وناحوا معه فانقلب الاستسقاء الى مناحة . عصر محمود عينيه فظلت جامدة فاكتفى بالسير دهشا متسائلا يبحث عن حل . فلو تجمع اهل القرية وبكوا يوما لجمعوا مياها تكفيهم عناء الاستسقاء ؟ وما عسى ان تكون النتيجة لو تجمع جميع سكان الارض وبكوا معنا ؟ فهل ننجو من جفاف الارض ويعود الخير الى البلدة التى اصبح صيفها فى كل حين وظل شتاءها الممطر وليد فجأة وبغتة ؟
قبض على علمه بشدة وظل يمشى صامتا حتى اقترب مع رفاقه من عين ام الثعالب حيث سد قطيع غنم كبير الطريق امام سيارة شحن آتية من القصرين فناطحت عجلاتها الغنم وخرج منها السائق مزمجرا ثم انهمك في مهاترة عنيفة مع راعى الغنم ولم ينتبه الى مؤخر سيارته الذى نزل منه رجل عارى الرأس
حافى القدمين قصد لحينه القرية بعد ان نفض غبار قميصه الابيض الفضفاض. اسرع الغريب في مشيه ناظرا امامه حتى بلغ دار الزنك حيث تجنب رجال الجندرمة الذين وقفوا بالمرصاد يعاقبون كل مفرط فى السير او فى اهانة دابته اندمج تحت الاشجار وقوس نصرها الطبيعى فاحس بلذة ظلالها بعد سفر طويل تحت الشمس المحرقة واصغى الى تغريد الاطيار الكثير التى كان الاطفال يتفانون في صيدها في ذلك الصباح . فوقف هنيهة واستند على شجرة ثم تابع سيره مع السواقين المتزاحمين حتى بلغ المستشفى فبلغته ضوضاء السوق واصوات الحيوانات
وظهر له سوق الملابس التى نثرت على الارض متنوعة الالوان قرب اكياس القمح والشعير واكداس الحطب والفحم . وجد نفسه بعد حين فى وسط القرية حيث اصطفت مقاهيها ومتاجرها على حافتى الطريق واكتظت ساحتها بالسواقين وحلقات عازفي الرباب وضاربي البنادير والسحارين واصحاب الثعابين فلم يغر ذلك العالم انتباها واستمر فى سيره السوى فمر بساحة القرية الكبيرة حتى اقترب من هضبة حراس الغابات في اسفل القرية فظهرت له عين البلدة الكبرى وبساتينها وجبل ابي الاحناش المحروق الشاهق . وقف يفحص محيطه ثم عاد على اثره حتى وصل وسط القرية وكان التعب باديا على محياه ، عثر فجأة وكاد يتحطم لولا يد محمود التى اسعفته واسندته الى حائط فى مكان مظل . انحنى عليه محمود وقال
- لا بأس عليك يا ابى ؟ اش بيك انت مريض ؟ فنظر اليه الجالس بعينيه الضيقتين وامعن النظر فيه يشبع نفسه بشباب محمود الذى كاد " يضرط " صحة فظهر اليه رجلا كاملا رغم انه لم يبلغ التاسعة عشرة . حدق فى وجهه الاسمر المستدير وتعلق نظره بأنفه القوى الافطس فكح محمود متكلفا متضايقا ورتب قميصه وسأله ثانية - اش اسمك يا ابى ؟ - اسمى عبد الله - الناس الكل عباد الله لكن اش اسمك انت ؟ - اسمى بودودة
ثم وقف متركزا على ركبتيه ومضى زاحفا نحو السوق وحلقاته . فرفع محمود سلته الكبيرة وتوجه نحو بساتين البلدة يفكر فى هذا المخلوق الذى يدعو نفسه بودودة . فلما اقترب من سوق بائعى الخضر رأى صديقه سالم " البرسيس " قادما من شارع البريد فكانت قامته الصغيرة النحيفة تظهر تارة وتغيب اخرى بين السواقين . فناداه محمود
- يا برسيس اسمع ! - اش تحب منى . نايه رايح للرحبه ندبر فى راسى من السواقه - اسمع شويه ، نايه شفت واحد غريب حيرنى . بالله عس عليه وين يمشى وشد جرته حتى نرجع .
- لا يا خويه دبر على نفسك ، انت دائما لاهى بغيرك كأنك تحب تبلع الدنيا وما فيها . اليوم يوم سوق انحب اندبر حويجه على نفسى ، اذا فاتنى السوق تعشيني انت ؟
ثم تأخر واندفع هاربا من محمود الذى لاحقه وقبض على ساعده نشدة - يا مجنون هذا يسمى نفسه بودودة يمكن نعدى عليه وقيت باهي . انا عندى فلوس ياسرة والله نعطيك منها .
- هاتهم توا والا امشى زمر انت وصاحبك ودودته - ها هو دورو يا سيدى على الحساب وبعد انزيدك وما تكبرش بطنك . والله لو ما كان ابى كلفنى بقضية الخليفة ما اعطيتك سوردى يا حلوف . تحبوا تشيخوا على حساب غيركم دائما . الله قداش الناس يحبوا الهندى مقشر .
مد محمود قطعة نحاسية لسالم فرفع شاشيته فوضعها فيها ثم اعادها على رأسه فائزا محتالا - لكن نايه ما نعرفش صاحبك هذا ! كيفاش خليقته ؟
- هو شايب قصير ، اطول منك اشوية ، اسود محروق ، ضعيف كالجرادة ، لابس سوريه بيضه رهيفة والله كان تشوفه تعرفه . امشى قبل ما يضيع . تلقاه يتفرج على سحار من السحاره .
ثم دفع البرسيس الذى عدا نحو حلقات السحرة راجبا وجود الغريب بسرعة . وقف لما بلغ حانوت البرناط واخذ يفكر فى كيفية العثور على الغريب فسعى ان يتصوره لان وصف محمود لا يكفى . فمرت بذهنه صور كثيرة . فلعل الغريب يشابه آبا القاسم النباح الذى اقبل يوما على بلدة تالة وهو ينبح شاهرا عصا باحدى يديه وماسكا بالاخرى قطعة صوفية يجرها وراءه ويكنس بها الطريق . فهو يتذكر كيف اقترب منه مع رفاقه لمداعبته فزمجر في وجوههم واشهر عليهم عصاته فانهزموا من امامه وتركوا سبيله خوفا منه ومن اهل البلدة الذين كانوا ينهرون كل من تطاول على مسه بسوء لانهم راوا فيه وليا صالحا متنكرا زهد فى هذه الدنيا فهاجر كل سيئاتها حتى كلام الناس ففضل عليه نباح الكلاب ليخاطب الرب الاعلى . فلقد روى سي يوسف بن علي احد
اتقياء القرية انه فاجأ ابا القاسم فى جامع سيدى عبد القادر يصلى ويبتهل الى الله بلغة عربية فصيحة كأنها لغة سيدنا عمر بن الخطاب . فاصبح ابو القاسم محل الاعتبار والتقدير واقبل عليه الناس وخاصة اعيانهم يتبركون به ويتقربون اليه . فكر غبطه " البرسيس " ومحمود واصحابهما عند ما كانوا يرونه جالسا قرب الاعبان يتذوق ما لذ وطاب من المشروبات يلقى بها احيانا على ملابس احد الاعيان فيتقبل اهانة ابي القاسم ضاحكا معتبرا اياها فضلا احظاه به الله ووليه الصالح . فكان ابو القاسم الرجل الوحيد الذى يدخل المنازل ويجلس مع النساء دون ان يرى الناس فى ذلك حرجا فتبخر البيوت وتجتمع النساء حوله يعرضن مشاكلهن . فلقد استقبلته ام سالم ايضا . فكانت تتصيده عند مروره بحى ابى لعابه حتى فازت به . كادت تطير من الفرح لان وليا صالحا سيدعو لابنها فيصلح الله امره فيسمن ويطول لأنها كانت تتألم من تغيبه عن الكتاب ومن قصره العضال رغم بلوغه السابعة عشرة . فكانت تتحمل من اجل ابنها تهكم جارتها محبوبة التى تشتمها فى اليوم مرتين على الاقل وتعيب عليها قصره وخيبته فترد عليها متوجعة
- نايه راضية بيه . كل طفل فى عين امه غزال ويتذكر سالم انها اخرجت فى ذلك اليوم حقة القهوة التى اشتراها والده ومات دون ان يشربها . فاصرت على دسها وحرمت نفسها منها مترقبة فرصة سعيدة لاهدائها وكانت دائما تقول
- عندى حكه قهوة ونطع ابيض . يشرب القهوة باهى ومليح ويقعد على النطع كريم نظيف فأجلست انا القاسم فى وسط البيت على نطعها الابيض وقدمت له فنجان القهوة ثم نادت البرسيس فاجلسته قرب ابى القاسم الذى كان يطلق نبحات من حين لآخر وقالت
- ادعيلة يا سيدى حتى يقرأ ويكبر ويحفظ الستين حزب ويعاون امه على هم الزمان ؟ افتحها فى وجهه يا سيدى ؟
وكان البرسيس يرمق أبا القاسم وينظر الى امه وبغتة قفز ابو القاسم ونبح ثم زمجر في وجههما وانقض عليهما بعصاه ففرا منه الى الباب فتبعهما رافعا عصاه ولما وصل الشارع نزل راكضا الى السوق فرجعت امه مطأطئة الرأس وجلست ببيتها تبكى لان ابا القاسم لم يستجب . اما البرسيس فلقد ارتكز بكفيه على حافة الباب ونادى باعلى صوته مستهزئا
- يا امى باهى ومليح كريم ونظيف ثم ركض نحو السوق ليلتقى برفاقه .
مرت هذه الصور بذهن البرسيس خاطفة عاجلة فاستهزا منها كما استهزا من وقائعة مع مجانين آخرين امثال محمد " بالرخة " النمرى الذى وشح صدره باقمشة مختلفة الالوان ورمى على ظهره بقصبتين طويلتين كان ينفخ فيهما الحانا بدوية عذبة . تذكر البرسيس ايضا ابا القاسم العيارى الذى كان يرتدى لباس النساء مدعيا انه المرأة الوحيدة التى لم تبع لحيتها للرجال . فكان يقول
- كانت للنساء لحى باعوها للرجال فى بر الهند فى غابر الزمان الا نايه ما بعث لحيتى
وصل سالم " البرسيس " امام مقهى " تونس " فتذكر انه ارسل فى مهمة دفع له ثمنها فاسرع فى مشيته حتى بلغ الحلقة الاولى التى وضعت رحالها على مقربة من صناديق الفواكة والخضر الآتية من تونس وصفاقس . تسلل الى داخل الحلقة فرأى شيخا معمما تتراقص شنباته وطفلا صغيرا ينقر على بندير كلما قال الشيخ - يا ساده يا ماده يا كرام صلوا على النبى المختار
كان الشيخ يصول ويجول قابضا على رباب ويحكى عن غزوة واد الصيصبان وبراز سيدنا على بن ابى طالب مع رأس الغول . فكان يخطو خطوة الى الامام واخرى الى الوراء ويرفع رأسه الى السماء ثم ينحنى على ربابه فيجرحه ويستمر فى روايته صائحا متحمسا غامضا
- قال الامام على كرم الله وجهه لرأس الغول : يا كافر بالله . . . . فيرفع المتفرجون العاطلون ايديهم ويمسحون وجوههم تبركا ثم يمدون اعناقهم مرهفين السمع.
القى سالم نظرة على الحاضرين فلم يخيل له انه رأى الغريب فخرج من الحلقة مستعينا بمرفقيه ثم نظر حوله فرأى ثلاث حلقات اخرى . استصعب زيارتها كلها لان النهار راح والسوق توشك على الانتهاء فخاف ان يضيع منه وقته الثمين قرر زيارة حلقة ثانية ثم التوجه بعدها الى رحبة الغنم . كانت الحلقة الثانية هى حلقة العيساوية السحارين فدخلها كما دخل الحلقة الاولى مقدما رأسه كانه قط يطل من نافذة . رأى رجلين عاريى الصدر انهمك احدهما فى نفخ زكرة وتحمس الآخر فعرض شاشيته يحث المتفرجين على الاسراع فى دفع قليل من المال حتى يتشجع على مواصلة بهلونياته مع الحيات التى كانت تختفى تارة
وتظهر اخرى من السلة التى جمعها فيها السحرة . ذعر البرسيس من منظرها وحركاتها فالقى نظرة سريعة فلم يتصور انه رأى الغريب فتخلص بسرعه خاشيا تسرب احدى تلك الزواحف الية فتلدغة . استمر يمشى حتى وصل الحديقة البلدية التى اضمحلت منها كل شجرة وزهرة فاصبحت ميدانا للسواقين ينامون به وللاطفال يدفعون فيه كرة خرق بالية . صعد على سياجها والقى نظرة على السوق لعله يرى الغريب الذي ذاب كالملحة فى الماء فرأى الناس يتزاحمون وينحنون متزاحمين ولفت نظره رجلان كانا يصيحان فكان احدهما طويلا سمينا يمشى بعناء يقلب رأسه الضخم الذي استوت عليه عمامة ضخمه فبدا كانه قبة تتحول . وكان الثاني نحيفا اسود تعالى شعره وتبعضت رجلاه الكبيرة فبدا كانه شجرة زيتون جرداء تمشى . شعر سالم بقلق فتوجه الى سوق الغنم فلاقى قرب مخبزة شارلو عبد العزيز المعمورى . عرض عليه مشاركته فى " الدورو " شرط ان يتكلف بالبحث عن الغريب ويحيطه علما إذا تمكن من العثور عليه . لكن عبد العزيز امتنع لانه كان مشغولا بالبحث عن ديك رومى لكى يسمنه ويأخذه لعين البلدة فيعارضه بالديكة الاخرى . وكان قد اشترى فعلا كثيرا من الهريسة ليغذى بها الديك فتقوى طاقته فى البراز . فلما يئس البرسيس من مساعدة عبد العزيز صاح فيه دون ان يخشى بطشه
انت ما تفكر الا في السراديك والدجاج ,الاحسن تولى انت دجاجة والا سردوك وتريح بالك .
فرد عليه عبد العزيز - كل انسان عنده بليته وبليتك انت المجانين يا مجنون
فلم يجبه البرسيس بل تأخر ورفع عودا طويلا فضرب به عبد العزيز ضربتين وفر فطارده خصمه لكنه تخلص منه وضاع عليه بين السواقين . وقف البرسيس لاهثا حانقا على عبد العزيز وما انفك يحنق عليه لا لشغفه بالديكة بل لانه كان يلوك كل شئ حتى الفواكه فلا يأكل المشمشة الا بعد ان يلعب بها لسانه الكرة ساعتين فلا يأكلها ولا يسلمها لغيره يأكلها كانه يريد ان يبقى طعمها فى فمه طول الحياة . وليس عبد العزيز الفرد الوحيد من نوعه لان امثاله كثيرون بالقرية . فخذ مثلا خليفة العامل الذى اشترى سيارة " رونو " قديمة هزيلة وادخلها المستودع . فكان يزورها كل صباح فيدور حولها ويمر يده عليها ثم يغلق عليها الباب ويروح . فالغريب فى هؤلاء الناس الذين يلوكون الحياة هو انهم اغنى اهل القرية وايسرهم فكان الله لا يمن برزقه الا على من لا يحتاجون اليه . فهو لا يعطى الفول الا لمن فقد اسنانه . اقترب سالم من منزل مدام سالى فرأى عربة بكار الصفاقسى فركض وراءها وتعلق بها حتى وصل الى سوق الغنم . دار يبحث عن زبون فلم يفلح فى سعيه
فعاد الى ساحة القرية وما كاد يدرك اسطبل احمد بن ابراهيم حتى شعر بيد تقبض عليه فطار عقله ظانا ان عبد العزيز قد قبض عليه لينتقم منه . تنهد عند ما رأى محمود يشير اليه ان اسكت وان اتبعني . تبع محمودا حتى وصلا قرب صفوف الخبازين والشوائين فكان زيتهم يتطاير من مقلاتهم يقلبون فيها لحوما طبخوها لسابع مرة فبردت ولم يقبل عليها الزبائن
- ها هو صاحبنا واقف قرب بياع الخبز . انظر له يتقدم ، ها هو هو كان بودودة يمشى محدقا فى متاع الشوائين والخبازين حتى بلغ آخر صفهم ثم عاد . كانت حركته بطيئة فى اول الامر فوقف امام شواء يغذى نفسه ببخار اللحوم الفائح وامعن النظر فى الخبز الابيض الذى كان معروضا فى صفوف منسقة . اعتراه اضطراب فصار يمر مرورا سريعا امام الخبز واللحوم ثم وقف فجأة امام خباز كان منهمكا فى رد باقى بدوى وانقض على خبزة جعلها تحت ابطه ثم اطلق رجلية للريح . فانتبه البائع ونادى باعلى صوته الذى رن فى السوق - السارق ! السارق ! اى خبزى ! شدوه ! شدوه !
ثم قفز واقتفى اثره دون ان ينتبة انه ترك خبزه وماله دون حافظ . فاعترت السوق موجة فزع وفوضى فاسرع كل بائع يجمع متاعه خشية الخطف والنهب وانسابت وراء الهارب مئات من الملاحقين والمتطفلين منهم محمود والبرسيس فكان اغلبهم ينادى شدوا السارق ، دون ان يعلموا من السارق وما المسروق والسرقة . تضخم عددهم ونزل مارا بسوق الخضارين فداسوا صناديق الخضر ونهبوا كل ما وقع بين ايديهم ثم اندمجوا فى شارع الجزارين لان الهارب كان يلتوى فى عدوه . تابعوه فى طريق البلدة الرئيسية وبالبطحاء الكبرى ثم وقفوا متهالكين امام الكنيسة ، بالقرب من محل موشى اليهودى كثر ضجيجهم وتساؤلهم وتزاحمهم فتسلل البرسيس الى داخل الحلقة فرأى الخباز جاثما على صدر الهارب يلكم وجهه الذى لوثه الدم . فكان اكثر الناس يشجعونه على المزيد من الضرب فكلما هوت يد الخباز اطلقوا زخرة جماعية منسقة . ظل الخباز يدك الغريب الذي فقد شعوره من الكلمات الاولى فكان يضرب جسما هامدا . فاغتاظ البرسيس فنادى باعلى صوته
- يا محمود ! بودودة مات ! يا محمود قتله الخباز على خبزه ! ادركه محمود وصرخ - كف ! كف ! انت تضرب فى راجل ميت ، كف يا خباز ! ثم انقض على الخباز فاخذه من كتفه ورمى به الى جانب فشعر عندئذ بمصيبته الثانية وعاد راكضا الى خبزه وماله . يا سالم اجرى جيب اسطل ماء ، اجرى يا خويه اجرى ، طير ثم انحني على بودودة ورفع يديه فسقطت متهالكة . رفع رأسه فوقع على 964
الارض فظنه مات لكنه عاد فوضع أذنه على قلبه فسمعه يدق دقا ضعيفا بطيئا . تسلم سطل الماء من سالم فرش وجه الغريب وادخل قطرات في انفه وانتظر لحظات حتى فتح بودودة عينيه . فما كاد محمود يجلسه ويشد ازره حتى قامت ضجة اخرى وظهر الخباز مصحوبا بصبائحيين . فكان يلعن السارق ويبكى ويخبط صدره متلوعا اي خبزي كله راح وفلوسي تسرقت ! اش ماش انقول لعرفى ؟ والله يقتلنى يا ناس
تقدم صبائحى من بودودة فسألة - ليه تسرق الخبز متاع غيرك ؟ اش اسمك ؟ فلم يجبه بل نظر إلى الناس المحيطين به ثم ابتسم فصاح فيه الصبائحى تضحك ؟ كلاب الحاج العربي يقلعلك ازروسك . هيا تبعنى لدار القايد اراد ان يقف لكنه سقط فحمله محمود واتبع الصبائحى بعد ان فرق الصبائحى الآخر المتطفلين خرج محمود من ادارة العامل بعد ساعات حاملا بودودة على كتفه واتبع الصبائحى الى السجن المجاور لدار الجندرمة ففتح الصبائحى بابا حديديا ضخما وامر محمود
- ارميه فى هذه البيت - هيا اتحرك يا ولد فسعى محمود للاسراع لكنه وقف لان البيت كان مملوءا فيه خمسة مساجين آخرين كادوا يركبون بعضهم بعضا فى تلك الشقة التى ضاق رحابها وسادت فيها رائحة كريهة آتية من ثقبة فى زاوية يتردد عليها المساجين للاستراحه . تأخر محمود قائلا - ها البيت ناتنه وسكانها ياسر وشباكها ما يدخلش الهواء . يا رسول الله ما ثمه حتى حصير تحميهم من السيمان ؟ فزمجر الصبائحى غاضبا مهددا -هيا ارمى علينا المصيبة وخلى افكارك عندك والا توا نرميك فى قلبه معاهم . ثم افتك منه بودودة ورمى به فوقع على ظهر احد المساجين . خرج محمود ووقف اما السجن يفكر ويتساءل . فما سيكون شأن المسجون الذى يضطر الى الاستراحة في ذلك البيت ؟ وما عسى ان تكون حيلة رفاقه فى تلك اللحظه عند ما يشمر عن افخاذه ؟ هم يمشى حتى اقترب من المدرسة الابتدائية فسمع صوتا ينادية . رأى المعلم سى على خارجا من مكتب البوليس فعاد اليه .
- عندى حيط نحب نهدمه ، تقدر تقوم بها الخدمة هذى ؟ - ممكن وتقدر تشرى لينا شويه خضره من السوق فى ايام الاسبوع وتعاون مدام فى قضياتها ؟ - هذا كله ممكن قلى وقت اللى حاجتك بيه ثم فارق المعلم وكانت الشمس تميل الى الغروب تقترب من الهضاب تكاد تمسها . فتصور محمود انه لو صعد على قمة احدى الهضاب ومد يده للشمس لنالها . فكان كوكبها الاحمر يلهب الافق ويعكس لونها على الجبال والهضاب المحيطة بالقرية فبدت حمراء بدورها كانها تصطلى نارا باردة . نظر مرة اخرى للشمس واراد ان يحدق فيها فلم يستطع - غضب قليلا من تغلبها عليه واكتفى بالقول السائد الذى يرى انها لا تغرب الا على الهم او الدم .

