الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "المنهل"

بياة العلم .، السيد أحمد الفيض آبادي

Share

ايه يا احمد الخصال فانا       قد عهدناك زاهدا وتقيا

ان مهد العلوم فى ركن طه     سوف يبقى على الزمان نديا

ليسمح لي الصديق الفاضل الاستاذ عبد القدوس الانصاري أن استعير عنوان هذا المقال من رسالته ( بناة العلم ) والصديق لم يترك مجالا لمزيد في مناقب المترجم بيد اني حاولت في مقالي هذا ذكر بعض النواحي التى الراحل مبناسبة مرور ثلاثين سنة ونيف على وفاته تغمده الله بتآبيب رحمته ورضوانه . وها أنا أذكر نبذة مختصرة من ترجمة آله الكرام . ان السيد حبيب الله او ( الشاه حبيب الله ) كما يلقبون السادة بالهند نشأ فى بلدة ( تانده ) من اعمال فيض آباد شرقي الهند وكان مشهورا بالتقوى والصلاح متمسكا بأهداب الدين مبغضا للاستعمار الانكليزى ، فعول على الهجرة مع أهله وأولاده فباع ارضه وعقاره وتوجه للحرمين عام ١٣١٦ وبعد فراغه من الحج جاء مع أولاده الخمسة : ( صديق احمد ) و " حسين احمد " و ( أحمد أحمد ) ( ١ ) و ( جميل أحمد ) و ( محمد احمد ) الى المدينة المنورة

موطن آبائه واجداده واول ما عمل ان ترك تبعيته الانكليزية وانسلك في تبعية الدولة العثمانية فاشترى قطعة ارض بني عليها دارا للسكن ودارا ثانية أشبه بمدرسة واصطحب معه مكتبة قيمة تشتمل على العلوم العربية وكتب التفسير والحديث والفقه على ان تدرس للطلبة فى تلك الدار بوساطة ولديه الكبيرين السيد صديق أحمد والسيد حسين أحمد ( ٢ ) على أن يلحق بهما العلامة محمود الحسن شيخ الهند ويجاور بالمدينة ولكن لم يكن بالامكان فتح مدرسة بدون استئذان من الحكومة المحلية والسلطات الحكومية فى المدينة لم تكن لتوافق على مثل هذه المشروعات العلمية . فأشار الوالد على ولديه الكبيرين ( صديق أحمد وحسين أحمد ) بالتدريس في الحرم النبوى مجابيا بدون مقابل فقام السيدان حسب رغبة والدهما بالتدريس في الحرم النبوى صباح مساء ، ومرت السنون سراعا توفى بعدها السيد صديق أحمد تاركا ابنه الوحيد ( وحيد أحمد ) وتوسعت حلقة دروس السيد حسين أحمد من سكان المدينة - من اترك وهنود ومعاربة توتازانية وتعددت الدروس الى عشرة فأكثر . درس فيها كتب الفقه والتفسير والحديث والعلوم العربية ، واني لأذكر وانا صغير لا أتجاوز السابعة ، حلقة دروسه كما أذكر والدهم السيد حبيب الله نفسه فقد كان ربعة القوام أقرب إلى القصر اسمر الوجه بلحية خفيفة وعيون نفاذة وعمامة بيضاء يتوكأ على عصا وكان صديقا لجدى لأم يزاورنا الفينة بعد

الفينة ويصف لمرضانا العلاج المناسب فقد كان يتعاطى الطب اليونانى خاصة لاهلة وأصدقائه ، وكان السيد أحمد يعاونه ( ٣ ) فى شؤون البيت ويعمل ناسخا لبعض الكتب النادرة أما الأخوان الصغيران جميل أحمد ومحمود أحمد فأدخلا فى المدارس التركية وانتدب جميل أحمد كطالب مبتعث ال ( استانبول ) مع بعض طلاب من المدينة وكان ذكيا فطنا فأصيب بداء اضطره للرجوع الى المدينة فقضى نحبه رحمة الله عليه . وأما السيد محمود أحمد فقد تخرج من المدرسة الاعدادية وتوظف كاتبا بالمحكمة الشرعية بالمدينة وجاءت الحرب العظمي عام ١٩١٤ م وقام الشريف الحسين بن على بثورته على الترك وأطلق أول رصاصة من قصره بالغزة ايذانا بالثورة في ٩ شعبان عام ١٣٣٤ ه وفي هذه السنة كان شيخ الهند محمود الحسن وتلميذه البار السيد حسين احمد فى بلدة الطائف فقبض عليهما باعتبارهما أسيرين من مؤيدى دولة الخلافة وسلما إلى القنصل البريطاني بجدة فلم يكن منه الا ان أركبهما على احدى البواخر الانكليزية وسجنا فى جزيرة ( مالطة ) .

والسيد حبيب الله وابناه السيد أحمد والسيد محمود أحمد أجليا من قبل السلطات التركية إلى ( الرومان ) مع الفوج الثاني الذي أجلاهم الحاكم العسكري ( فخرى باشا ) ( ٤ ) من أهل المدينة المنورة وذلك انه بعد ورود الخبر بثورة الشريف الحسين أخذ الباشا باجلاء كل من وقعت عليهم الشبهة فاختلط فيهم الحابل بالنابل ورمى اهالى المدينة بعضهم بعضا ، ثم صدر الامر باجلاء سكان المدينة جميعهم الى سورية والأناضول لقلة وجود الأرزاق فخلت المدينة من أهلها ولم يبق فيها الا بضع مائة ليس غير ، وكانوا يعدون في الاحصاء بثمانين أو سبعين الفا

لم يرجع بعد الحرب الا ربعهم فقط كان فى في الاخوان : السيد أحمد والسيد محمود حمد فرجعا عام ١٣٣٨( ٥ ) وعين مولاى سيد محمود أحمد رئيسا لكتاب المحكمة الشرعية بالمدينة المنورة واشتغل السيد أحمد كيلا لبيت الدهلوية بمكة ترد اليه حوالات حجاج وكانت تاتي بعض الصدقات على يده لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين فأخذت تراوده فكرة والده لانشاء مدرسة دينية المدينة فبدأ يتعرف على الطلبة المتفوقين الطلبة الايتام وكان كاتب المقال من المتفوقين مدارس الحكومة يومئذ فكان يختبرنا انا ابني الخالة عبد الحميد ومحمد عنبر ومحمد شميرى وعبد القيوم صفر ويمنحنا منحا منحا سخية تزيد من اجتهادنا فى الدروس ، كما  كان يحبب لنا طلب العلوم العالية فى خارج المدينة واستضافني المرحوم في شهر رمضان م ١٣٤١ وصليت التراويح طوال الشهر فى تلك الليالي حتى السحور ، وكنت أختم القرآن فى ثلاثة أيام . فعرضت عليه فكرة السفر الى الهند فساعدني ، سافرت فى شوال من العام المذكور ، قاصدا الحج أولا ثم السفر إلى جدة وكان رحمه الله قد أعد العدة لفتح المدرسة التى كان ينوى فتحها ، فاشترى دارا قديمة شرقى المسجد النبوى على أن يبنيها بعد على الطراز الحديث وبدأ بالقاء الدروس فى صحن تلك الدار وعين للمدرسة مجلس ادارة من المرحوم العلامة الشيخ محمد الطيب الانصارى والمرحوم اسماعيل ندى حفظى رئيس ديوان الامارة يومئذ

والسيد محيي الدين تورة البخارى والسيد محمود أحمد ، وما علم بافتتاح تلك المدرسة مدير المعارف ( الشيخ عبد القادر الشليبي ) حتى استحصل أمرا بغلقها حتى يؤذن لها من جانب الملك حسين فانتقل المرحوم بالمدرسة الى الحرم النبوى يدرس فيه مع ثلة من تلاميذه وبعد ان استوثق الحكام بان المدرسة ستكون مدرسة دينية لا تخدم مصلحة أى حكومة أذن له بفتحها فشرع في هدم البناية القديمة وبناء مدرسة بالأحجار المنحوتة على أحسن طراز وجعل منهاج الدروس ثلاثة أقسام ( قسم ابتدائى ) و ( قسم حفظ القرآن ) وشعبة للعلوم الدينية واسمى المدرسة ( مدرسة العلوم الشرعية ليتامي بلدة خير البرية ) وتطوع الشيخ محمد الطيب الانصاري مع تلاميذه للتدريس فى هذه المدرسة ومعه تلميذاه اللامعان عبد القدوس الانصارى ومحمد عبد الله وغيرها وبعدما رجعت أنا وزميلي الشيخ عبدالكريم البخارى عيننا المرحوم مدرسين للعلوم العربية وسارت الدروس على أحسن وجه وناهيك بدروس الشيخ محمد الطيب الانصارى فانهال الطلاب على دروسه وقد اخرجت المدرسة اعدادا طيبة من حفظة القرآن ورجال علم وادب مرموقين يشار اليهم بالبنان منهم الوزير الشيخ محمد عمر توفيق ورئيس المحكمة الكبرى المساعد الشيخ عبد المجيد حسن ورئيس محكمة جدة الشيخ محمد الحركان وعضو محكمة المدينة الشيخ محمد الحافظ وشيخ الصحافة ورائد الأدب الاول عبد القدوس الانصارى وعضو مجلس الشورى عبد الحميد عنبر والاميران مساعد وعبدالرحمن السديري والمدير العام لمدرسة العلوم الشرعية سعادة السيد حبيب هحمود وغيرهم وغيرهم ( ٧ ) وبعد وفاة السيد أحمد واسناد ادارة المدرسة إلى خير خلف السيد

حبيب مشت المدرسية سنين عدة على النمط الذى رسمه منشؤها المرحوم ثم بدأت شعبة العلوم تنكمش بافتتاح كثير من المعاهد وأخذ الطلاب يتوجهون اليها غير ان القسم الابتدائى - نظم جدقة وعناية وفق منهج وزارة المعارف ثم قل اقبال الطلبة على حفظ القرآن وأصبح نواب السيد حبيب في ادارة المدرسة يبذلون جهودهم لانجاح التلامذة فى الشهادة الابتدائية ، ونحن اليوم إذا أعدنا ذكرى بانيها ومؤسسها المرحوم نرى لزاما علينا أن نزجع لتنفيذ فكرته وفكرة والده بنشر العلوم الدينية فهل لنا أن نأمل ونلتمس من خليفته سعادة السيد حبيب وعلى رأسه و الده الوقور مولانا السيد محمود أحمد ايجاد كلية شرعية ( ٨ ) ولو كان بادىء ذى بدء

كلية متوسطة يقبل فيها الطالب من القسم الاعدادي ؟

اني باعتبارى أحد المدرسين القدامى أتوسل بالأفاضل من متخرجي المدرسة الذين ذكرتهم وأرجوا بحرارة ان تتقبل هذه الفكرة وتنفذ فى السنة الدراسية الجديدة وانى لأذكر أبياتا للأستاذ عبد القدوس الانصاري قالها فى رثاء السيد أحمد الفيض آبادي يوم تأبينه :

مولاى أحمد قد افضت ( مناهلا )

من ( فيض ) سحك طيلة ( الآباد )

سيدوم فضلك جاريا فى ( معهد )

استه بالعلم للأحفاد

سيكون ( جامعة ) تضم ( معاهدا )

شتى لنا ومثابة للضاد

وهنا أثبت الوثيقة التقديرية التى منحنيها المرحوم بتوقيعه ( ٩ ) رحمة الله عليه وجعل الجنة مثواه آمين .

اشترك في نشرتنا البريدية