هذه هى الرحلة الثالثة التى يقوم بها رئيس تحرير هذه المجلة الى الرياض ، وهى فى نفس الوقت ثانية الرحلات الى الظهران . . وهى أيضا الرحلة الاولى التى جمع فيها كاتب هذه السطور فى رحلته ، بين الرياض والظهران ، والعودة منهما رأسا الى جدة ، بطائرة نفاثة من نوع (( الديسيناين )) النفاثة . . الأخت الصغرى للبوينغ الكبير . .
وثمة فروق واضحة بين الرحلات الثلاث ، شكلا وموضوعا . . الرحلة الاولى كانت من جدة رأسا الى الرياض ، بمفردها . . وكانت على متن طائرة من نوع (( الداكوتا )) . . حكومية . . تطير فى الجو غير البعيد طيرانا هادئا متوسطا شبه منخفض ، حتى انى لأذكر أنى كنت جالسا وراء احدى نوافذها الزجاجية ، فكنت أشاهد معالم الارض من خلالها ، كانت هذه الرحلة بسنة ١3٦٧ ه .
أما رحلتى الأولى الى مقاطعة الظهران - أى المنطقة الشرقية - فقد كانت فى سنة ١٣٧٥ ه - ١٩٥٦ م . وكانت من جدة الى الظهران رأسا ، ثم منها الى البحرين
على طائرة (( الجعل )) الصغرى . . وعليها الى الظهران فى طريق العودة ، وعلى متن طائرة عادية من الظهران الى الخرج فجدة .
والرحلة الثانية الى الرياض لم تكن بالطائرة . . لقد سفلت الطريق بين كل من جدة ومكة والطائف ، ثم سفلت الطريق المديد بين الطائف والرياض . . فكان ذلك فرصة سانحة للسفر الى الرياض بطريق البر ، لامتع البصر بمعالم الارض وربى نجد ونسماته وصباه العليلين . . وأنا على كتب من كل ذلك ، أنزل متى أردت . . وأركب متى رغبت . . لا فى صندوق مغلق يسبح بى فى أعماق الجو ، كما تسبح الكرة الطائرة ، ثم يهبط هذا الصندوق أو هذه الكرة الطائرة فى الآفاق الجوية البعيدة وفوق السحاب - يهبط على الارض فأخرج من القوقعة المغلقة ، أو من الكرة الطائرة أو من الصندوق المقفل ، فأرانى مرة ة ثانية على سطح الارض بدون أن يكون لى أى خيار فى صعود وهبوط . .
وقد عدت من هذه الرحلة الى الرياض بعد أسبوع واحد ، وسجلت الرحلة فى
كتاب كان عددا خاصا من أعداد هذه المجلة اذ ذاك بسنة ١3٨٧ ه - ١٩٦٧ م .
والرحلة الثالثة الى الرياض فالظهران هى هذه التى ستكون موضوع عدد ربيع الثانى ١٣٩٠ ه ان شاء الله . . وتمتاز على زميلتيها بأنها أحفل منهما وأكثر محصولا وأطول أمدا ، وأوسع معلومات . . وقد كانت فى عهد ازدهر بالتقدم الشامل والتطور العظيم فى الرياض وفى المنطقة الشرقية معا . . لقد استفرقت اثنى عشر يوما كانت عامرة بالحفلات والزيارات والتنقلات والاستطلاعات والمذاكرات . .
بدأت الرحلة - جويا - بصبيحة يوم الاثنين الموافق ١٣ صفر ١٣٩٠ ه ، وانتهت - جويا - كذلك ، بدءا من الظهران ومرورا عابرا بالرياض وعودا حميدا الى جدة فى صبيحة يوم الجمعة الموافق ٢٢ صفر سنة ١٣٩٠ ه .
ومعنى ذلك أنها استغرقت أسبوعين الا يومين .
أسبوعا ويوما فى الرياض . . نشهد ، ها في الرياض . . نشهد معالم نهضتها الكبرى فى علم وعمران وآثار . ممثلا جزء عام من هذه النهضة المزدوجة فى (( جامعة الرياض )) ، وفى (( جمعية التاريخ والآثار )) وناهضا بها سعادة مدير الجامعة بالنيابة الدكتور الانسان عبد العزيز الخويطر ، وفى عمداء كليات الجامعة الذين حظينا بالاجتماع بهم فى كلياتهم أثناء زيارتنا لها . . الدكتور عزت النص عميد كلية الآداب ، والدكتور عبد الرحمن الأنصارى وكيل الكلية ورئيس جمعية التاريخ والآثار ، والدكتور رضا عبيد عميد كلية العلوم ، والدكتور عبد الله العقيل عميد كلية الزراعة . . وممثلة فى معهد العاصمة النموذجى ومديره العام الشيخ عثمان الصالح ، وقبل هذا كله فان الذى يقود زمام هذه النهضة بتوجيهات العاهل
المفدى القائد الرائد هو معالى الشيخ حسن عبد الله آل الشيخ وزير المعارف ووزير الصحة بالنيابة . .
ولقد كان الباعث لهذه الرحلة (( الرياضية )) الماتعة دعوة كريمة تلقيناها من سعادة رئيس جمعية التاريخ والآثار لالقاء محاضرات من قبل الزميلين الجليلين السيد علي حافظ ، والاستاذ ضياء الدين رجب ومن قبلي ، فى قاعة المحاضرات بالجامعة .
وكانت الجامعة ، بله سعادة مديرها العام ، وسعادة وكيل كلية آدابها مضيافة كريمة لنا حفية بنا . . وقد شاهدنا معالم النهضة العمرانية ممثلة فى تنظيم شوارعها وتوسعتها وسفلتتها ، وفى عمارات المدينة الناهضة الرائعة وداراتها الجميلة وأسواقها المزدهرة وأضوائها المتوهجة . . وثقافتها المثالية وصحافتها المتطورة ، وشبابها المتوثب ، ووزاراتها العاملة ، ونشاطها الادارى والاجتماعى . .
لقد قلت للسائل حينما سألنى عن رأيي فى تقدم مدينة الرياض وجامعة الرياض فيما بين قدومى اليها فى سنة ١٣٨٧ ه والآن : قلت له : ان جامعة الرياض قفزت فى ظرف ثلاث السنوات هذه التى غبت فيها عن الرياض ، أى من سنة ١٣٨٧ ه حتى الآن ، قفزت الى الامام ربع قرن من الزمان .
وقلت لسائل آخر سألنى عن مدى تطور العاصمة الرياض ، فى نفس المدة : ان مدينة الرياض قفزت هى الاخرى من سنة ١٣٨٧ ه حتى مطالع سنة ١٣٩٠ ه خمسا وعشرين سنة أيضا الى الامام . . هى قفزات عالية جدا أشبه شئ بتحليق الطائرات النفاثة السريع . .
وفى الرياض شاهدنا معالم التطور الحفى فى كل جانب ، وفى كل مرفق . . والتطور سائر على قدم وساق الى الامام ،
زاخر بالنشاط والتفاؤل الجيد بمستقبل أزهر حميد ان شاء الله فى عهد مليكنا ورائدنا حفظه الله ووفقه . .
وفى مقامنا بالرياض كانت لنا جولات أثرية مانعة بصحبة عالم الآثار وكيل كلية الآداب الدكتور عبد الرحمن الانصارى . . وقد اكتشف مدينة مندثرة بشرق الخرج وأخذنا لها ولنا صورا ستطلع عليها فى رحلة : ( بين الرياض والظهران ) ان شاء الله .
وفى رحلتنا من الرياض الى الظهران استقبلنا اخوان كرام ونزلنا بحفاوة ضيوفا مكرمين على شركة الزيت العربية الامريكية فى دار رائعة الطراز هى الدارة الفيحاء الرائعة ( ١١٧٤ ه ) بوسط أحياء مدينة الظهران الحديثة بمعنى الكلمة وتجولنا فى كل مكان بالمنطقة الزاخرة بالصناعات والتطور العمرانى . . وشاهدنا ما أدهشنا . . شاهدنا فى الظهران أول ما شاهدنا كلية البترول والمعادن التى انشئت لترقية المستوى العلمى التقنى فى المملكة . وتجولنا فى أنحائها وشاهدنا فصولها والطلاب فى فصولهم واجتمعنا فيها بالاستاذ عبد الرحمن الجعفرى وشرح لنا الكثير من شؤون الكلية الجامعة . كما شاهدنا بعد ذلك مشروع الري والصرف فى الاحساء ، ذلك المشروع الجبار الخالد الذى تقوم به الحكومة لتصرف فائض الماء عن مزارع الاحساء الواسعة ولترويها ريا مفيدا خاليا من الشوائب حتى تنمو الاشجار وتثمر بجيد الثمار . . وقد شاهدنا كيف يتجه المشروع الى ري مساحات قفراء فيحاء لم يسبق ان صرف اليها الماء . . لتنبت حبوبا وأقطانا وفواكه وأعنابا وثمارا يانعة للشعب الناهض . .
كما شاهدنا مصنع شركة ( سافكو ) للسماد الحديث . . ورأينا العجب العجاب
من آثار التصنيع الحديث الجبار فى بلادنا . . شاهدنا ذلك المصنع الكبير فى الطريق بين الدمام والخبر ، كما دخلنا فى تجوالنا مدينة الكوت ، ورأينا الأبراج الأثرية والسور القديم وأخذنا له صورا قيمة . . وفى الدمام شاهدنا التطور الادارى الحديث فى هذا الميناء ومنشآته الضخمة الحديثة الحبارة . .
وفى رأس تنورة رأينا ما يذهل من تطور منشآت شركة الزيت العربية الامريكية فى ضخ الزيت الى الناقلات ، نظام الكترونى مدهش وعمارات رائعة وبلد جميل . . لقد أتيت الى هذا المكان قبل ١٣ عاما فاذا هو شبه خال ، والآن أصبح فى روعة شامخة فى كل شئ . وفى الهفوف رأينا جبل قارة ومغاراته العجيبة ، وصخوره الشبيهة بصخور مدائن صالح فى الشكل والتكوين وفى اللون والضخامة والتفتت . .
ستقرأ كل ما مر بيانه وغيره ان شاء الله باسهاب وتفصيل واستعراض جميل ، وتحليل ممتع جذاب فى عدد المنهل الضخم الممتاز الخاص المخصص لمراحل هذه الرحلة . وستقرأ معه أيضا كلمات ومقالات من كبار الشخصيات ورجال العلم فى مدينة الرياض .
وفى العدد رسوم طريقة وصور قيمة لمعالم النهضة وللشخصيات البارزة فى مجتمع الرياض والمنطقة الشرقية وللآثار والكليات وأخيرا الجامعة ، والعمداء والاساتذة ، ولمنشآت الزيت ومكتبتها الحافلة ورجالاتها العاملين .
نأمل أن يكون هذا العدد الخاص الضخم تحفة وسجلا أدبيا وثقافيا ووتاريخيا لا يستغنى عنه طلاب المعرفة ، وأن يكون من أمتع الاعداد الممتازة الخاصة التى لا يستغنى عنها قارئ - أى قارئ كان - ، فالى العدد القادم أيها القارى . العزيز . فليس الخبر كالعيان . .

