عندما أصبحا خارج البوابة ، نظرا إلى بعضهما بألفة ، وابتسما ، مدّا ذراعيهما الصغيرتين وشبّكا أصابعهما . أخذا يحجلان ، يهُزان رأسيهما ، مثل دوريين سعيدين ، انتهيا إلى سفح جبل التجربة (1) ، وهناك عند الطريق الترابي الذي يوصل إلى عين الديوك (2) رسمًا مستطيلاً ثم قطّعاه إلى مربعات وأحضرا حصاة مسطحة وطَفِقَا يلعبان الحجلة ، يقفزان يلهثان ، يضحكان.
قفز حسن قفزتين ثم توقف وأرخى ساقه إلى جوار ساقه الأخرى ، وقال للبنت زينب : تعبْت .
قالت له : تعال نقعد هناك
أشارت بإصبعها الصغيرة إلى شجرة نخيل كانا يجلسان تحتها دائمًا حين يُنهكهما التعب .
أخذ يحجل على قدميه ، ينزل واحدة ويرفع الأخرى ، مع قفزات واسعة ، ثم قذف بجسده في الهواء وتدحرج على العُشْب الأخضر الفسيح . أما هي فكانت نسير ببطء ، وهي تتطلع إليه وعلى ثغرها السكري الصغير ابتسامة ترتعش مثل فراشة.
تمددت إلى جواره على العشب ، كانت المياه تنساب في قناة صغيرة تروي الحقل ، غمس رأسه وبلل عنقه ، ثم حفن من الماء براحتيه ورش عليها فأجفلت مولولة بدلال ، لكنه رش عليها الماء مرة أخرى ، فتبلل فستانها والتصق بكتفيها .
- بللتني . - هي . . هي . . هي.. - ستضربني أمي. - إذا ضربتك سأبتاع سكينًا وأتسلل إلى بيتكم في الليل وأذبحها. وضعت البنت (زينب) راحتيها الصغيرتين على عينها وأخذت تبكي. - لماذا تريد قتلها ، هل تريد أن تجعلني أحيا بلا أم؟ اقترب إليها ، ضم رأسها إلى صدره ، وأخذ يُهدْهِدُها : - لا . . لن أقتلها . . أنا أضحك معك فقط . - لن تشتري سكينًا أليس كذلك ؟ قال وفي صوته حزن كثير - لن أشتري سكينًا - ولن تفكر في قتل أمي حتى ولو ضربتني ؟ قال لها : - حتى ولو ضربتك وضربتني أيضًا .. وسأحبها من أجلك.
وضعا الدفتر أمامهما ، على العشب ، أخرجا من جيوبهما قطع التلاوين الشمعية . بدأت أصابعهما تضغط بالألوان الشمعية على الورق فتخرج صفيرًا خافتًا ، رسمَا بيتًا بالأخضر والأحمر ، جدرانه خضراء ، أما سطحه فأحمر بلون القرميد الذي يغطي أسقف بيوتات أريحا .. كتب حسن تحت البيت : هذا بيت حسن وزينب .
قالت له :
يجب أن نعمل للبيت سورًا من الأشجار . رَسَمَا بالأخضر أشجار برتقال كثيرة ، عليها برتقال كثير.
ثم قالت له :
وهذه شجرة نخيل لأنك تحب هذه النخلة التي نجلس تحتها . قال لها : وهذه عصفورة لها ريش أشقر وعندما انتهيا من رسم العصفورة سمعا سقسقة عذبة ، فقالا معًا : - يا الله . يا الله وتطلعا في عيني بعضهما وضحكا. قالت له : - ولكن أين سيكون بيتنا هذا ؟ قال لها : - لا أدري.. تسكنين معنا أنا وأهلي في قريتنا . قالت له : - ولكن أنا صغيرة وربما لا يقبل أهلي بفراقهم. قال لها : - وأنا صغير ، وربما لا يقبل أهلي بفراقهم. طوت رأسها بين ذراعيها ، وبدت مثل حمامة وحيدة . وضع رأسه على ساق شجرة النخيل ، وقد تغيّرت ملامحه.
ناداها لكنها نهنهت ولم تُجب . حفن بعض الماء وغسل وجهها ، ومسد شعرها ، ثم نقر على أنفها بإصبعه ، فأينع الضوء بين شفتيها ، و كان وجهها قد صار برتقالة غسلها الندى.
قال لها : - الأستاذ قال لنا سنرجع إلى قُرانا. . قالت له : - المعلمة أخبرتنا هذا الصباح أننا سنعود إلى قرانا ثم أمرتنا بالانصراف . قال لها : - ولكننا سنفترق ولن أراك إذا عُدنا إلى هناك . غرقت البنت في الصمت ، أخذها من يدها ، وضع الدفتر تحت إبطه ، دسَّ التلاوين في جيب فستانها ، ثم سارا متلاصقين.
قال لها : - ولكنني سأكبر ، وأحضر الى بيتكم وآخذك.. قالت له : - وإن نسيتني. قال لها : - كيف أنساك ، وكى يخرجها من حزنها سألها : - كيف سينزل من السماء ، هناك ، بين تلك الصخور الحادة(3). قالت له : - لست أدري ، ولكن لماذا بيته بين تلك الصخور .. سمعا صوتًا حادًّا يعبر فوقهما . رأيَا نارًا هائلة تشبُّ عند قصر هشام (4) . خافا . أخذا يركضان.
قال لها: - الحرب جاءت .. قالت له بأنفاس متقطعة : - أنا خائفة . ضغط على يدها . - لا تخافي أنا معك. ضاعفا من عدوهما
كانت الأصوات الحادة تعبر فوقهما . . تدحرج رأساهما ، ثم استقرا متجاورين ، كانا مثل برتقالتين ذابلتين . . لحمهما التصق بالأشجار . . تناثرت التلاوين ، طارت ورقة مرسوم عليها بيت أخضر ذو سقف قرميدي. . حسن يحب زينب.

