قرأت فى قصاصة من قصاصات ( أوراق القرطسة )
الامريكية وصف شاهدي عيان للقنبلة الذرية التى
القيت فى مياه (( بيكينى )) احدى جزر المحيط الهادى لاختبار مدى تأثير هذه القنبلة فى الفضاء وفى أعماق البحر ، وهى وان كانت من الحوادث التاريخية التى مضت وانقضت الا أن موضوع الذرة والقنبلة الذرية هو من أمتع مواضيع هذا العصر واحدثها التى تشغل حيزا كبيرا من صفحات الصحف والمجلات فى الشرق
والعرب ، وأبرز مثال على ذلك عدد ( هيروشما ) الذى أصدرته مجلة الثانية التى القيت على ( هيروشيما )
( الكاتب المصرى ) العام الماضى وخصصته من أوله الى آخره للقنبلة الذرية
وجدت فى هذا الوصف المقتضب الذى قرأته صورة مصغرة للرسوم المريعة التى نشرتها المجلات الانجليزية والأمريكية ، لتصوير الأهوال والاحوال التى شوهدت بعد انفجار القنبلة .
قال فرانكلى - وهو من كبار ضباط البحرية الامريكية - : القيت هذه القنبلة الذرية الرابعة فى مياه بيكينى يوم الاربعاء ٢٥ يوليه سنة ١٩٤٦ فى الساعة الخامسة والدقيقة الخامسة والثلاثين مساءا ، على قطع قديمة من الاسطول اليابانى والامريكي كالبارجة ( أركناز ) وحاملة الطائرات ( ساراجوتا ) والبارجه ( نيويورك ) والمدمرة ( ماجوتا ) والمدمرة ( أوجن ) وناقلة للزيت وبعض غواصات
ثم قال : كنت فى احدى بواخر المراقبة مع بقية زملائى نشاهد المنظر من رأس برج شاهق بوساطة المنظارات المكبرة ذوات العدسات الملونة ، حرصا على سلامة العيون من الاشعاع النفاذ المنبعث من الانفجار .
وكانت مياه يبكينى هادئة هدوءا تاما ، كأنها قطعة أرض مستوية وكانت قطع الاسطول تبدو كأنها صور سود ، أو كالخيال ، ثم سمعنا الانذار من قيادة المراقبة ( بعد خمس عشرة ثانية ) فأخذنا نرقب عقرب الثوانى التى قطعت خمس عشرة ثانية فى لمح البصر ؛ وبعدها : وقعت الواقعة وانفجرت القنبلة فى أعماق البحر ثم ابتدأ هيجان البحر وأخذت مياه بيكينى الراكدة تغلى كغلى الحميم وتكونت حول قطع الاسطول الراسية فى منطقة الهدف فوارات من الغازات السامة ، وارتفعت ارتفاعا حلزونيا توارى وراءها جميع القطع البحرية على ضخامة هياكلها وعظم احجامها واندلظت ( ١ ) المياه من الأعماق الى الجو ثم عادت ونزلت على القطع البحرية نزول الصاعقة فبددتها شذر مذر عن مراسيها . . .
وبعدها برزت من البحر سحب شديدة الدكنة ، فى شكل اعصار هائل أو عمود من النحاس ( وهو دخان لا لهب فيه ) قطر دائرته نصف ميل ، وارتفعت فى الفضاء تسعمائه قدم فى بضع دقائق وبقيت ما يقارب عشرين دقيقة بشكلها العمودى المارد ثم اندلعت من قمته ألسنة سود ، وامتدت الى الجهات الأربع وفى برهة تقدر بدقائق معدودات تحولت الى وابل صب على منطقة الهدف الآف أطنان من الماء المشرب بالخضرة ، ونزلت مع الماء كتل صلبة وهى التى انطلقت من جراء الانفجار من بعض المراكب الى السماء ، ثم هوت بصورة فظيعة وزمجرة عظيمة على قطع أخرى من الاسطول .
وبعد ان خف تكاثف الاعصار أو عمود النحاس ، سمعت فيه جلجلة انفجار آخر بالقرب من سطح البحر ، واضطربت الامواج وتصاعدت على أثرها سحب اخرى سود كظلمات فى بحر لجي يغشاه موج ، من فوقه موج ، من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ؛ ثم تحولت تلك السحب الى شكل قبة هائلة كادت المنطقة تظلم تحتها وكانت قمة هذه القبة الغازية بيضاء وجزؤها السفلي أو قاعدة عمودها ذا لون قاتم . وشوهدت بعد دقائق تموجات دائرية كأمواج البحر ذات إشعاع وهاج يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار ، أخذت تمتد من تلك القبة وتنتشر فى
الفضاء رويدا رويدا حتى عمت الماء تلك المنطقة فى دائرة بلغ طول قطرها ميلا واحدا وبقيت بعد أن صارت فى شكل ضباب على المنطقة الى غروب الشمس وكانت الرياح الجنوبية تسيرها نحو الشمال . . . وحدثت ظواهر جوية أخرى ذات أشكال مختلفة وتهاويل شتى بسرعة متناهية اعجزت المراقبين عن تتبع تسجيل أوصافها
هذا ما كان فى الجو والفضاء . . أما على سطح البحر فقد امتد من عند قاعدة هذا الاعصار العمودى بساط مكون من غاز وبخار ويحموم كثيف فى شكل دائرى الى مسافات بعيدة غطت مياه المنطقة كلها ودامت لمدة قصيرة ، وعند ما أخذ هذا الساط الغازي يتقشع عن سطح البحر ارتفع من الاعماق مرة أخرى نوع آخر من غازات بيضاء كأنها العهن المنفوش أو الضباب المكفهر وكادت تحجب عن الانظار بقايا قطع الاسطول الا ان ثغرات صغيرة لم تتكاتف فيها هذه المادة الغازية تمكن منها المراقبون من رؤية بقية المراكب التى كانت فى طريقها الى القاع وتسجيل وصف غرقها وأخذ صورها .
وكان بين المراقبين نفر من الشباب الاغرار لا يعترفون بقوة هذه القنبلة وكانوا ينتظرون ان يكون نهاية هذه التجربة فشلا ذريعا وخزيا فاضحا للابحاث الذرية وللقائمين بها وعندما شاهد هؤلاء الشباب حاملة الطائرات ( سارجوتا ) وهى وافقة كالطود الاشم فى مرساها أثاروا عاصفة من المكاء والتصدية ظنا منهم ان املهم قد تحقق ، وأنهم فازوا بالمعركة ونجحوا فى سخريتهم واستهزائهم بهؤلاء القائمين على تنظيم التجربة العظيمة . .
إلا ان الحقيقة والواقع لم يسمحا لفرحهم وشماتتهم ان يطول امدهما ، وسرعان ما رأوا باعينهم أفواه البحر الهائج المائج تلقف ( سارجوتا ) العاتية وتبتلعها ثم ترسلها الى قرارها الاخير وآنئذ أسقط فى ايديهم وخمد نشاطهم وهمد حماسهم وادركوا ان الامر جد ، لاهزل ، وان التجربة ناجحة نجاحا لاشك فيه وصدقوا بان القوة الذرية حقيقة ثابتة لا مراء فيها .
ثم شاهدنا البارحة ( اركناز ) العظيمة وقد اندفعت بقوة كبيرة من مرساها بعد الانفجار ، الى مسافة بعيدة وبسرعة فائقة ؛ ووقعت فى ورطة الامواج
الصاخبة التى لعبت بها كما تلعب بالكرة ثم تحطمت اطرافها وتدفق الماء إلى داخلها واخذ اليم يزدودها جزءا فجزءا حتى غابت عن الانظار وهوت كأخواتها الى مرقدها تحت اعماق البحر المضطرب ! . . .
وقال امير البحر بلاندى ، وكان من رؤساء المراقبين فى هذه التجربة : لقد غرقت بعض القطع البحرية بعد الانفجار بثوان وبعضها اصيبت بشتى انواع العطب والخلل وغرقت عدة غواصات إلا ان غرقها لم يتأكد منه هل كان لتلف اصاب هياكلها من قوة الانفجار ام ان الرجفة الشديدة الحادثة من الانفحار أتلفت الآت ضبط توازنها فلم تتمكن من الوقوف فى موقفها تحت سطح البحر بل رسبت الى القاع ? ! . . .
ومما يذكر عن امير البحر بلاندى أنه حاول عبثا انقاذ إحدى البوارج بارسال زورقين من الزوارق الصغيرة المستعملة فى سحب المراكب لسحب البارجة التى اراد انقاذها إلا ان الزروقين بمجرد دنوهما من منطقة الخطر اندفعا اندفاع السهم من القوس الى حيث لا يعلم محلهما ولا يدرى عن مقرهما ومغبتهما ! . . .
واراد ربان باخرة من بواخر المراقبة ان يتقدم عن مرساه بنصف ميل الى الهدف بعد انفجار القنبلة بساعات فلم يشعر الا وباخرته قد اضطربت ومادت وغيرت اتجاهها باتجاه مضاد فجأة وبسرعة ، وسجلت آلاتها درجة عالية جدا للاشعاع بحيث لو تقدمت قليلا كان مصيرها مصير القطع الواقعة تحت الهدف .
وحدث فى كثير من آلات التسجيل الدقيقة اضطراب ملموس من جراء قوة الاشعاع الذرى ؛ ادى الى اختلاف كبير فى التقديرات التى قدرها الفنيون وكانو ينتظرون حدوثها تبعا لتجاربهم المتقدمة .
كما ان امورا حدثت لم تكن فى حسبان الخبراء ولا دخلت فى تقديراتهم وذلك كحدوث انفجارات صغيرة حلزونية الشكل بكثرة غير منتظرة ، وحدوث قعاقع مختلفة مرارا وتكرارا فى عمود الاعصار الذى ارتفع من اعماق البحر ، وعللها بعض الخبراء ان جزء صغيرا من القوة الذرية بقى فى القاع وكان يسبب كل حين وآخر تلك القعاقع المتتابعة
وقال أحد الخبراء البحريين - وكان فى جزيرة تبعد عن منطقة بيكينى بما يزيد على مائتى ميل ينصت الى سطح البحر - : أنه سمع بعد مضى خمس دقائق على الانفجار نشيشا كنشيش غليان القدر، صادرا من اعماق البحر
كما ن مرجفة (( آلة لتسجيل هزات الزلازل )) مرصد ، اديليد باستراليا سجلت ذبذبات الانفجار فى غاية من الوضوح بعد ست عشرة دقيقة ، والمسافة بين النقطتين اكثر من مائتى ميل ؛ وقال الطيار (ريس دنتون ) الامريكى - وكان فى احدى القلاع الطائرة فى اتجاه منطقة الهدف على بعد ثمانية عشر ميلا ونصف ميل من بيكينى وعلى ارتفاع ثلاثين الف قدم عن سطح البحر _ : ان قلعته الطائرة اصيبت برجتين شديدتين حركت فى الطائرة كل شئ من داخلها وخارجها ، وقد صرح الطيار ان اربعا او خمسا من مثل تلك الرجفات كافية لتحطيم اكبر الطائرات وأضخمها

