الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "المنهل"

بين، الأمنية، والرجاء

Share

تمر على ، ساعات وخلع ضرسى وفقء عيني وصلم اذني وجدع أنفي ونلغ - بالغين المعجمة - هامتي ، وقصم ظهري ، وقطع يدي ورجلي ، أهون علي من كتابة جملة واحدة .

أمسك بالقلم وأحاول أن اكتب أي كلام ولو كان هذا الكلام هذرا ككلام الممرورين ، ولكن دون جدوى وقد يستجيب قلمي بعد ضغط شديد فياخذ في تحرير خطرات نفسي الجياشة ، ولكن ما ان يسير بضع خطوات حتى يحرن . . فيبدو لي انه تقمص روح " حمار الشيخ " الذي قيل عنه : انه توقف به فجأة عند بداية الحكوى

لأظن قلمي سبب هذه الازمة الفكرية فاجذبه من رأسه الجامح . واطوح به من خلف كوة مكتبي ، الى الشارع ثم اجلس على مقعدي منهوك القوى مبهورا زائغ البصر ، مضطربا اتقصد عرقا . قد ارتفع ازيز صدري وكانه مرجل يغلي ، يخال من يراني لاول وهلة انني عائد من معركة حربية حامية الوطيس دائرة الرحى واظن أحيانا ، رأسي سبب هذه الازمة ولا شئ سواه لانه متبع الفكر ومصبه فأقبض عليه بكلتا يدي وفي نفسي أن أنكل به واعذبه العذاب الاليم ، فما أن يستقر فيهما حتى يصغر في عيني فأصفح عنه وأسجح رحمة بصغره وشفقة بحاله .

ولو بحثت جادا عن السبب الحقيقي لهذه الازمة الفكرية لعلمت انها ناتجة عن شغل يسير او موت قريحة ، او نبو طبع ، كما يقوله زميلنا القديم " ابن رشيق القيرواني " عليه الرحمة . . فحينئذ يتحتم علي ان اخذ بوصية المرحوم الفرزدق : فأركب ناقشتي واطوف خاليا منفردا وحدي في شعاب الجبال وبطون الاودية والاماكن الخربة

الخالية ليمنحني الكلام قياده ، ويسهل علي أرصنه ، ويسرع الي أحسنه . . ولكن كيف الحصول على الوجناء الحرف في هذا العصر ؟ عصر السيارات والطيارات .

واذ افرض اني وجدت الناقة وامتطيتها ويممت بها الاماكن الخربة والشعاب والجبال اتراني استطيع ان انفي عني تهمة العته والخبال ؟ .

سؤال اتركه لاخي الصديق الاستاذ (علي خضران ) الذي حسن ظنه ، في ، فرغب الى ، في أن اشارك كتابنا وادباءنا الفضلاء في الاجابة على سؤال وجهه اليهم ، رغب الي ، في ان ادلى بدلوى مع الدلاء فى هذا الخواء الذي ملأ يافوخي . . وكان سؤاله باسم مجلة المنهل الغراء عن العام الهجري الجديد " ما هي اماني الكاتب بهذه المناسبة الكريمة ؟ ؟ "

ولنفلسف قليلا قبل ان نخوض في الاجابة . . يقول الامام الغزالي رحمه الله : الفرق بين الرجاء والامنية ، ان الرجاء يكون على أصل ، والتمني لا يكون على اصل ، ولذا قال مجنون ليلى : -

اماني من ليلى حسان كأنما

سقتني بها ليلى على ظما بردا

منى ان تكون حقا تكن غاية المنى

والا فقد عشنا بها زمنا رغدا

وقديما سأل ابو حيان انتتوحيدي ابا علي مسكويه عن الامل والامنية والرجاء ؟ وهل تشتمل هذه على مصالح العالم ؟ فان كانت مشتملة فلم تواصى الناس بقصر

الامل ، وقطع الاماني ، وبصرف الرجاء الا فى الله وتبارك وتعالى ؟

ويجيب ابو علي مسكويه رحمه الله على هذا السؤال بما ملخصه : فاما الفرق بين الامل ، والرجاء ، وبين الامنية فظاهر وذاك ان الامل والرجاء يعلقان بالامور الاختيارية والاشياء التى لها هذا المعنى

فاما الامنية فقد تتعلق بما لا اختيار له ولا روية ، فانه ليس يمنع مانع من تمنى المحال والأشياء التي لا تمييز فيها ولا لها . والامل أخص بالمختار والرجاء كأنه مشترك وقد يرجو الانسان المطر والخصب وليس يأمل الا من له قدرة وروية

وأما المنى ، فهو كما علمت شائع في الكل ذاهب كل مذهب . . فقد يتمنى الانسان ان يطير او يصير كوكبا أو يصعد الى الفلك فيشاهد أحواله وليس يرجو هذا ثم قد يرجو المطر وليس يأمل الا منزل القطر ومنشئ الغيث . فهذه فروق واضحة . فحبذا لو جاء السؤال هكذا : ( ماذا تأمل تحقيقه فى مستهل عامنا الجديد ؟ ) لعللت نفسي بالآمال كما قال الشاعر : -

أعلل النفس بالأمال ارقبها

ما أضيق العيش لولا فسحة الامل

والامل كما هو معلوم رحمة من الله للآملين ، فلولا الامل ما غرس غارس شجرة ولا ارضعت أم ولدا ، كما جاء في الحديث الشريف ، وما دام الاخ على خضران قد فوت علي ، هذه المناسبة بتحديده السؤال . . وانا رجل اعلم أن رياحي تجري بما لا تشتهي سغني فلا داعي لان احدث القراء عن أمنيات قد تلازمني لا سح الله و تلازم ابني من بعدي كما لازمت أمنية ام الحجاج ابنها الحجاج

( الطائف )

اشترك في نشرتنا البريدية