الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

بين أسباب البقاء .. وأسرار الخلود

Share

(( الفكر )) عندنا اليوم - هى احدى المبتكرات فى دنيا الكتابة . وهى معلم ثقافى عتيد وبدعة فى تاريخ المنشورات . فلقد أتت على نشاتها ثلاثة عقود من الزمان اضحت بعدها بناء شامخا فى عالم الثقافة لم يزده كر السنين الا بسوقا وعراقة وجدة ونضارة . فكأنما هى تلك (( الكلمة الطيبة )) ومثلها كمثل شجر طيبة (( أصلها ثابت وفرعها فى السماء تؤتى أكلها كل حين باذن ربها )) وفى بحر ثلاثين سنة مضت نشأت حول تلك الكلمة كلمات سطعت حينا وأفل نجمها حينا آخر ولم تسطع أن تصاول الدهر او تطاول الحدثان . وصمدت (( الكلمة الطيبة )) لأن الزبد يذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الارض .

وهنا - ونحن فى مقام الاحتفال بهذا الانجاز الرائع - يحق لنا أن نتساءل كيف يفى المرء بحق (( الفكر )) فى عيدها الثلاثين ؟ سؤال مثقل بالمعانى يطرحه على ضميره كل مثقف تونسى وهو يشعر فى حيرة بأنه غير قادر على أن يجد له جوابا شافيا . فما تلقاه عنها عبر تلك الحقب الطويلة من بليغ الرسالات قليل فى جانبه التغنى بالمآثر أو أداء التحيات . وحسب ذلك المثقف ان يذكر انه سواء أقرأ حروفا من كلماتها أو خط سطورا على صفحاتها مدين لها بلبنة فى صرح تكوينه أى بقطعة من مهجته ولون من ألوان شخصيته . ولئن كان يدين بأن عليه أن يقوم لمعلمه اجلالا وتبجيلا لأنه كاد أن يكون رسولا فما ظنه بمدرسة ضمت أصنافا من المعلمين كانوا وما يزالون خير رسل وهداة لأبناء هذا الجيل .

ومن البديهى التسليم بخصال الابداع فى كل مبتكر ومعجز اذ هى بخرقها للمألوف وتخطيها للعادى من الأمور وتجاوزها للمتعارف تضحى عزيزة المنال وما كان هذا شأنه عز تأويله . الا انه مع ذلك - يدعونا الى الاعتبار وتدبر ما وراءه

من خفى الاسباب والاسرار والتفكر فى العوامل التى هيأت له البقاء وبوأته مراتب الخلود . ونحن وان كان يؤودنا الاستقصاء فى هذه الاسطر لمؤدون جزءا من الواجب المتخلد بذمتنا تعبيرا عن الوفاء وحثا للهمم على الاقتداء .

ففى هذا النصف الثانى من القرن العشرين وخلال هذا العهد الزاهر بالحرية والسيادة لا يكاد يجد الباحث فى الادب التونسى الحديث خيرا من هذه الموسوعة التى احتضنت القصة والرواية وآوت عرائس الشعر ورفعت منابر للنقد وأحيت غابر التراث واخرجت كل ذلك اخراجا يستسيغه المثقف المعاصر ويحفزه على مزيد البذل وموفور العطاء وهى بعمرها هذا المبارك والخصب قد اتيح لها الشمول والتقصى للظواهر الفنية والادبية فى نشوئها وتطورها واكتمالها وربما تقلصها وزوالها أيضا . وقد تأتى لها كذلك ان تواكب الاقلام الفتية والمتمكنة وان تفرز منها النخبة التى حذقت الصناعة وتبوأت مكانتها فى موكب الفكر والفن . واذا نظر المرء فى تلك الاعداد الثلاثمائة وأجال بصره فى صفحاتها الغر شعر بانه يتصفح قصة حياة ثقافية بماضيها وحاضرها وآتيها وبان واقع الادب والفكر في بلادنا وكذلك مصيره ليس كما توهمه الهائمون بما عند الغير المدينون بالتبعية والكافرون بنعيم الذات . فانك لتقف فى العدد الواحد على ما لا تقف عليه فى كتاب لانه حصاد اصناف من البذور وحصيلة جهود ينوء بها كاهل الفرد مهما قيض له من السداد .

وانه لسر من اسرار البقاء والخلود ان تجمع المواقف في بوتقة من التسامح وحرية الفكر وتلتقى القرائح فى ارادة واحدة نابذة للشعارات مناوئة للرجعية والتعصب وحاملة لراية الجودة واصالة الراى . هكذا عرفت (( الفكر )) كيف تؤلف بين قلوب جميع المثقفين التونسيين بمختلف مشاربهم ونزعاتهم وكيف تحملهم على التخاطب والتناجى بلغة متناسقة الايقاع فكانت صلة الوصل بين الباحثين الجامعيين ورجال الادب والفكر والفن فى الساحة الثقافية وصاغت من لحمتهم رابطة فكرية واضحة السمات .

اجل ان (( الفكر )) مدرسة عريقة الاركان متينة البنيان انبثقت من اسرة ثقافية متلاحمة المقاصد آمن افرادها بان المعرفة هى العروة الوثقى التى تعتصم بها الامم الناهضة وهى السبيل المعبدة الى مدارج الرقى . وآمنوا ايضا - ولشد ما آمنوا - بان الانسان بروحه وعقله هو اسمى القيم فى الوجود وانه فى هذا الكون المبدأ والغاية فراهنوا عليه وهبوا يبحثون فيه عن جوهر الخلق

والابداع وعن الاكسير الذى يغير وجه الارض ويزرع الامل والطموح فى دروب الحياة . تلك مواثيق بينهم عقدوها وكتبوا بنودها بمداد الوفاء وزانوا جبينها الوضاح باكليل من يواقيت مثل ناصعة صيغ بعضها من التضحية ووحدة الكلمة وصيغ سائرها من الدأب والمثابرة . ثم راحوا حينا من الدهر يوقدون الشموع ويفتحون البصائر ويصقلون الضمائر حتى رنت الى مجرتهم افواج من خيرة شباب الجيل تدفقت منهم المهج نحو الامثل وشدت ابصارهم الى الافق ثقة بالمستقبل فشمروا لبناء تونس الغد .

ولقد مضوا قدما فى تشييد ذلك البناء واقاموه على اساس من الجد والتجرد من الاهواء وخاضوا من التجارب ما دل على التفتح وتلاقح الآراء وما اتسم بطابع الابتكار والتجديد . وشرحوا كيف تضحى الاصالة تحقيقا وتجسيمات بعد ان كانت مفاهيم لا تفقه ومنى لا تدرك ثم لم يغفلوا فى أية مناسبة أتيحت لهم عن ربط الوشائح الروحية مع اخوة فى المغرب او المشرق أحلوهم من انفسهم مقاما سنيا . كما حرصوا على الاخذ باطراف ما يدور فى خلد العائلة الفكرية العالمية ونهلوا من روافده دون اغتراب ولا استلاب . وتوالت الاحقاب وهم يسيرون على الدرب بخطى الاتزان والثبات ويشيدون البناء بعزم وتصميم يدعمهم فى مسيرتهم ما التزموا به من نقد ذاتى ورؤية اصلاحية وما يحفزهم من نبل الهدف وسمو الغاية .

تلكم قطرات من وابل (( الفكر )) وومضات من بوارقها سوف تزداد مع الايام تألقا واشعاعا لأنها ظلت ولا تزال القدوة المثلى تحمل فى ثناياها ما قدر لها من أسباب وأسرار الخلود .

اشترك في نشرتنا البريدية