الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

بين إحياء التراث الثقافي، وابتناء المجد الصناعي

Share

لا أحد يستطيع أن ينكر فضل " المجهودات الطيبة التى يبذلها ، اليوم ، علماء عرب ومسلمون وأدباء عرب ومسلمون ، من أجل احياء " التراث " العلمى والادبى والتاريخى والفكرى والاجتماعى والسياسى والاقتصادى - لأسلافنا من العرب والمسلمين ، فى مراجعه ومصادره الاولى الزاخرة ، التى ابتلع كثيرا منها الفتن المدمرة ، والحروب العاصفة ، وأخيرا الاستعمار الاوروبى الكارب . . الذى تمكن فى عصور الجمود والخمود العربى والاسلامى من نقل كثير من هذه المصادر الثمينة الى بلاده بأبخس الاثمان تارة ، ومن طريق الاستيلاء تارة اخرى . . فعمر بها مكتباته وعمر بها أدمغة علمائه وأدبائه فاناروا ابعاد تفكيرهم بأضوائه وحيويته الخارقة وأثلوا حضارتهم على أساسه المتينة الشامخة .

وهنا جانبان متساوقان يمثلان جوانب " الاحياء " المشار اليه :

أحدهما : عناية نفر من علمائنا وأدبائنا أخيرا بنشر المصادر الاولى المهمة ، لهذا التراث العجيب الحبيب ، مما يعثرون عليه نتيجة مجهوداتهم فى التنقيب عن هذه الكنوز المفقودة أو شبه المفقودة والكامن كثير منها فى زوايا مكتبات العالم شرقا وغربا . .

وثاني هذه الجوانب : قيام نفر آخرين من علمائنا وادبائنا ومؤرخينا بتأليف كتب حديثة الطابع والملامح ، مستكملة التراتيب العلمية ، للتعريف بحقيقة الدور الحيوى البالغ الاهمية الذى قامت به حضارة أسلافنا فى تغذية الحضارة الغربية بمادة العلم التجريبى والذكر الخصب والتطوير التنمية الصناعية .

لا أحد يستطيع أن يجحد فضل هاتين الفئتين المتضافرتين على " هدف " راشد منسجم . . يهدف الى دعم البناء الذاتى وتكوين الثقافة الذاتية على أسس من ثقافتنا العربية الاسلامية الزاهرة . . ويعمل على تخليص شبابنا وأدبائنا ، ورجالاتنا من ملابسات قشور الثقافة الغربية التى سيطرت على شواعرنا ووجهتنا وجهات غير قويمة . وأضعفت فينا بروحها السلبية جوانب تقدير ماضينا الزاهى الحضارى اللماع .

وهنا تبرز لنا علامة استفهام ضخمة فنتساءل : هل يكفى اتخاذ هذا الموقف

النظرى البحت حيال بناء كياننا الاقتصادى والصناعي الذي تضغط عليه عوامل الاستعمار ضغطا كاربا فلا يكاد يجد له متنفسا ؟ . .

اننى أقول بصريح القول : ان العناية باحياء تراثنا الثقافى المجيد ، هى على أهميتها ، وهو على أهميته البالغة بالنسبة لتقويم مستقبلنا " لا يكفيان ولا يسدان الثغرة الصناعية المفتوحة الهوة ولا التقنية العميقة ، اللتين نشعر بعمقهما واتساعهما فى محيطنا العربى والاسلامى بالنسبة للامم الغربية التى سارت أشواطا واسعة فى هذا الشأن .

احياء الثقافة الاسلامية والعربية مشروع " نظرى " يسلط فى دربنا اللامع الى بناء المجد القويم الصحيح - اضواء ساطعة ورائعة ، والقيام باعداد ما تستطيع امكاناتنا من قوة مادية واقتصادية وحربية هو مشروع " عملى يشد أزرنا ويحمى حمانا ، ويشكل سياجا حصينا من الدفاع المشروع عن كياننا ونهضتنا وثقافتنا حتى تنمو فى داخل محيطنا النمو المنشود بدون ان تتعرض للهزات . فلابد من أن نقوم بعمليات واسعة وعميقة لابتناء المجد الصناعى المؤسس على العلم التجريبى وعلى العمل التدريبى . . ولنا فى هذا الطريق منهج رسمه القرآن المجيد وأيدته السنة النبوية . . قال الله تعالى ) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ( . فالقوة هنا عامة تشمل جميع ألوان القوى المادية التى نتبع منها القوة الحربية الهائلة لنرهب بها عدو الله وعدونا . .

ان على الدول العربية والاسلامية ان تولى هذا الجانب الحيوى من البناء أهمية خاصة بتوجيه الشباب والناشئة اليه فى دراساتهم وتدريباتهم ، ثم فى تطبيق دراساتهم وتدريباتهم على الواقع ، فتشيد لهم المصانع الوطنية فى صناعات ثقيلة وخفيفة حتى يكون لدى العالم الاسلامى والعربى كفاية واكتفاء ذاتى فى هذه الناحية الهامة التى تفوق أهميتها كل التقديرات ، والتى تفوق علينا فيها الغرب حتى وصل الى اطلاق أقمار الاستخبار والاتصال فى الفضاء وحتى بدا محاولاته الجادة لوصول البشر الى القمر حالما نكتفى نحن بموقف النظارة والمشاهدين ، وربما امتد طوق من هذا التفوق العظيم على اعناق من لم يبلغوا شأوه يوما من الايام . . وعاما من الاعوام . .

فمتى يا ترى يتحقق هذا المطلب السامى ؟ ! ومتى يا ترى نشهد هذا اللون من التطور البناء الذى نحن أحوج ما تكون الى امتلاك أعنته ، واستخدام طاقته ؟ متى ؟

نأمل ان يكون ذلك قريبا ان شاء الله . . ومن جد وجد ومن سار على الدرب وصل . . كما يقوله لنا مثلنا العربى الحكيم .

اشترك في نشرتنا البريدية