كان ابن حزم اول عالم نقد اسفار التوراة والاناجيل ( ما يسمى بالعهد القديم والعهد الجديد ) نقدا علميا عقليا قبل ان تظهر بواكير هذه البحوث باوربا فى القرن السابع عشر على يد ريشار سيمون Richird Simon ( 1678 ) وعلى يد استروك Astruc فى القرن 18 م الذى كانت لدراسته فضيلة السبق فى الكشف عن المصادر الاولى لاسفار التوراة الخمسة ، ثم تلاهما يوليوس ولهزن julis Wellhousen الذي استفاد من بحوث سابقيه ، وكانت كتاباته وبحوثه مرجعا للعلماء من بعده .
وقد تفطن لما امتاز به منه منهج ابن حزم عن بقية مناهج علماء الاسلام في مجادلة اهل الكتاب الشيخ عبد الله الترجمان (1) في كتابه " تحفة الاريب ، في الرد على اهل الصليب (2)، اذ يقول : " . . وجدت تصانيف علمائنا الاسلاميين - رضي الله عنهم - محتوية على ما لا مزيد عليه ، الا انهم - رحمهم الله - قد سلكوا فى معظم احتجاجهم على اهل الكتاب من النصارى واليهود مسالك مقتضيات المعقول الا الحافظ ( ابى ) محمد بن حزم - رحمه الله - فانه قد رد عليهم بالمعقول والمنقول ، غير انه لم يرد عليهم بمقتضي المنقول الا في النادر من المسائل" .(3)
والسبب - على ما يبدو - فى ظهور هذا الاتجاه العلمي النقدى فى وقت مبكر بالاندلس تركيب المجتمع الاندلسي ، المتألف من عناصر اسلامية ومسيحية ، تأثرت هذه الاخيرة بحضارة المسلمين ، لكنها بقيت متمسكة بدينها ، ونشأ عن المجاورة والاحتكاك الجدل والنقاش فى مسائل العقائد مما دعا الى ان ينبرى علماء الفريقين للرد على بعضهما بعض .
وأتى من بعد ابن حزم عالم اندلسي آخر هو احمد بن عبد الصمد بن ابى عبيدة - بفتح العين - الانصارى الخزرجي ، من تلامذة القاضي ابى بكر بن العربى ، المتوفى بفاس سنة 582 ه ، 1187 م ، الف كتابا فى الرد على بعض القسيسين بطليطلة سماه " مقامع الصلبان فى الرد على عبدة الاوثان " (4) كان متأثرا فيه بابن حزم من ناحية منهجه النقدى .
ومنهج ابن حزم فى نقده يتمثل فى معارضة النصوص بعضها ببعض ، وبيان ما فيها من اضطراب وتناقض واختلاف ، ورد الروايات التاريخية التى تصادم معطيات العلوم - على ما وصلت اليه فى عصره - من هندسة وجغرافيا وعلم المواليد الثلاثة ( الحيوان والنبات والمعادن ) وبالجملة كل ما يتعارض مع القوانين اليقينية الثابتة المطردة التى يسير العالم والمجتمع الانسانى حسب مقتضياتها ، يكون عند ابن حزم كذبا ومحالا من باب ما يتسلى به العجائز من الخرافات والاسمار عند غزلهن للصوف .
أمثلة من نقده : بعد ان حكى ما ورد فى سفر التكوين ( الاصحاح 15 الاية 13 ) من تنبؤ ابراهيم ببقاء اليهود مدة 400 سنة بمصر ، ووصف جامع اسفار التوراة باوصاف جرى بها قلمه كثيرا فيها اقذاع امسكنا عن ذكرها ، قال : " تكلف املاء ما لم يقم بحفظه جاهل مع ذلك مظلم الجهل بالهيئة وصفة الارض والحساب" .(5)
وبعد ان نقل انه كان يوضع في قصر سليمان - ع - كل يوم مائة مائدة
ذهب على كل مائدة مائة صفحة ذهب ، وثلاثمائة طبق ذهب ، على كل طبق ثلاثمائة كاس ذهب ، قال : " فاعجبوا لهذه الكذبات الباردة ، واعلموا ان الذي عملها كان ثقيل الذهن فى الحساب ، مقصرا فى علم المساحة ، لانه لا يمكن أن يكون قطر دائرة الصفحة أقل من شبر ، وان لم تكن كذلك فهي صحيفة لا صفحة طعام ملك ، فوجب ضرورة ان تكون مساحة كل مائدة من تلك الموائد عشرة اشبار فى مثلها لا أقل ، سوى حاشيتها وارجلها .
واعلموا ان مائدة من ذهب هذه صفتها لا يمكن البتة ان يحركها الا فيل ، لان الذهب ارزن الاجسام واثقلها . ولا يمكن البتة ان يكون فى كل مائدة من تلك الموائد أقل من ثلاثة آلاف رطل ذهب ، فمن يرفعها ومن يضعها ومن يغسلها ومن يمسحها ومن يديرها ؟ ! فهذا الذهب كله ، وذا الاطباق من اين ؟ ! " (6) .
ومن الطريف ان المعجزات عند ابن حزم لاتصادم النواميس الثابتة فى الكون ، فاذا صادمتها دخلت فى حد الكذب ؛ قال : - عقب الكلام السابق عن معجزات سليمان الواردة فى القرآن من اتيانه ملكا لا ينبغي لاحد من بعده ، وتسخير الريح له ، وعلمه بمنطق الطير الخ . " وبين الامرين فرق واضح ، وهو ان الذى ذكرت مما نصدق به نحن ، هو من المعجزات التى تأتى بمثلها الانبياء - ع - داخل كله تحت الممكن فى بنية العالم ، والذي ذكروه هو خارج عن هذا الباب داخل فى حد الكذب ، والامتناع في بنية العالم (7). سقت هذه المقتبسات من كلام ابن حزم ، وهي قليل من كثير, للتدليل على منهجه فى النقد ، واعطاء صورة واضحة عن غزارة تفكيره وقوة عقله ، وانه كان اول عالم عربى وضع اسسا بينة لنقد الرواية التاريخية مستعينا بقوابين مختلف العلوم وقواعدها لبيان ما فى هذه الروايات من زيف وبهرح ، وانه يتعين تفنيدها ورفضها عند مصادمتها للقوانين العلمية اليقينية الثابتة التى لا يرقى اليها شك البتة . وجاء ابن خلدون من بعد ابن حزم باكثر من ثلاثة قرون واستفاد من كتاباته ومنهجه النقدى ، ولكنه اهمل الاشارة إلى الاستفادة من كتاب ابن حزم " الفصل " جريا على عادته في عدم ذكر المصادر التى يستقي منها . ويبدو تفوق ابن خلدون فى عقليته الفلسفة القدرة على التجريد والتعميم واستنباط القوانين والقواعد العامة الصالحة لنقد الرواية التاريخية ،
غير قاصر نقده على بعض المأثورات التاريخية المبثوثة فى اسفار العهدين القديم والجديد .
هذا هو الفرق بينه وبين ابن حزم ، ولكن لاينكر فضل المتقدم ، وما كان له من جهد في تمهيد الطريق ، والقاء الاضواء الكاشفة على مسالك وشعب كانت مهجورة من قبل .
ان النغمة التى سمعنا ترديدها من ابن حزم من مثل قوله : " داخل كله تحت بنية العالم ، داخل في جو الكذب والامتناع فى بنية العالم الخ ..." والاستناد الى نتائج العلوم المختلفة لنقد الرواية التاريخية نجد شبيهه فى "مقدمة " ابن خلدون .
وهناك فارق في الاسلوب بين ابن حزم وابن خلدون ، ومرده الى تباين مزاجهما الشخصى ، فابن حزم عنيف فى نقده ، طويل اللسان سليطه يصل به أحيانا إلى البذاءة والاقذاع ، وابن خلدون ريض الطبع هادىء المزاج ينقد فى اتزان ، الحجة تتبعها الحجة ، والشبهة ينقضها البرهان ، بدون استعانة بمؤثرات عاطفية من سخرية وتهكم واقذاع كما هو شأن ابن حزم . مقارنة بين ابن حزم وابن خلدون
عندما تحدث ابن خلدون في مقدمة " المقدمة " عن " فضل علم التاريخ " وتحقيق مذاهبه ، والالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط والاوهام ، وذكر شئ من اسبابها ، بين " ان الاخبار اذا اعتمد فيها على مجرد النقل بدون تحكيم لاصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والاحوال فى الاجتماع الانساني ، وبدون قياس الغائب منها على الشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور ، ومزلة القدم ، والحيد عن جادة الصدق" . وهذا الاعتماد على مجرد النقل ناشئ عن عدم معرفة القوانين الاجتماعية التى تتحكم فى سير المجتمعات قد أوقع المؤرخين وايـمة النقل فى الاغلاط والاوهام " لاسيما في احصاء الاعداد من الاموال والعساكر اذا عرضت فى الحكايات ، اذ هى مظنة الكذب ، ومطية الهذر ، ولا بد من ردها الى الاصول ، وعرضها على القواعد " .
ثم ذكر ما نقله المسعودي (8)وكثير من المؤرخين عن جيوش بنى اسرائيل ، وان موسى - ع - احصاهم في التيه فكانوا ستمائة الف أو يزيدون ،
بعد ان أجاز من يطيق حمل السلاح من ابن عشرين فما فوقها . (9) وحجج ابن خلدون في تفنيد هذه الحكاية تتلخص فيما يلى :
1) الذهول عن معرفة مساحة مصر والشام ، وضيقها عن ايواء هذا العدد من الجيوش .
2 ) لكل دولة من الدول " حصة من الحامية تتسع لها ، وتقوم بوظائفها ، وتضيق عما فوقها ؛ تشهد بذلك العوائد المعروفة ، والاحوال المألوفة " .
3 ) مثل هذا العدد من الجيوش " يبعد ان يقع بينها زحف او قتال لضيق ساحة الارض عنها وبعدها اذا اصطفت عن مدى البصر مرتين او ثلاث او أزيد ، فكيف يقتتل هذان الفريقان ، او تكون غلبة احد الصفين ، وشئ من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر ، فالحاضر يشهد لذلك ، والماض أشبه من الآتي بالماء بالماء "
4 ) ان " ملك الفرس ودولتهم اعظم من ملك بني اسرائيل بكثير ... ومع ذلك لم تبلغ جيوش الفرس قط مثل هذا العدد ولا قريبا منه " .
5 ) لو "بلغ بنو اسرائيل مثل هذا العدد لاتسع نطاق ملكهم ، وانفسح مدى دولتهم ، فان العمالات والممالك على نسبة الحامية والقبيل القائمين بها فى قلتها وكثرتها ... "
6 ) ان بني موسى واسرائيل اربعة اباء ، والمدة بينهما - على ما نقله المسعودي - اذ قال : دخل اسرائيل مصر مع ولده الاسباط واولادهم حين أتوا الى يوسف سبعين نفسا ، وكان مقامهم بمصر الى ان خرجوا مع موسى - ع - الى التيه مائتين وعشرين وسنة (10). . ويبعد ان يتشعب النسل في اربعة اجيال الى مثل هذا العدد ... "
ثم ذكر ان الحديث عن احصاء الجيوش والضرائب ونفقات المترفين يصاحبها الغلو في التقدير ، وعله ذلك عنده " ولوع النفس بالغرائب ، وسهولة التجاوز على اللسان ، والغفلة على المتعقب والمنتقد ، حتى لا يحاسب نفسه على خطأ ولا عمد ، ولا يطالبها في الخير بتوسط ولاعدالة ، ولا يرجعها الى بحث وتفتيش ..." تناول ابن حزم هذا الموضوع نفسه فى " الفصل " (11) ، وحججه فى الرد تتلخص فيما يلى :
1 ) بعد ذكر حدود صحراء سيناء والدول المجاورة لها ، والتلميح الى تاريخ صدامهم مع بني اسرائيل ، ومساحة دولة بني اسرائيل من فلسطين والاردن ، عقب على ذلك بقوله : " فاعجبوا لهذا الكذب المفضوح ، وهذا المجال الممتنع ، ان تكون المسافة المذكورة تقسم ارضها على عدد يكون ابناء العشرين منهم فصاعدا خاصة أزيد من ستمائة الف ، فأين من دون العشرين ؟ ! وأين النساء ؟ ! " ( لاحظ وجه الشبه بين ما ذكره ابن خلدون ، واعتماد كل منهما على ما عرف في الجغرافيا والتاريخ من ضيق مساحة دولة بني اسرائيل عن ايواء هذا العدد) .
2 ) ثم نقل خلاصة ما ورد في سفر العدد ويوشع من توزيع الاردن وفلسطين بين الاسباط ، وبين ما فى عدد رجال كل سبط من الاسباط من غلو وكذب ؛ وان الامر فى ولد دان افحش من سائر ما فى ولد اخوته ، واوضح اسباب ذلك ، الى ان ختم هذه الفقرة بقوله : " هذا المحال الممتنع الذي لم يكن قط في العالم على حسب بنيته وترتيبه ... "
3 ) ثم لاحظ ان رقم ستمائة ألف وثلاثة آلاف رجل لا يتماشى مع قانون تزايد السكان ، وذكر العوائق الخارجية التى تحول دون بلوغ هذا العدد فكان اكثر دقة وعمقا من ابن خلدون الذي لمح في ايجاز الى استحالة بلوغ بني اسرائيل مثل هذا العدد فى مدة مائتين وعشرين سنة وبهدا يكون ابن حزم سابقا لابن خلدون ومالتس (12) في الكشف عن قوانين تزايد السكان " فيا للناس كيف يمكن أن يتناسل من ولادة واحد وخمسين رجلا فقط في مدة مائتى عام وسبعة عشر عاما فقط أزيد من الفى الف انسان ؟ !
هذا غاية المحال الممتنع ، لانه نص فى توراتهم انه انتسل منهم ستمائة الف وثلاثة آلاف رجل ، كلهم لم يعد فيهم ابن اقل من عشرين سنة ، ولعل من دون العشرين عاما منهم يقاربون هذا العدد ، ثم النساء ، ولعلهن نحو هذا العدد وقد علم كل من يميز من الرجال والنساء ان الكثرة الخارجة من الاولاد لم توجد فى العالم لصعوبة الامر فى تربية اطفال الناس ، ولكون الاسقاط فى الحوامل ، ولابطاء حمل المرأة بين بطن وبطن ، وكثرة الموت في الاطفال ؛ فهذه أربع عوارض قواطع دون الكثرة الخارجية في الاولاد للناس ". وذكر ان كثرة النسل لا توجد الا فى القليل النادر عند الملوك وذوى اليسار ، واما من لا يجد الا الكفاف وفوقه مما لا يبلغ الاكثار من الوفر ، فلا يمكن ان يتكاثر فيهم النسل ، وتخلص بعد ذلك الى ان هذا العدد يستحيل وجوده فى بني اسرائيل لان ظروف معاشهم وحالتهم الاقتصادية تحول دون تكاثر النسل تكاثرا مفرطا لانهم " كانوا فى حياة يوسف - ع - فى كفاف من العيش اصحاب غنم فقط ، ولم يكونوا فى يسار فائض ، ثم كانوا بعد موت يوسف واخوته فى فاقة عظيمة ، وعذاب ونصب ، وسخرة متصلة ، وذل راتب ، وبلاء دائب ، وتعب زاهق يكاد يقطع عن الشبع ، فكيف عن الاتساع في العيال ، والأشر فى الاستكثار من الولد ؟ !"
وختم حججه بما لا يخلو - على عادته - من تنكيت وسخرية لاذعة ". . ذكر فى توراتهم انهم كانوا كلهم يسخرون في عمل الطوب ؛ وتالله ستمائة الف طواب لكثير جدا!..."
وامتاز ابن خلدون عن ابن حزم فى تفنيد الرواية باستناده الى امور نفسه وسياسيه وتاريخية ( التهويل فى احصاء الاموال والجيوش ، الخ لكل دوله حصة من الحامية الخ . ملك الفرس ودولتهم اعظم من ملك ببى اسرائيل بكثير الخ .. . ) ولعل مرد ذلك الى ان ابن خلدون مارس السياسة عمليا ، وبلا خيرها ومرها ، وتكونت له من مشاهداته وانطباعاته تجارب خصبة أمدته بمعين لاينضب عندما دون "مقدمته " الذائعة الخالدة ، وابن حزم لم تساعده ظروف حياته على اكتساب تجارب سياسية فى مثل خصوبة وثراء تجارب ابن خلدون .

