الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

بين الادب و العمل السياسي و الاجتماعي

Share

" وجه فى المرأة " برنامج اذاع  (*)  تونسي يفتح كل اسبوع حوارا مستفيضا مع أحد رجالات الأدب والفكر

وقد التقى المستمع التونسي من خلال هذه النافذة مع محمد مزالي  مفكرا وسياسيا . فكانت التناولات - على تباينها - هامة تقول بتاكيد الحضور الوطني البناء فى ظل الديموقراطية " الحق ، وبالعمل الجاد على نمذجة المواقف " والسمو بالانسان الى درجات الاعتبار !

ومن وحي الفكر و " فى دروب الفكر كان اللقاء الفكرى مع الاستاذ محمد مزالي

س : نظرا الى كثافة تحرككم سياسيا وفكريا فى شتى المجالات ، ونظرا الى المتابعات الدائمة التى توليها لكم وسائل الاعلام السمعية والبصرية والمكتوبة ، فانه يعسر حقا الاحراز على سؤال طريف يكون بمثابة السبق الصحفى

وعلى هذا الاساس وانطلاقا من عضويتكم فى " المجمع اللغوى العراقي " أخيرا ، الى جانب عضويتكم القديمة فى بقية المجامع العربية ) سوريا - مصر - الاردن . . ( يطرح السؤال :

- كيف ترون امكانية تطوير تلك المجامع حتى يكتسب دورها فاعلية أكثر ؟

ج : إنه سؤال طريف وسأحاول أن أجيب عنه بكل صدق . أولا ، اني اعتز واتشرف بنقة زملائى فى الحرف وفي الفكر على صعيد الوطن العربي هذه الثقة التى بوأتني اعتبارا مرموقا وقالت بعضويتى فى مجامع عربية تنتمى الى هذا الوطن العربي الكبير

واعتقد أن في هذا التشريف شرفا لتونس ، وان الاخوان أبوا الا أن يشرفوا تونس في شخصى ، ويعملوا على تمثيلى فى هذه المجامع .

وفيما يخص السؤال المطروح وبكل صدق أيضا ، أرى أن هذه المجامع اللغوية العربية مدعوة - لا الى مضاعفة عملها فحسب - بل الى تطويره لمزيد القدرة على مواجهة المشاكل الكبرى التى تعترض اللغة العربية اليوم ، وهى تقف وجها لوجه مع تحديات مختلفة كتحدى التخلف أو تحدى السبق الذي حصلت عليه بعض اللغات الحية العالمية الاخرى وهو سبق افرزه السبق الحضاري الذي سجلته أوربا والولايات المتحدة واليابان وبعض البلدان الاخرى . وهى مدعوة الى مواجهة الواقع اللغوي في العالم العربى وهو واقع يتميز أو يتصف بعدة مشاكل وسلبيات منها : الصراع والتنافس أو على الاقل التواجد بالمعنى المكاني بين لغه عربية وبين لهجات عامية بحيث ان اللغة العربية في بعض الاحيان ليست هى اللغة التى يستعملها الشعب في قضاء شؤونه اليومية ، وثانيا ، ان اللغة العربية نفسها تتارجح بين اللغه ذات المستوى الأدبي الرفيع أو المكتوب وبين ضرورة الاستعمال والوسائل السمعية - البصرية ، بحيث ان هناك ضرورات تطوير اللغة العربية للوصول الى لغة عربية سليمة تقف وسطا بين اللغة المتقعرة  لغة الخواص وبين اللغة البسيطة التى يتداولها عامة الناس .

فلا بد من درء التخلف وضرورة ملاحقة العصر واستيعاب المفاهيم الجديدة والرموز المستحدثة والقدرة على التعبير السهل المطوع الذي يخول لكل عربي عن كل المفاهيم والمعاني الجديدة . ويبدو أنى كلفت اللغة أو المجامع فوق طاقتها لأن اللغة - احقاقا للحق - هي المعادل للبشر الذين يتكلمونها يوميا . وعلى هذا الأساس ، لا يمكن للمجامع ولللغويين أن يقفزوا على مستوى الأمة التى ينتمون اليها أى مستوى الاطارات أو المستوى العلمي والثقافي والاقتصادى والاجتماعي لهذه الامة . وان ينسقوا فيما بينهم كذلك . لان هناك خطرا آخر هو أنه فى ترجمة او تعريب بعض المفاهيم

الجديدة العلمية منها خصوصا والحضارية وغيرها تتباين الاجتهادات والمصطلحات ، وهذا من شأنه أن يبقى على الاختلافات الملاحظة في الاستعمالات بين هذا القطر وذاك . ولهذا أود أن تتطور طرق عمل المجامع وأن يقع بينها وبين الكليات والجامعات والهيئات العلمية واتحادات الكتاب والصحافة مزيد من التجاوب والتكامل والتراشح والتشاور ، حتى تكون مسيرتنا على درب التجانس المتوازي فى كل الأقطار وفي كل مواقع المسؤولة الثقافية والتربوية .

س : يمكن أن نتفاءل فى هذه الناحية من حيث امكانية التنسيق ، خصوصا وان وجودكم فى كل المجامع اللغوية يخول لكم القيام بعملية التنسيق .

: لا بد من أن يكون العمل جماعيا وبالنسبة لي ، فانه - من سوء الحظ - لا يمكنني الحضور الدائم والمتواصل في كل هذه المجامع اللغوية ، نظرا الى مسؤولياتى الكثيرة فى النطاق القومى . ولكنى اسعى وزملائى التونسيين وغير التونسيين الى التغلب على هذه المشاكل والى التأكيد على انتهاج طرق جديدة ووسائل عمل طريفة

س : لعل أكبر هدية قدمها الادباء التونسيون لأنفسهم في هذه السنة الجديدة اعادة انتخابكم بالاجماع رئيسا لاتحاد الكتاب فهل لكم برنامج عمل يضمن اصلاح شؤون الأدب بواسطة الاتحاد ، ويسمح للفكر التونسى بالتغلب على العراقيل التى تثبط من عزمه فى الوقت الراهن كمسألة نشر الكتاب داخل تونس وتوزيعه فى الخارج ، وخلق ظروف مناسبة للابداع بوجه عام .

ج : أولا ، أود أن اغتنم هذه الفرصة لأعبر من خلال هذا البرنامج عن مدى امتناني واعتزازي بكافة زملائى : أعضاء اتحاد الكتاب المساهمين فى " جلسة العامة للمؤتمر الأخير ، والذين ابوا الا ان يجددوا انتخابي

بالاجماع ، ) ١ ( بينما عبرت شخصيا قبل ذلك عن رغبتى فى تسليم المشعل الى احد الزملاء خصوصا واني عشت تاسيس الاتحاد وترأسته منذ تأسيسه حتى اليوم ، وقلت في نفسي : لعل الوقت حان لنعمل بسنة التناوب . لكن أبي كل زملائى الا ان يجددوا ثقتهم فى وقد تقبلتها بكل اعتزاز وارتياح واعتبرتها حافزا جديدا لى ، حتى أواصل وأضاعف مجهوداتى مع زملائى اعضاء هيئة اتحاد الكتاب وكافة المنخرطين فى سبيل النهوض بشأن الادب والثقافة والاخذ بيد الزملاء الكتاب ، ولا اعتقد انه يمكن لأى كان أن يقول . حتى رئيس الاتحاد - بأن له برنامج عمل ، كل ما فى الامر ، انه يجب التعاون مع أفراد الهيئة من جهة ، والتعاون بين الهيئة وبين أكثر ما يمكن من اعضاء الاتحاد لوضع برنامج أو لاعادة وضع برنامج عمل بالنسبة الى السنتين القادمتين . وهذا فعلا ما ننوى القيام به وقد اجتمع مكتب اتحاد الكتاب وعين لجنة لاعداد مشروع برنامج مستوحى من مناقشات الكتاب ومن مقترحاتهم وحتى انتقاداتهم الايجابية اثناء الجلسة العامة . وعندما نضع هذا المشروع للاتفاق على برنامج عمل ، نفكر في دعوة عامة للنقاش مع كافة اعضاء الاتحاد حول هذا المشروع ثم نلتزم جميعا وخصوصا - نحن أعضاء مكتب الاتحاد - بالسعى الى تحقيقه .

سوف تولى أهمية بالغة لعلاج قضايا النشر والتوزيع وحقوق التأليف وهي من القضايا التى تركز النقاش عليها ، والتى يتألم منها جل الكتاب . وأرجو ان نعقد - بعد ضبط برنامج النشاط - جلسات عمل مع وزارة الثقافة والاعلام ووزارة المال ، حتى نخفف على الاقل من أعباء هذه المشاكل ونيسر للكتاب وسائل جديدة تمكنهم من الإنتاج والخلق والقيام بوظيفتهم السامية فى مجتمعهم النامى

س : أنتم والاساتذة الشاذلى القليبى ومحمود المسعدى ، والمرحوم على البلهوان تمثلون طرازا خاصا من الادباء الذين جمعتم بين التأمل النظرى المتواصل فى الواقع عن طريق الفكر والانتاج الفكرى وبين التأثير فى

الواقع عن طريق المسؤولية السياسية والعمل السياسى وسوف لن أطرح عليكم السؤال التقليدى حول كيفية التوفيق بين السياسة والفكر ، وانما سأطرح سؤالا آخر : هل المثقف المسؤول سياسيا فى العالم الثالث يساهم بفكرة فى قيادة السياسة أم أن السياسة التى - هو عضو فيها - هي التى تلهم فكره وتساهم فى ضبط الآفاق التى يتحرك فى اطارها .

ج: سؤال هام وله ابعاد كثيرة والسؤال يطرح اسئلة أخرى كثيرة حول طبيعة الكتابة ووظيفة الكاتب والسياسة . ان الزملاء الذين ذكرتهم وغيرهم من رجالات الفكر والعمل قد تجمع بينهم بعض الخاصيات فهم تكونوا وتلفوا ثقافة مزدوجة وجمعوا بين القول والعمل ، بين الانتاج الفكرى وبين العمل . ربما يكون مرد هذا الى شئ فى مزاجهم ، الى عناصر ثقافتهم ، الى انصهارهم منذ نعومة أظفارهم في بوتقة الحركة الوطنية او الى ايمانها بضرورة العمل المحسوس للتأثير فى الواقع ، لان الادب او الادباء كثيرا ما يجنحون الى التأمل المجرد ، والى الحياة فى الاحلام . فهذا لا يخلو من لذة ومتعة وجمال فنى كما يعبر عنه . لكن الادباء من هذه الناحية يبقون دائما في منزلة المتأمل البعيد عن خضم الحياة ، ثم ان هؤلاء الاخوان لم يقعوا في فخ الادب والثقافة بوصفهما مجرد نقاش أو مجرد رفض . ذلك ان تاريخ الفكر  الانسانى - منذ خمسة وعشرين قرنا منذ ان بزغت حضارة اليونان سجل ظاهرة لا يمكن انكارها وهى ان الثقافة والادب يمتازان دائما بالرفض فالاديب يرفض ، وبنتقد ولا يتلاءم مع المجتمع في شكله الجاهز ، في نظمه ، فى مؤسساتة وهذه وظيفة سامية على ما اعتقد ، لان الاديب يخز المجتمع ويحمل البشر على النظر او اعادة النظر فى وضعهم وفي معتقداتهم . ولهذا فهي وظيفة احياء وانعاش ولو انها اتخذت وتتخذ فى التاريخ صبغة الرفض العنيف او ذلك الرفض الذي يؤدى الى الهامشية .

لكن ربما هؤلاء وغيرهم عبروا عن وظيفة الادب والفكر بصورة ايجابية عوضا عن ان يبقوا على الربوة ويلوذوا بمجد الكلمة فى روعتها ، وروعة التفكير فى عطمته ودلك بالدخول الى المعمعة والالتصاق بالشعب . وربما اختاروا الطريق الصعب وهو الاخذ بالجدل البناء بين المفكر اذ يفكر والإنسان

يعمل بجوارحه مع الانسان ، لان العمل مع الناس ليس بالسهل . ان الوحدة او الوحدانية أو الفردية او التفرد بالرأى والقبوع فى زاوية أو فى مؤسسة على هامش المجتمع اسهل من النزول الى الميدان والحديث مع الناس والتعامل معهم برغم متناقضاتهم ونفوسهم الامارة بالسوء وبرغم الغيرة والانانية واختلاف وجهات النظر . ان هؤلاء تسنى لهم ذلك ، ربما لانها عاشوا مع الشعب منذ صغر سنهم ، وربما لان الحظ التاريخي أراد لهم أن يجدوا أنفسهم فى صلب الحركة الوطنية الدستورية البورقيية وهي حركة شعبية منبثقة من الشعب . فهذه بعض الخصائص وبعض الاضواء التى يمكن ان نلقيها على بعض النفسيات .

بالنسبة الى هؤلاء الزملاء ، فقد جمعوا - وهذا هو المهم - بين الانتاج الفكرى او حاولوا على كل حال ذلك ، وبالنسبة الى محمود المسعدى فانه حقيقة نجح نجاحا باهرا واعتبره شخصيا من اكبر الادباء في العالم العربى هذه حقيقة يشهد بها القاصى والدانى ، وكلهم عملوا - الاحياء منهم على الاقل ولا يزالون ، في مؤسسات سياسية أو اجتماعية أو دستورية يعملون من أجل أن يجسموا فى الواقع أفكارهم من دون ان يفرطوا فى معتقداتهم ولا أن يتورطوا مع الواقع المرفوض ، بحيث يختلطون بالناس : خيرهم وشرهم ويخاطبون أسمى ما فى الناس وخير ما فى الناس لتنميته ، ولتجاوز الشر الذي هو جبلة فى كل واحد منا . واعتقد أنها تجربة جميلة وطريفة تستحق ان تدرس وأود أن ينكب الادباء والاساتذة على انتاج محمود المسعدى أكثر مما هم يفعلون وعلى انتاج على البلهوان الذي هو ليس بمعروف بما فيه الكفاية وعلى انتاج الاستاذ الشاذلى القليبي وغيرهم حتى يتلمسوا هذا الانتاج .

س : لكن هل هذا دائما ممكن ؟ ان المثقف - عادة وفي العالم الثالث بوجه عام - عندما ينتسب الى حزب معين أو انتماء سياسي معين يصبح فى أغلب الاحيان بوقا لذلك . قد يكون الامر فى تونس يختلف ، نتيجة طبيعة البورقيية نفسها . لان بورقيبة بدأ بالقلم قبل أن يبدأ النضال المباشر والاحتكاك بالناس . لكن ، فى أنظمة أخرى قد يعسر

أحيانا التوفيق بين التفكير الحر والجهد العملي فى الواقع

ج : أعتقد أن القضية ليست هى التوفيق بين الادب وبين العمل الاجتماعى أو السياسي . المشكل القائم هو بين الانسان ونفسه : يعنى هناك السياسي ذو الحزم والعزم والشخصية القوية ، وهناك الاديب السياسي ذا الشخصية الضعيفة أى أن هناك بعض ادباء ، بعض أناس ينطلقون فى عملها السياسي وهم يحملون أفكارا أدبية ، رائعة وقد كتبوا كتبا معتبرة وتصوروا المجتمع تصورا ما ، قائلين بأنهم سيساهمون في تطوير المجتمع وفي افادة الناس . ولكن ضعفهم الذاتى وهشاشة شخصيتهم وتواطوهم مع الواقع ، لم يغير الواقع ، بحيث ، المسألة ليست مسألة التوفيق بين طبيعة الادب وطبيعة السياسة ، فالقضية هي : هل هذا الاديب أو هل هذا السياسي يمتلك شخصية قوية أم لا ؟ كي يختلط ويتفاعل مع الناس فيفيدهم ويفيد منهم . ويوفق بين شخصيته الفذة وبين العمل الاجتماعى الذى يقتضى الانسجام والتجاوب . أى يكون فى النار ولا يحترق ، يعايش الناس ، يحاول التأثير فيهم ، وقد يتأثر بهم لا محالة ، لكن ، دون أن يخون أو يتنكر لمبادئه أو يتواطا مع الواقع . قد يرغب أو يطمع أو بخون ، أو يسيل لعابه لجمع المادة او تأخذه الخيلاء والزهو أو يغتر ببريق الكراسي . فالقضية لا تعدو ان تكون قضية اخلاقية وليست أدبية أو سياسية .

هناك سياسيون ادباء ولكن ، يتواطؤون ويخون مبادئهم . وهناك ادباء عندما يدخلون باب السياسة ينسون الادب وينسون مبادئهم . لكن هناك ادباء يستعملون السياسة بصفتها اداة تبليغ رسالتهم ، أى يمكن للانسان ان يبلغ رسالته بالكتابة ، ويبلغها بالعمل اليومي مع زملائه في درب الكفاح . فالمسألة مسألة مستوى الشخص . فهل السياسة غاية أم وسيلة ؟ وهل نحن نكتب ونجود بالافكار الغزيرة لغاية الوصول الى الكراسي ؟ ام ان لى ايمان أصيل وشخصية قوية اجذر بهما مبادئى ولى من الواقعية ما يكفى فاستعمل الكرسي وأكون فى نار السياسة ولا احترق . حتى تكون السياسية اداة لخدمه الشعب وتجسيمات لا محالة تدريجيا - للمبادئ والمثل العليا التى نؤمن بها . ولهذا ، اعتقد أن الرئيس الحبيب بورقيبة هو مثقف قبل كل شئ وهو ابن بار لتونس أصيل . لكن يرى أن تغيير الواقع التونسي الذي كان مطبوعا بطابع الاستعمار الفرنسى لا يتسنى الا بالعمل السياسي الذي لا ينتج عنه أى تورط ، لا مع الذات ولا مع الغير . فنحن كذلك . ويرى بعض

الناس انه لا يمكن لاديب أن يقتحم الميدان السياسي ويتبوأ منصبا حكوميا وانا اقول : يمكن . وعندنا أدباء كثيرون هم بمنأى عن الحكومة لكنهم متواطئون مع أنفسهم الامارة بالسوء ومع الناس ، والعكس بالعكس

س : هذا شرف للأديب أن يستطيع الوصول الى تحقيق بعض الطموحات على صعيد واقعي . هم يريدون أن يكون الأديب دائما على الهامش ؟

ج : لا ، بالعكس ! انا اعتقد انه متى قلنا بهذا التهميش يعنى وضعناه على الهامش . هذا ضعف من قبل الكاتب وفي شخصيته . انا اعتقد أن الأديب مطالب بتحمل مسؤوليته . هو حر ، لكنه مسؤول . عليه أن يدخل المجتمع ويتنزل في معمعة العمل الاجتماعى . والمحك ، محك قيمته : في كونه يعمل من غير أن يتورط أى من غير أن يتنكر لمبادئه أو أن يزور أفكارة ومثله العليا ، ويحاول أن يؤثر فى الناس وقد يتأثر بهم . لأنه ليس معصوما ، يعنى انه يعى مقتضيات الواقع .

س : بدل من أن يكتفى بموقف المتفرج السلبى ، يشارك ويساهم .

ج : ولكن هذا يقتضى حضورا شخصيا قويا . ليس كل واحد قادرا علي العمل وعلى التأثير وعلى الخطابة وعلى الصبر على مكائد الذين يغارون ويحقدون .

س : قال الرئيس الجليل المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة ذات مرة ، ما معناه : ان سيادته لولا انشغال بالسياسة واضطلاعه بقيادة الحركة الوطنية ، لأصبح أديبا كبيرا . وقال الرئيس الفرنسى جيسكار ذات مرة ، ما معناه : لو كان متأكدا ) أى جيسكار ديستان ( من قدرته على امتلاك اسلوب من طراز أسلوب الأديب الفرنسى فى دى مبسون ، لتفرغ للأدب وترك السياسية . ألا يعنى هذا أن ارتياد آفاق عالية فى الأدب أو فى السياسة يحتاج أحيانا

الى تفرغ كامل لاحدهما بالرغم من ان هنالك القاعدة وما يثبت شذوذ القاعدة ؟

ج : أولا ، يجب أن نتحدث عن الأدب والأدباء ، مامعنى فلان اديب ؟ . معناه اولا : له نظرة جديدة لنفسه وللواقع وللكون .

ثانيا : له قدرة على التعبير عن ذلك بأسلوب ادبي ، طريف ، فيه من الخصائص اللغوية والبيانية ومن الخيال ما يجعل ذلك الانتاج يؤثر ويحمل على التفكير ويأخذ باللب . بحيث ، يكون نسيج وحده . وبذلك ، يكتسي صفة البقاء والخلود . هذا هو الادب الذي يمتلك حساسية جديدة ونظرة مستطرفة وتقيما مستحدثا وتعبيرا طريفا عن احاسيس مختلفة . فالاديب من خلال تجربته الشخصية يعبر عن تجربة الناس وعن اشواقهم أو ربما يتنبأ بتطور وجدان الناس وحاجاتهم مستقبلا . هذا هو الادب . فالفرق بين مقال صحفى بسيط وبين مقال ادبي هو أن المقال الصحفى تقرؤه وتنساء ، لكن المقال الادبي يطبعك ويؤثر فيك ويحمل على التفكير ، وربما يثريك من حيث الوجدان والأحاسيس ..الخ ....

فالرئيس الحبيب بورقيبة اعتبره أديبا . ربما جيسكار ديستان هو أديب . أى اني لا اعرفه كما اعرف الرئيس الحبيب بورقيبة .

ان الرئيس الحبيب بورقيبة رأى انه من الاوكد التفرغ الى تحرير بلاده من وصمة الاستعمار . ولهذا فان الادب لا يتنعش فى تونس ولا تزدهر الثقافة الا اذا تحررت تونس وتثقف ابناؤها ثقافة قومية ، أصيلة ولهذا هو أديب ، ومفكر ، لكن كرس ملكته الأدبية والثقافية وملكته النفسية البشرية لايجاد مجتمع جديد ، حر ، متحرر ، أصيل من شانه ان يكون مناخا ملائما لآلاف الأدباء وآلاف المفكرين . هو من ناحية اخرى أديب أدرك قبل غيره بحساسيته وشفافية تفكيره واتساع خياله . أن وضع تونس في الحماية سيؤول الى زوال الأمة التونسية . وعلى هذا الأساس ، رأى - قبل الكتابة فى الشعر أو دراسة المتنبى أو غيره - أن يكرس كل طاقاته لتحرير تونس فهو استعمل السياسة لبلوغ هدف انسانى فكرى ، ادبي

وربما لو نشأ الحبيب بورقيبة فى تونس مستقلة وحرة ، كما ينشأ الآن اطفالنا وأبناء أبنائنا الى يوم أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين ، لأمكنه أن ينتج ادبا

فكل من ينشأ فى تونس ، سيجد البلاد التونسية حرة ، ويمكن للأدباء وللموهوبين أن يخلقوا وان ينتجوا شعرا أو قصة أو تفكيرا جديدا . وفي اعتقادى أن الحبيب بورقيبة أديب مثقف ، مفكر أعطى الأولوية لضرب من الكفاح الثقافي يهدف الى توفير الاسباب الحقيقية للاجيال القادمة والمفكرين فى تونس .

هذا التحليل يعطي ضوءا جديدا على جانب من جوانب عبقرية الرئيس ، لكن ، تفرغ الرئيس للسياسة لم يمنعه من أن يتذوق الادب . ولعلك تذكر انه - فى العدد الخاص من " الفكر " الذي أصدرناه فى اكتوبر 1973 حول عيد ميلاد الرئيس السبعين ونشرنا فيه قصائد كثيرة للتونسيين وغير التونسيين من البلدان العربية ، نشرنا ايضا محاضرة للرئيس حول الشعر ، عبر فيها السيد الرئيس عن رأيه فى الشعر والأوزان والبحور . فلو تفرغ الرئيس الى الادب - وموهبته واضحة فى ذلك - لانتج أشياء كثيرة رائعة ، اذ ليس هناك أى تناقض .

س : طبعا ، ليس هناك أى تناقض . فبدلا. من أن يكتب سيادة الرئيس ملحمة على الورق ، كتبها - بتعبير الاستاذ محمد مزالي ملحمة على صعيد الواقع الانسانى ؟

ج : هي قصيدة شامخة .

س : أبو القاسم الشابى يقول : إذا الشعب يوما أراد الحياة .

ج : لكن ، من جسم ارادة الشعب ومن وضع استراتيجية للكفاح ، ومن ظل فى السجن ، وفي غير السجن وكافح مدة 25 سنة حتى يجسم رؤية وصرخة أبى القاسم الشابى ؟ انه الاديب ، الاديب السياسي : الحبيب بورقيبة .

س : لقد ناضلتم في حقل التعريب طويلا . فما هى الخطوات المقبلة للتعريب فى تونس ، كيف ترونها ؟

ج : قلت في مجلس الامة وفي مناسبات كثيرة : إن التعريب يجب أو يبقي في اطاره البيداغوجى القومي . أى هو عملية تستجيب الى مطامحنا القومية ولا تتضارب مع ما نراه جميعا وما قررناه من ضرورة صبغ تعليمنا بالصبغة العصرية والعلمية والتكنولوجية ، حتى يتخرج شبابنا من المدارس وهو يعتز بلغته القومية ويمارسها ممارسة طبيعية من جهة اخرى ويكون حاذقا على الاقل لغتين اجنبيتين بهما يتصل مباشرة بكل المراجع العلمية والتكنلوجية ومن جهة ثالثة يكون محتوى التعليم محتوى علميا ، تقدميا يمكن الشباب من دخول عام 2000 من بابه الكبير . فهذا هو الهدف . فيما يخص الاجراءات تبقى اجراءات بيداغوجية . فنحن قررنا ان نعرب التعليم الابتدائى ونبقى اللغة الفرنسية كلغة . ولهذا ، يسير التعريب حسبما اتفقا عليه . أى نعرب المواد سنة بعد سنة . وقد وصلنا الآن الى السنة الخامسة وسيشمل هذا التعريب السنة السادسة . فنكون قد حققنا البرنامج المتفق عليه . وأقول لحضرات القراء : إن تعليم الفرنسية ابتدأ بعد كما كان مقراا في السنه الرابعة وهو الان في السنه الخامسة بحساب عشر ساعات فى الاسبوع . وسيتواصل فى السنة السادسة فالتعريب يسير سيرا هادئا ، طبيعيا . وغايتنا كما قلت هى رفع المستوى والتأكيد على اللغات وعلى العلم ، وجعل اللغة العربية محل النظر من طرف ابنائها ، على انها هي اللغة القومية ، فلا تذبذب ولا فرنكو عربية ولا تشتت .

س : هل من اضافة أستاذ محمد مزالي ؟

ج : وهكذا يسير اصلاح التعليم سيرا هادئا ، طبيعيا ، مبرمجا بتعاون مع كافة الزملاء المعلمين والمرشدين البيداغوجيين والمديرين والمتفقدين الذين هم جميعا أحرص الناس على ضمان المستوى وتنشئة ابنائنا تنشئة أصيلة وعلمية تؤهلهم الى أن يحيوا عصرهم ويساهموا في بناء مجتمعهم ، وان شاء الله يساهمون في خلق الحضارة الانسانية

1980/1/4

اشترك في نشرتنا البريدية