من أعلام النثر الفنى فى القرن الرابع الهجرى أبو حيان التوحيدى صاحب الامتاع والمؤانسة ( 1 ) ومن الكتاب المغمورين فى ذلك القرن أبو المطهر الأزدى صاحب حكاية أبي القاسم البغدادى ( 2 ) .
واذا كنا لا نملك دليلا صريحا على وجود علاقة ما بين هذين الكاتبين ، فقد أصبح بين أيدينا دليل على وجود علاقة بين الكتابين . ذلك أنى وقعت أخيرا على عدة صفحات مشتركة بين كل من الامتاع والمؤانسة وحكاية أبى القاسم البغدادى ، وعسى أن يكون لبحث هذه القضية بعض النتائج المعتبرة .
الصفحات المشتركة ( 3 )
موضوع هذه الصفحات هو تصوير الحياة الغنائية فى بغداد فى منتصف القرن الرابع من خلال تسجيل عدة حالات من الطرب اشتهرت عن أصحابها حتى غدت حالات نموذجية تضرب بها الامثال وتدور حولها الاحاديث ، مع اشارات عديدة عن المغنيين والقيان ونماذج من الاصوات الشائعة فى تلك الفترة .
أما أبو حيان فقد جعل هذه الصفحات فى مطلع الجزء الثالث من امتاعه ( وان وردت في الطبعة فى آخر الجزء الثاني ) ولا شك أنه أرادها استطرادا ظريفا
من باب ترويح النفس ومزج الجد بالهزل ، فقد توسطت هذه الصفحات عنده فقرتين دعائيتين توجه بهما الى ابى الوفاء المهندس ولاجله ألف أبو حيان الامتاع كما نعرف .
وقد تخلص أبو حيان الى هذا الاستطراد الطويل بهذه الصورة :
" أيها الشيخ ، وصل الله قولك بالصواب وفعلك بالتوفيق . . . وجعل تلذذك باصطناع المعروف . . . حتى تجد طعم الثناء ، وتطرب عليه طرب النشوان على بديع الغناء لا طرب البردانى على غناء علوة جارية ابن علوية فى درب السلق اذا رفعت عقيرتها فغنت بأبيات السروى ( 4 ) . . ولا طرب ابر فهم الصوفى على غناء نهاية جارية ابن المغنى اذا اندفعت بشدوها . .( 5 ) "
ثم يمضى على هذا المنوال ، معددا الأطراب ، مكررا فى كل حالة صيغة النفى هذه بحيث يصح أن نعد هذه العبارة " لا طرب . . على . . ." عاملا مشتركا الكامل القطعة باستثناء الفقرة الأخيرة التى نجد فيها احصاء لاهل الفن في الكرخ من قيان ومغنين وهواة
١ما أبو المطهر فقد أورد هذه الصفحات فى سياق افتخار بطله أبى القاسم بمغنيات بغداد وظرفهن فها هو يخاطب الاصفهانيين بقوله : ( 6 ) " ليت شعرى مع هذه الاحوال كيف كنتم تكونون لو عاشرتم ظراف بغداد وملوكها وسمعتم اغانى جواريهم المحسنات اللاتى يختلسن العقول ويخبلن القلوب ويسعرن الصدور ويعجلن بعشاقهن الى القبور ( 7 ) حتى ترى قهوة جارية ابن الرصافى تغنى . . . أو ترى صلفة جارية أبى عابد الكرخى( 8 ) . . . أو شاهدت طرب ابن الحريرى الشاهد على غناء بنت حسنون . . . " ويمضى هو الآخر على هذا المنوال حتى ينتهى مثل التوحيدى الى تلك الفقرة الاحصائية ؛ ولكنه يضيف - زيادة عن أبى حيان - جملة أخيرة جعلها كالخاتمة لهذه الصفحات ، اذ لخص
فيها رأيه فى حياة البغداديين : " هذا يا سيدنا دأبهم ، وهذه آدابهم ، وصف يعجبك ، وقصف يطربك ، ومعان تروقك ، وأغان تشوقك ، وأحوال توضح لك انهم والله فى جنان النعيم ومن سواهم فى سواء الجحيم . " ( 9 )
والحق أن هذه الصفحات - وان كانت هى هى فى كل من الامتاع والحكاية_ قد لا تتفق أحيانا اتفاقا تاما في النصين اذ نجد اختلافات فى بعض الالفاظ والعبارات أو حتى فى أسماء الاعلام كما أن هناك اختلافا في السياق ، فلسلسة الاطراب فى الامتاع لا تتقابل مع أختها فى الحكاية حلقة حلقة ، فخبر " طرب البردانى على غناء علوة جارية ابن علوية " مثلا هو الحلقة الاولى فى سلسلة الامتاع بينما يمثل الحلقة الثانية عشرة فى سلسلة الحكاية وهكذا . وأحيانا تضطرب الاسماء فتترك أمكنتها التى تحتلها فى أحد النصين لتحتل أمكنة أخرى فى النص الثانى . ولا شك أن للنساخ يدا فى اشاعة هذه الفوضى كما أن الطبعة الرديئة التى حظيت بها الحكاية لا تشجعنا على الاطمئنان الى روايتها . ولذلك فنحن أقوى ثقة بنص التوحيدى . أضف الى ذلك أن ابا حيان قد توجه بهذه القطعة الى أبى الوفاء المهندس وهو آنذاك مقيم فى بغداد وربما كانت له صلة ما ببعض الشخصيات المذكورة ، كما أن أبا الوفاء من المهتمين بالموسيقى فهو مؤلف " مختصر فى فن الايقاع " ( 10 ) وربما علم التوحيدى ميله الى الموسيقى واهتمامه بالحياة الغنائية فقصد الى هذا الاستطراد الغنائى قصدا؛ ولا شك أنه لكل هذه الاسباب سيسعى الى التثبت ما استطاع . ولنا على كل ذلك بعض القرائن ، منها :
* يقول التوحيدى بعد أن ذكر طرب أبى عبد الله البصرى المتكلم " بسبب هذا ونظائره ، عابه الواسطى ، وقدح فى دينه ، وألصق به الريبة، واستحل فى عرضه الغيبة ، ولقبه بالمنفر عن المذهب وقاطع الطريق على المسترشد . " ( 11 )
وكان سبق له أن قال في الجزء الاول معرفا بأبى عبد الله الجعل وهو صاحبنا هذا : " أما يقينه فكان ضعيفا . . ولهذا رغب عنه الواسطى - وكان أخا ورع ودين - وقال : هذا منفر عن الدين والمذهب ودافع للناس عن القول بالحق . . . وكان يجهر بهذا واشباهه . " ( 12 )
أما أبو المطهر الازدى فقد أورد انتقاد الواسطى بحذافيره عند حديثه عن طرب ابن الوراق النحوى ! ( 13 )
* * يقول التوحيدى فى نهاية هذه القطعة وقبل الفقرة الاحصائية الاخيرة :
" عهدى بهذا الحديث سنة ستين وثلاثمائة " ( 14 )
بينما نجد فى حكاية الأزدى بهذا الحديث سنة ست وثلاثمائة ( 15 ) فأى القولين نرجح ؟
ان قليلا من التأمل يؤدى بنا حتما الى تصويب نص الامتاع . ففضلا عن أن تاريخ 360 هـ يوافق خطوط حياة أبى حيان فانه يوافق كذلك خطوط حياة الاشخاص المذكورين فى هذه الصفحات ، أما إذا أخذنا بتاريخ 306 هـ فسنجد أن بعض هؤلاء الاشخاص لم يولدوا بعد فى تلك الفترة فضلا عن أن يكونوا من أهل الطرب . فمن الجلى أنه قد وقع خطأ من الناسخ ؛ ونحن نعجب كيف قبل زكى مبارك هذا التاريخ الوارد في حكاية أبى القاسم دون تثبت مما جعله يبنى عليه آراء خاطئة كقوله عن أبى المطهر صاحب الحكاية : " والظاهر أنه ولد فى الربع الاخير من القرن الثالث فقد كان فى سنة 306 من الفتيان الماجنين ". وكقوله : " فحكاية أبى القاسم البغدادى وضعت بلا ريب فى أواسط القرن الرابع . " ( 16 )
ولا شك أن بلاشير ومسنو كانا أكثر توفيقا حين قالا ان الأزدى ينتهى الى نهاية القرن الرابع أو بداية الخامس . ( 17 ) ومهما يكن من أمر فان الانتباه الى تشابه هاته الصفحات فى كل من الامتاع والحكاية يمكننا من تصويب أحد النصين بالاستعانة بالنص الآخر ، ولا شك أن الحكاية هي المستفيدة الاولى من مثل هذا العمل ، غير أن ذلك لا يعنى أننا نثق فى نص الامتاع ثقة عمياء بل ربما لاحظنا فيه هو الآخر بعض الخلط ، وليس ذلك عجيبا ما دام أبو حيان قد سمع هذا الحديث سنة 360 هـ بينما هو ألف الامتاع سنة 374 هـ .
لمن هذه الصفحات ؟
ان صدقنا المؤلفين كليهما فانهما يكونان سمعا هذا الحديث معا سنة 360 هـ ولكن الامر المحير هو أننا نجد عند كليهما تلك الفقرة الاخيرة المتعلقة باحصاء القيان والمغنين فى الكرخ رغم أنها لا تدخل - حسب الظاهر - ضمن الحديث الذي سمعاه . فلا بد أن أحدهما قد نقلها عن صاحبه . فهل نقل التوحيدى عن الحكاية ؟ ( وبذلك تكون الحكاية ألفت قبل الامتاع ) أم هل الأزدى هو الذى نقل عن أبى حيان ؟ ( 18 ) ( وبذلك يكون الامتاع قد ذاع فى القرن الرابع رغم حرص التوحيدى على كتمانه ) أم نقلا معا عن ثالث ؟ لا شك أن الافتراضات تكثر وتتشعب فى مثل هذه المسألة ( 19 ) ولكننا على كل حال متأكدون من أن أصل هذه الصفحات حديث سمع سنة 360 ، وأن نصين حفظا لنا هذا الحديث وللافتراض بعد ذلك مجال -
القيمة الوثائقية لهذه الصفحات :
تعتبر هذه الصفحات وثيقة هامة عن الحياة الغنائية في بغداد في منتصف القرن الرابع ، ويمكن أن نعدها من بعض الجوانب تكملة لكتاب الاغانى الكبير
( 20 ) اذ هى تذكر لنا أسماء كثير من المغنيين والقيان ومشاهير أهل الطرب كما تدلنا على الاغاني الرائجة وتأثيرها فى السامعين ، وهي تتضمن وصفا لمجالس الغناء المنعقدة في أحياء بغداد ودروبها ، وتصويرا رائعا للمناخ الفنى والعاطفى والفكرى السائد فى هذه المجالس التى يمكن وصفها بأنها مجالس شعبية تصدح فيها القيان ويترنم المغنون في جو من الحرية والانطلاق بعيدا عن احتكار البلاطات ودسائس القصور
نجد فى هذه الوثيقة ( 21 ) عدة معلومات عن مطربات تلك الفترة ؛ من ذلك أن منهن من كانت لها أصوات معروفة بها ( 22 ) ، كما أن منهن من لها اسم فنى تشتهر به كالحال فى أيامنا هذه ( 23 )، وربما كان لبعضهن مواسم فنية لا يغنين للشعب الا فيها مثل درة جازية أبى بكر الجراحى التى لا تقعد فى السنة الا فى رجب ( 24 ) ، كما يسترعى انتباهنا ذكر قينة باسم ترف الصابئة ( 25 ) وجمع احدى القيان بين الغناء والنواح ( 26 ) . وكان حديث القيان زاد المجالس فهذه صبابة " لم يكن للناس غير حديثها لنوادرها وحاضر جوابها وحدة مزاجها ٠٠ " ( 27 ) وهذه قنوة البصرية ( 28 ) ، جارة ابن حجاج شاعر السخف
وعشيقته " وله معها احاديث ، ومع زوجها أعاجيب ، وهناك مكايدات ومعايرات وافشاء نكات . " .
وأما بخصوص المغنيين فاهم ما نلاحظه بشأنهم هو ارتباط الغناء عندهم . بالتخنث مما يجعلنا نلمح نوعا من الردة الى التقاليد الحجازية . وتمثل الاصوات المذكورة مختارات طريفة من الشعر الغنائى الرقيق . كما تكتسى هذه الصفحات قيمة اصطلاحية لا تنكر ( 29 ) . ويجب ألا ننسى طرافة ذلك الكشف الاحصائى الذى ورد في نهاية هذه الصفحات ، فقد ورد فى الامتاع : " وقد أحصينا - ونحن جماعة فى الكرخ - أربعمائة وستين جارية فى الجانبين ومائة وعشرين حرة ، وخمسة وتسعين من الصبيان البدور ، يجمعون بين الحذق والحسن والظرف والعشرة ؛ هذا سوى من كنا لا نظفر به ولا نصل اليه لعزته وحرسه ورقبائه ، وسوى ما كنا نسمعه ممن لا يتظاهر بالغناء وبالضرب الا اذا نشط ٠٠٠ " ( 30 )
نكتفى من هذه الفقرة بابراز ظاهرة الحرائر المغنيات
ما هو يا ترى سبب هذا التحرر الاجتماعى الفنى ؟ هل هو تقدير المجتمع الاسلامى فى بغداد للفن بلغ الى حد اجازته للحرائر بعد أن كان مقصورا على القيان ؟ أم هو حسد الحرائر للقيان دفعهن الى محاربتهن بنفس السلاح الذى استعبدن بواسطته الرجال ، أعنى سلاح الظرف والغناء ؟ مهما كان السبب الحقيقى فلا شك أن سبق أميرة عباسية شهيرة هي علية بنت المهدى الى الغناء ، واشتهارها به قد مهدا الطريق لبروز هذه الظاهرة على هذه الصورة من الشيوع ( رغم وجود بون شاسع بين الرقمين فى كل من الامتاع والحكاية ) . وان كنا
لا نشك أيضا فى أن هؤلاء الحرائر قد جاهدن - لافتكاك حقهن المشروع فى ممارسة الغناء والموسيقى - جهادا قاسيا ، وتعرضن لشتى صنوف العداء فرغم أننا لا نجد فى هذه الصفحات أى اشارة الى معاداة الفقهاء العراقيين التقليدية للغناء وأهله ، فاننا نحس من خلالها بوطأة ذلك التيار العدائى على النفوس . وربما أمكن فهم ظاهرة الحرائر المغنيات على أنها لون من ألوان التمرد على نظم المجتمع الاسلامى المحافظ . كما أن تنكر أبى طاهر بن المقنعنى المعدل للشهادة ، تلك الوظيفة الشرعية الخطيرة ، تنكرا وصل به الى حد لعنها والمجاهرة بتفضيل حياة الطرب والمجون عليها ( 31 ) لون آخر من ألوان ذلك التمرد ، ولعل الكبت بأصنافه ، والشعور بالاختناق فى مجتمع محافظ
بالاضافة الى هذا التحرج الدينى الذى سببه التيار الفقهى المعادى للغناء من ناحية ، وتلك الفوضى الاجتماعية والسياسية من ناحية اخرى ( 32 ) ، لعل كل ذلك يفسر ما نلاحظه فى هذه الصفحات من تفجر للحساسية الاجتماعية فى مجالس الطرب ؛ اذ ما عسانا نقول ونحن نقرأ أن ابن فهم الصوفى اذا طرب " ضرب بنفسه الارض ، وتمرغ فى التراب ، وهاج ، وأزبد ، وتعفر شعره " بل أكثر من ذلك " فانه يعض بنابه ، ويخمش بظفره ، ويركل برجله ، ويخرق المرقعة قطعة قطعة ، ويلطم وجهه ألف لطمة " ( 33 ) أو ان ابن غيلان البزاز اذا طرب " انقلبت حماليق عينيه ، وسقط مغشيا عليه ( 34 ) " الخ . . . ما عسانا نقول سوى أن تفجرا قد حدث فى الحساسية الاجتماعية ( 35 ) ، وأن مجلس الطرب قد هيأ له أسباب الظهور ( 36 ) ، وأن هذه الوثيقة شاهد قوى على كل ذلك .
وفى الختام ، ربما مثلت هذه الصفحات بالنسبة لابى حيان - وهو الذى لم يملك فى حياته جارية كالجوارى بله قينة من القيان - نوعا من التنفس والتعويض عن واقعه وحياته ، واقع الجد والخصاصة وحياة الكبت والحرمان
القيمة الأدبية لهذه الصفحات :
ان خاصية هذه الصفحات هى الاقتضاب والايجاز ، ولكنها مشحونة بطاقة قوية من الايحاء ، وقدرة بالغة على التصوير ، وهى لذلك تكتسى من الوجهة الادبية قيمة كبرى تبرز فى عدة نواح اذ أن طرافتها مزدوجة : طرافة فى الشكل ، وطرافة فى المضمون .
فنحن نجد فيها شكلا أدبيا طريفا ، هو تلك السلسلة من الاطراب ، فى كل حلقة من حلقاتها ذكر لطرب أحد الاشخاص على غناء أحد المغنين أو احدى القيان لصوت من الاصوات ، وتعليق على ذلك الطرب ، وأحيانا ذكر لبعض الاخبار المتعلقة بذلك الشخص أو بالمعنى أو بالشاعر صاحب الاغنية .
كما أن مادة هذه الصفحات مشتقة هى الاخرى من ظاهرة الطرب ، ويتمثل موضع الطرافة منها فى طريقة معالجتها للموضوع . فنحن نلمح نوعا من السخرية من هذه الحياة الغنائية ( 37 ) يتجلى فى التصوير الكاريكاتورى للقضاة والمعدلين والصوفية وغيرهم وهم متخمرون بنشوة الطرب ( 38 ) ؛ ولكننا نلمح
كذلك صبغة المأساة تسرى فى هذا الطرب العنيف الذي توصلت هذه الصفحات عن طريق نظرية العدوى ( 39 ) الى ابرازه كظاهرة بشرية عامة .
والحق أننا لا نكاد نطمئن الى رأى ثابت بخصوص مقاصد صاحب هذه الصفحات ، فهل قصد الى التهكم من الطرب والطربين ؟ أم تعمق مفهوم الطرب وسبر أعماق هذه الظاهرة الفنية الاجتماعية مكتشفا فيها ضربا من ضروب المأساة البشرية ؟ ان القارىء يبقى مذبذبا بين هذين الانطباعين المتناقضين فهو تارة يمتلىء سخرية من هذا الطرب الرخيص ومن هذه القابلية العجيبة للانفعال المشط ؛ وهو تارة اخرى ينسجم مع هؤلاء الطربين فى هذا الجو المشبع بالطرب والمأساة فاذا الطرب طربه والمأساة مأساته . ولعل حيرتنا فى فهم هذه الصفحات وترددنا فى تأويلها سبب من أهم أسباب روعتها . وربما كانت صبغتها المحلية سببا آخر لهذه الروعة . فهذه أحياء بغداد ودروبها وأسواقها ودكاكينها مائلة أمام أعيننا ، وهؤلاء قضاتها وعدولها وزهادها وتجارها وقيانها و مغنوها يملؤون الدروب والاسواق غناء وطربا وحياة ( 40 ) . حتى
ليحق القول عن هذه الصفحات انها عبارة عن أغنية متحددة الالحان وصورة متعددة الالوان . فانها اذا مالت مثلا الى تصوير الجانب المأساوى من حياة القيان ، ونكتفى من ذلك بالاشارة الى نقطتين :
أ ) احساس القينة بالغربة وشعورها بالسأم ( 41 )
ب ) كمدها وربما هلاكها من جراء حب مستحيل ( 42 ) فقد عمدت بخصوص المغنين الى التركيز على اللون الماجن من سلوكهم ، وقدمت لنا - لتجسيم شخصية المغني المخنث - نموذجين طريفين ، احدهما " هذا الصبى الموصلى النابغ الذي قد فتن الناس وملأ الدنيا عيارة وخسارة ، وافتضح به أصحاب النسك والوقار ، وأصناف الناس من الصغار والكبار ، بوجهه الحسن ، وثغره المبتسم ، وحديثه الساحر ، وطرفه الفاتر ، وقده المديد ، ولفظه الحلو ، ودله الخلوب ، وتمنعه المطمع ، واطماعه الممنع ، وتشكيكه فى الوصل والهجر ، وخلطه الاباء بالاجابة ، ووقوفه بين لا ونعم . . . " ( 43 وثانيهما هو علوان غلاء ابن عرس فانه اذا حضر ألقى ازاره ، وحل أزراره ، وقال لأهل المجلس اقترحوا واستفتحوا فانى ولدكم ، بل عبدكم لاخدمكم بغنائى ، وأتقرب اليكم بولائى ، وأساعدكم على رخصى وغلائى ؛ من أرادنى مرة اردته مرات ، ومن أحبنى رياء أحببته اخلاصا ، ومن بلغ بى بلغت به ؛ لم ابخل عليكم بحسنى وظرفى ، ولم أنفس بهما عليكم ، وانما خلقت لكم . . . " ( 44 ) انه اذا كان الجاحظ في رسالة القيان والوشاء فى كتابه الموشى قد صورا أبلغ تصوير
اغراء القينة ، وتمثيلها المحكم لدور العشق والهيام سعيا منها لربط عشاقها ، فان هذه الصفحات قد صورت أبلغ تصوير اغراء المغنى المخنث ، وتمثيله لدور الفتى الطيع الذي يضع مواهبه ومحاسنه فى خدمة المعجبين كي يتم له استبعادهم وابتزاز أموالهم وهداياهم ؛ كما صورت لنا أحد المربوطين ، أبا طاهر بن المقنع المعدل ، جاعلة منه نموذجا حيا لهذه الطائفة فى القرن الرابع .
قضية العباس بن الأحنف :
نختم بابراز مظهر طريف من مظاهر الحياة الغنائية فى المجتمع العربى الاسلامى فى تلك الفترة ، تناولته هذه الصفحات ، وجسمته قضية العباس بن الأحنف ، وهى تتمثل فى شعر غنائى للعباس يبين رأيه فى العشق وموقف المعتزلة من هذا الشعر الغنائى .
أما نص الامتاع فيذكر أن الزهرى يطرب على خلوب اذا غنت :
إذا أردت سلوا كان ناصركم قلبى وما أنا منكم بمنتصر
فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم فكل ذلك محمول على القدر
وضعت خدى لأدنى من يطيف بكم حتى احتقرت وما مثلى بمحتقر
ثم يضيف " أبو عبد الله المرزبانى شيخنا اذا سمع هذا جن واستغاث ، وشق الحيب وحوقل وقال : يا قوم ! أما درون الى العباس بن الأحنف ، ما يكفيه أن يفجر حتى يكفر ؟ متى كانت القبائح والفضائح والعيوب والذنوب محمولة على القدر ؟ ومتى قدر الله هذه الأشياء وقد نهى عنها ، ولو قدرها كان قد رضي بها ، ولو رضى بها لما عاقب عليها ؛ لعن الله الغزل اذا شيب بمجانة والمجانة اذا قرنت بما يقدح فى الديانة . ( 45 ) "
وأما نص الحكاية فينسب هذه الثورة على رأي العباس فى العشق والقدر الى الواسطى : " وقد رأيت أنا هذا الواسطى وقد حضر بعض الاربطة وسمع من غنى بقول العباس بن الأحنف :
فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم وكل ذلك محمول على القدر
فجن واستغاث ، وشق الجيب ، وحوقل واستغفر وقال : يا قوم ! أما ترون الى العباس بن الأحنف ، لا يكفيه أن يجن حتى يكفر ؟ متى كانت الفضائح والذنوب والعيوب محمولة على القدر الخ . . . " ( 46 )
ولكن الامر المهم هو أن هذا الموقف الفكرى من رأى العباس هو موقف المعتزلة ، وان باعث الشرارة الاولى لهذه الثورة ضده انما هو عدوه اللدود المعتزلى أبو الهذيل بن العلاف ، فقد كان ويلعنه لقوله :
إذا أردت سلوا ٠٠ فأكثروا أو أقلوا ٠٠ . . . ويقول : يعتقد الكذب والفجور فى شعره . " ( 47)
وبذلك تكون أجيال المعتزلة قد تناقلت موقف أبى الهذيل ، ويقيت وفية له ، متحمسة فى الدفاع عنه .
ولا شك أن مجلس الغناء يتجلى من خلال هذا الخبر بنصوصه الثلاثة ذا صبغة فكرية خطيرة ( 48 ) فى المجتمع الاسلامى . فالغناء - فضلا عن أهميتة كموضوع نشأت حوله ثروة فكرية واسعة ( 49 ) - قد كان يكتسي أهمية من نوع آخر ، باعتباره وسيلة فعالة لنشر الآراء والمذاهب كما هو الحال بالنسبة لاذاعة الغناء رأى العباس فى العشق مما جعل المعتزلة يستشيطون غيظا وينبرون لدحضه ، ويلصقون بصاحبه أشنع التهم .

