الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1 الرجوع إلى "الفكر"

بين الباب والخلق

Share

رياح طفيفة تدفع برفق قوارب الغيوم المبحرة بعد التلبد نحو التلاشى قوارب كنت فى الصغر أقف مشنوقة البصر اليها ابتلع وقتا لا يستهان به كي أرقبها الى أين تذهب ، وأتأمل ابحارها فى المدى الرحب أمنيتى أن أرحل معها ، تحملنى إلى آخر الدنيا خلف الهضاب . وفي الكبر الآن أحن الى سذاجتى والصغر وأمنيتى أن تبحر بى الى الوراء ، تشق متجمد السنين الميتة خلفى لأعود الى منطلقى الساذج . وبين صغرى والكبر مساحة من الأيام عريضة ابحرت لحظاتها كقوارب تلك الغيوم ، وحولت سذاجتى الى جد أفقدني طعم السعادة ، الى فكر مأساته التفكير والتأمل ، البحث والتحسس والمقارنة بين كل ما يتضارب من الاضداد في مجتمعه الانسانى الحالى ، فى عالمه المتربع على فم بركان من التعفن ، مأساته المقارنة بين الفقر والغنى ، والظلم والعدالة والباطل والحق ، والصدق والكذب ، وبين الفضيلة والرذيلة . وهمه البحث عن ميزان يثقل فيه الاقوم والانفع للانسان من كل هذه الاضداد . لكنه مهشم الارادة تحت صفعات الواقع مثخن بجراح العجز يستوطنه القنوط ، يقف في مسارب بحثه المحدودة أمام الكارثة الكبرى هى أنعدام الاقوم والانفع في هذا المجتمع ، بل انعدام الميزان أصلا فكرة وتطبيقا . هذا الفكر يطمح الى جمع المجتمع الانسانى فى كف واحدة ينعم التمييز فيها ، والفقر والحهل والتخلف تنعدم الانانية . فيه الانسان يعيش متساوى الحقوق فى العيش ، فى الكرامة فى الحرية . . .

كف مطهرة من كل سبب يدمر حياة الانسان معنويا وماديا ، سبب دنيوى أو ديني ، يشنق الفكر فى مشنقة الاغراض المهترئة المبادئ ، النخرة القيم ، ويخنق صوت الرأى ثم يستعبد الانفس والاجساد . في هذه الكف يكسب الانسان فعلا حقوقه الحياتية الانسانية ، وفعلا يحيا مترفه العيش سعيدا .

الثلج أرسى فى رحلته الى قريتى على قمم الهضاب كالعهن المنفوش ، واتكأ ليستريح فوق أغصان الصنوبر ، وامتد لينام أياما على الطرقات ضيفا ، بزرع السكون الجميل عند الغروب حيث يلتقط حس التوازن - تلك المؤثرات ، يوزعها على الخلايا ، تدفعها بدورها الى انسجة المخ ، يقيمها ثم يدفعها شحنة من الانفعالات كرد فعل

يضيق بتلك الشحنة صدرى حد الانفجار ، أحس بنفس يخنقنى ، مجموعة من الافكار خلف قفص الجمجمة تبحث عن منطلق ، مجموعة من الصور تزدحم فى أفق خيالى ، مجموعة من المعانى والالفاظ تريد الاستقرار فى شكل ما ، تريد أن تلتحم فى موضوع ما ، حتى تصبح بناء فكريا

الضيوف فى الداخل ، والمطبخ ينتظرني لاعداد العشاء ، حركة آلية من البداية الى النهاية ، ثم الأوانى يجب أن تغسل وتستقر فى أمكنتها والبيت ينسق من جديد ، والشاى للمسامرة و . . وتأتى ساعة النوم لتكديس الاغطية على كل سرير ، وفي النهاية ارهاق يجرنى الى النوم ، وتلك الشحنة فى الصدر تكبت . وفى الغد تتلاشى ، تتشتت مع ذرات الجهد والحركة الى أن تضمحل .

الفترة أيام اخرى من الزمن فيها يتهافت المطر رذاذا يتخلله الانقطاع ، الناس فى حركة ساكنة ، والصمت ، الصمت يتكلم على قمم الهضاب ، يحكى قصة الوافدين على القرية من المجهول ، والغادين منها اليه ، يحكى قصة الازل ، قصة الاجيال المتكسرة حول تلك الهضاب ، والعصور المندثرة فى دوامة التعاقب .

فكرى فى الطبيعة المغيمة يعيد الرحيل الى كهوف الغموض ليدققق البحث في حقائق الاشياء حوله ، حقيقة الكون والانسان ، الكون والبدء والفناء ، الانسان والبعث ، الانسان والعدم والزمن ، والعجز أمام القوة التى صنعته وأختارت له الزمان والمكان والمصير . فكرى يعيد التحرك في السكون لبعث الفكرة وصنع الكلمة بعيدا عن الضوضاء . يمزق وميضه الضباب ليتحسس الاشياء خلفه ضباب الطبيعة وضباب حيرته

والطقس مغيم . أحن الى الموسيقى ، عالم غير ملموس كتلك الغيوم ، أحن

الى اللحن الشعبى ، أعبد الارتحال على أجنحته باحساسي عبر امتداد الخيال الى الوراء ، فى أبعاد ذلك اللحن المحمول على محفة الاجيال ينبش احساسي غبار السنين حتى يصل منبعه المتفجر من قصص حملها الانسان فى القديم ، قصص مشحونة بالمآسى والحرمان أحيانا ، وبالسعادة حينا . ولكنها تصبح مأساة فى احساسى عندما يندثر حاملوها نحو الفناء ، ويبقى اللحن يجاهد الزمن كى يمدها بطول العمر وما للزمن غالب ، والطقس مغيم . أجعل من البيت رائع التنسيق والترتيب ، طيب الرائحة ، نظيفا ، يغمره الدفء حتى لا يبقى حولى نشاز ينزلنى عندما يركب الفكر مركبة الابداع ، ويشرع فى الخلق

الباب يدق ، دقاته توقظنى من غيبوبة التفكير ، تخرجني من عالم الابداع تزعق فى رأسى ، تشتت الافكار فيه ، تمزق الصور فى أفق خيالى ، تقلقنى تغضبني . . . أرمي بالقلم وأنهض ، مفتاح الجيران عندى يسترجعونه ، أجمع الافكار من جديد ، لأتمم عملية الخلق . الباب من جديد يضرب ، تلاميذ المدرسة قد خرجوا يتصايحون كالخرفان ، يضرب بعضهم بعضا ، وبعضها يسقط على الباب افزع ، أتشتت أنزعج ، ثم أنتظر حتى تهدأ تلك الزوبعة ويهدأ اضطرابى . ومن جديد أجمع أفكارى لأتمم العملية ، فى هذه المرة الباب بطرق طرقا شديدا ، يزعجنى أتوتر ، أهرع اليه ، أفتح مسرعة فى الحركة شحاذ ، أغضب ، أغتاظ لكننى أمام شيخ هرم . غضب عنه قبلى القدر حين البسه الحياة وهو شبه المعدوم فيها ، وقذر الاطراف ، قذر الملابس ممزقها كأنه خرج بعضا من معركة جمعت بينه وبين الكلاب . سألته ، فاستنتجت أنه أخرس وأصم ، معاق شحاذ قذر فقير جائع ممزق الثياب ، ينتعل التراب صيفا وشتاء أهذه حياة ؟ تحملها نفس بشرية ، يحملها احساس انسانى مظلمة أراد القدر أن يتسلى بها فأنزلها برمتها على رأس ذلك الشيخ ، نطلب العدل والمساواة بين الناس من أهل الارض فكيف ؟ ورب السماء أحيانا غير عادل . أستغفر اليه ان خرج بي احساسى بالالم ، وشعورى بالعجز أمام هذا المأساة عن حدود ايمانى .

أعود الى مكانى وقد اثقلتني شحنة أخرى من الالم المزمجر فى زوايا النفس الى حد الكفر ، شحنة تعزز الفكر فى عملية الخلق وتمده بالمعاني والصور وتزرع فى فضائه الافكار والالفاظ ، وأخرج من عالمى من حياتى ، لاكتب لكن الباب من جديد يطرق ومع الطرق حديث وضحك ، بعض قريباتى جئن لزيارتى أفرح فأنسى ألمى وأبتسم ، أسأل وأسلم ، أرحب وأنا منشطره بين فراق

الكلمة ولقاء الأهل ، لكن قريتى والاهل حتى وان اخرجانى من الجنة فأنا بهما دائما سعيدة أجمع أوراقى وأرمى بها فى المكتبة لأقدم ما يجب على أن أقدم وأتفرغ للحديث معهن

مشاكل أعيشها ، مشاكل يعيشها من حولى فى بيئتى ، مشاكل اجتماعية حياتية انسانية تدخل احساسى تجبرنى على الالتزام بها ، تدفعنى إلى معالجتها بالفكر بالقلم والكلمة ، أنبه ذلك الفكر والاعصاب بالمنبهات وأستعد لتحليلها ، آكل أكلا خفيفا ، أرتب كل شئ حول كعادتى . وأبدأ فى صنع بعض الكلمات ، لكن سيارة فخمة الطراز تقف أمام باب المنزل ، ضيوف من بلد بعيد ، من قطر مجاور واجبى أن أضع كل جهدى فى حالة استعداد لخدمتهم ، والسهر على راحتهم ، حتى نهاية الزيارة . أعود الى تلك المشاكل وقلمي والكلمة ، لكنني مرهقة لا استطيع ، وان اجتهدت فى التفكير أشم رائحة اعصابي تحترق ، أحس بصداع يمزق شرايين راسى ، وتتصاعد ضربات قلبى فتهدمنى نحو الانهيار ، ويسقط اصرارى أخيرا فى هوة الفشل ، وأستسلم ، لكن عندما أسترجع شيئا من عافيتى أعود الى قلمى والكلمة أسرق الوقت من بيئتى وأكتب ، أسرقه من نومى وأكتب ، من لحظات الترفيه فى حياتى وأكتب ، من رائحة أعصابي المحترقة وأكتب ، من غلبان دمائى وأكتب : وذلك الدم أجعله مدادى وأكتب ، وأستعين بأزدراد القهوة والأقراص وأكتب ، ولا أبالى بانهاك مادة الجسد ، فى سبيل الفكر ، فى سبيل الكلمة والخلق .

اشترك في نشرتنا البريدية