رياح طفيفة تدفع برفق قوارب الغيوم المبحرة بعد التلبد نحو التلاشى قوارب كنت فى الصغر أقف مشنوقة البصر اليها ابتلع وقتا لا يستهان به كي أرقبها الى أين تذهب ، وأتأمل ابحارها فى المدى الرحب أمنيتى أن أرحل معها ، تحملنى إلى آخر الدنيا خلف الهضاب . وفي الكبر الآن أحن الى سذاجتى والصغر وأمنيتى أن تبحر بى الى الوراء ، تشق متجمد السنين الميتة خلفى لأعود الى منطلقى الساذج . وبين صغرى والكبر مساحة من الأيام عريضة ابحرت لحظاتها كقوارب تلك الغيوم ، وحولت سذاجتى الى جد أفقدني طعم السعادة ، الى فكر مأساته التفكير والتأمل ، البحث والتحسس والمقارنة بين كل ما يتضارب من الاضداد في مجتمعه الانسانى الحالى ، فى عالمه المتربع على فم بركان من التعفن ، مأساته المقارنة بين الفقر والغنى ، والظلم والعدالة والباطل والحق ، والصدق والكذب ، وبين الفضيلة والرذيلة . وهمه البحث عن ميزان يثقل فيه الاقوم والانفع للانسان من كل هذه الاضداد . لكنه مهشم الارادة تحت صفعات الواقع مثخن بجراح العجز يستوطنه القنوط ، يقف في مسارب بحثه المحدودة أمام الكارثة الكبرى هى أنعدام الاقوم والانفع في هذا المجتمع ، بل انعدام الميزان أصلا فكرة وتطبيقا . هذا الفكر يطمح الى جمع المجتمع الانسانى فى كف واحدة ينعم التمييز فيها ، والفقر والحهل والتخلف تنعدم الانانية . فيه الانسان يعيش متساوى الحقوق فى العيش ، فى الكرامة فى الحرية . . .
كف مطهرة من كل سبب يدمر حياة الانسان معنويا وماديا ، سبب دنيوى أو ديني ، يشنق الفكر فى مشنقة الاغراض المهترئة المبادئ ، النخرة القيم ، ويخنق صوت الرأى ثم يستعبد الانفس والاجساد . في هذه الكف يكسب الانسان فعلا حقوقه الحياتية الانسانية ، وفعلا يحيا مترفه العيش سعيدا .
الثلج أرسى فى رحلته الى قريتى على قمم الهضاب كالعهن المنفوش ، واتكأ ليستريح فوق أغصان الصنوبر ، وامتد لينام أياما على الطرقات ضيفا ، بزرع السكون الجميل عند الغروب حيث يلتقط حس التوازن - تلك المؤثرات ، يوزعها على الخلايا ، تدفعها بدورها الى انسجة المخ ، يقيمها ثم يدفعها شحنة من الانفعالات كرد فعل
يضيق بتلك الشحنة صدرى حد الانفجار ، أحس بنفس يخنقنى ، مجموعة من الافكار خلف قفص الجمجمة تبحث عن منطلق ، مجموعة من الصور تزدحم فى أفق خيالى ، مجموعة من المعانى والالفاظ تريد الاستقرار فى شكل ما ، تريد أن تلتحم فى موضوع ما ، حتى تصبح بناء فكريا
الضيوف فى الداخل ، والمطبخ ينتظرني لاعداد العشاء ، حركة آلية من البداية الى النهاية ، ثم الأوانى يجب أن تغسل وتستقر فى أمكنتها والبيت ينسق من جديد ، والشاى للمسامرة و . . وتأتى ساعة النوم لتكديس الاغطية على كل سرير ، وفي النهاية ارهاق يجرنى الى النوم ، وتلك الشحنة فى الصدر تكبت . وفى الغد تتلاشى ، تتشتت مع ذرات الجهد والحركة الى أن تضمحل .
الفترة أيام اخرى من الزمن فيها يتهافت المطر رذاذا يتخلله الانقطاع ، الناس فى حركة ساكنة ، والصمت ، الصمت يتكلم على قمم الهضاب ، يحكى قصة الوافدين على القرية من المجهول ، والغادين منها اليه ، يحكى قصة الازل ، قصة الاجيال المتكسرة حول تلك الهضاب ، والعصور المندثرة فى دوامة التعاقب .
فكرى فى الطبيعة المغيمة يعيد الرحيل الى كهوف الغموض ليدققق البحث في حقائق الاشياء حوله ، حقيقة الكون والانسان ، الكون والبدء والفناء ، الانسان والبعث ، الانسان والعدم والزمن ، والعجز أمام القوة التى صنعته وأختارت له الزمان والمكان والمصير . فكرى يعيد التحرك في السكون لبعث الفكرة وصنع الكلمة بعيدا عن الضوضاء . يمزق وميضه الضباب ليتحسس الاشياء خلفه ضباب الطبيعة وضباب حيرته
والطقس مغيم . أحن الى الموسيقى ، عالم غير ملموس كتلك الغيوم ، أحن
الى اللحن الشعبى ، أعبد الارتحال على أجنحته باحساسي عبر امتداد الخيال الى الوراء ، فى أبعاد ذلك اللحن المحمول على محفة الاجيال ينبش احساسي غبار السنين حتى يصل منبعه المتفجر من قصص حملها الانسان فى القديم ، قصص مشحونة بالمآسى والحرمان أحيانا ، وبالسعادة حينا . ولكنها تصبح مأساة فى احساسى عندما يندثر حاملوها نحو الفناء ، ويبقى اللحن يجاهد الزمن كى يمدها بطول العمر وما للزمن غالب ، والطقس مغيم . أجعل من البيت رائع التنسيق والترتيب ، طيب الرائحة ، نظيفا ، يغمره الدفء حتى لا يبقى حولى نشاز ينزلنى عندما يركب الفكر مركبة الابداع ، ويشرع فى الخلق
الباب يدق ، دقاته توقظنى من غيبوبة التفكير ، تخرجني من عالم الابداع تزعق فى رأسى ، تشتت الافكار فيه ، تمزق الصور فى أفق خيالى ، تقلقنى تغضبني . . . أرمي بالقلم وأنهض ، مفتاح الجيران عندى يسترجعونه ، أجمع الافكار من جديد ، لأتمم عملية الخلق . الباب من جديد يضرب ، تلاميذ المدرسة قد خرجوا يتصايحون كالخرفان ، يضرب بعضهم بعضا ، وبعضها يسقط على الباب افزع ، أتشتت أنزعج ، ثم أنتظر حتى تهدأ تلك الزوبعة ويهدأ اضطرابى . ومن جديد أجمع أفكارى لأتمم العملية ، فى هذه المرة الباب بطرق طرقا شديدا ، يزعجنى أتوتر ، أهرع اليه ، أفتح مسرعة فى الحركة شحاذ ، أغضب ، أغتاظ لكننى أمام شيخ هرم . غضب عنه قبلى القدر حين البسه الحياة وهو شبه المعدوم فيها ، وقذر الاطراف ، قذر الملابس ممزقها كأنه خرج بعضا من معركة جمعت بينه وبين الكلاب . سألته ، فاستنتجت أنه أخرس وأصم ، معاق شحاذ قذر فقير جائع ممزق الثياب ، ينتعل التراب صيفا وشتاء أهذه حياة ؟ تحملها نفس بشرية ، يحملها احساس انسانى مظلمة أراد القدر أن يتسلى بها فأنزلها برمتها على رأس ذلك الشيخ ، نطلب العدل والمساواة بين الناس من أهل الارض فكيف ؟ ورب السماء أحيانا غير عادل . أستغفر اليه ان خرج بي احساسى بالالم ، وشعورى بالعجز أمام هذا المأساة عن حدود ايمانى .
أعود الى مكانى وقد اثقلتني شحنة أخرى من الالم المزمجر فى زوايا النفس الى حد الكفر ، شحنة تعزز الفكر فى عملية الخلق وتمده بالمعاني والصور وتزرع فى فضائه الافكار والالفاظ ، وأخرج من عالمى من حياتى ، لاكتب لكن الباب من جديد يطرق ومع الطرق حديث وضحك ، بعض قريباتى جئن لزيارتى أفرح فأنسى ألمى وأبتسم ، أسأل وأسلم ، أرحب وأنا منشطره بين فراق
الكلمة ولقاء الأهل ، لكن قريتى والاهل حتى وان اخرجانى من الجنة فأنا بهما دائما سعيدة أجمع أوراقى وأرمى بها فى المكتبة لأقدم ما يجب على أن أقدم وأتفرغ للحديث معهن
مشاكل أعيشها ، مشاكل يعيشها من حولى فى بيئتى ، مشاكل اجتماعية حياتية انسانية تدخل احساسى تجبرنى على الالتزام بها ، تدفعنى إلى معالجتها بالفكر بالقلم والكلمة ، أنبه ذلك الفكر والاعصاب بالمنبهات وأستعد لتحليلها ، آكل أكلا خفيفا ، أرتب كل شئ حول كعادتى . وأبدأ فى صنع بعض الكلمات ، لكن سيارة فخمة الطراز تقف أمام باب المنزل ، ضيوف من بلد بعيد ، من قطر مجاور واجبى أن أضع كل جهدى فى حالة استعداد لخدمتهم ، والسهر على راحتهم ، حتى نهاية الزيارة . أعود الى تلك المشاكل وقلمي والكلمة ، لكنني مرهقة لا استطيع ، وان اجتهدت فى التفكير أشم رائحة اعصابي تحترق ، أحس بصداع يمزق شرايين راسى ، وتتصاعد ضربات قلبى فتهدمنى نحو الانهيار ، ويسقط اصرارى أخيرا فى هوة الفشل ، وأستسلم ، لكن عندما أسترجع شيئا من عافيتى أعود الى قلمى والكلمة أسرق الوقت من بيئتى وأكتب ، أسرقه من نومى وأكتب ، من لحظات الترفيه فى حياتى وأكتب ، من رائحة أعصابي المحترقة وأكتب ، من غلبان دمائى وأكتب : وذلك الدم أجعله مدادى وأكتب ، وأستعين بأزدراد القهوة والأقراص وأكتب ، ولا أبالى بانهاك مادة الجسد ، فى سبيل الفكر ، فى سبيل الكلمة والخلق .
