تأليف الاستاذ عبدالقدوس الانصارى
أقوى الصلات يلحظها كل منا ، بين التاريخ والآثار .
ذلك لأن الآثار ، عدا انها مصدر - لا غنى عنه - من المصادر الأولى للتاريخ ، فهى ايضا - وبصورة جلية - تبدو لنا أوثق هذه المصادر ، وأولاها بالاعتبار .
انها المصدر الأوثق . . لأنها فيما ترويه لنا من أخبار الماضى ، لا يمكنها الا أن تنقل الواقع كما هو . . وليس من طبيعتها أن تحابى أو تنحاز !
أو كما يقول (( غوستاف لوبون )) : (( هى افصح لسان يعبر عن الحقيقة باخلاص . . وصحف الأحجار لا تعرف الكذب . . ولشهادتها فى تاريخ التمدن اهمية عظمى ))! (١)
اختلاف أكيد - اذن - بين ما تحكيه الآثار لنا . . وما تحكيه المدونات ، أو يرويه الرواة .
للآثار انفرادها - كما ترى فى اعطائنا الحقائق عن الأمس القديم ، دون رتوش ، وبلا تزيد ، أو نقص ، أو تحريف .
لقد استفاد التاريخ من علم الآثار ، وبالتالى من الآثار نفسها : الآثار العديدة الضخمة التى اكتشفت منذ القرن الماضى ، والتى ما زالت تكتشف ، ولعلماء الآثار الفضل فى ذلك ، ولغيرهم من الباحثين والمستطلعين والرواد .
وقد كان من خط هؤلاء العلماء ، ومن حظ غيرهم من الباحثين - خاصة فى الغرب - ان يلقوا من التشجيع ، وفى كثير من الأحيان من العون المادى ، ما قد كان له
اثره فى دعم جهودهم ، وفى دفعهم الى المضى قدما فى هذه الجهود .
وكانت حصيلة ذلك ان التنقيب عن الآثار ، استمر سائرا فى طريق معبدة ، دون عوائق ، أو مثبطات ، فاكتشفت آثار ، هنا وهناك ، ألقت كثيرا من الضوء عن التاريخ القديم ، وعن عدد من الحضارات ظل خبرها ، حينا من الدهر ، فى طوايا النسيان .
هذه المامة أردت أن أبدا بها حديثى هذا السريع عن كتاب الاستاذ عبد القدوس الأنصارى الجديد (( بين التاريخ والآثار )) .
ولعله مما يدعو الى التقدير ، ان يكون هذا الكتاب واحدا من كتب ثلاثة ، ينشط لاخراجه فى هذه السنة الاستاذ الأنصارى .
ولعله مما يستاجب التقدير اكثر ، أن يكون هذا الكتاب ثمرة جهد شخصى مرموق ، عاناه المؤلف ، باحثا بنفسه عن الآثار ، فى أكثر من مكان ثم انه جهد بذله وعاناه باهتمام كبير منذ اكثر من ثلاثين عاما كما يعرف الجميع .
يصفه مؤلفه فى سطور ، فيقول : (( هذا الكتاب (( محصول )) دراسات متوالية ، للتاريخ والآثار ، استمرت أمدا ينيف على ثلاثين عاما . . بدأها المؤلف فى المدينة المنورة ، فى شوارعها ومنازلها ، ومساجدها وقصورها الأثرية وجبالها ووهادها وحرارها ، وأوديتها . . وبلغ بها السير الى مكة المكرمة وجدة والطائف والرياض والخرج والدرعية وتيماء فى المملكة العربية السعودية ، والبحرين والكويت والاردن ومصر ولبنان فى خارج المملكة . وقد عنى المؤلف بصهر دراساته هذه المتشعبة فى بوتقة دراسات مركزة هادفة وشاملة . ))
ويقول فى مقدمته : (( . . دعانى الى اقتحام
ميدان هذه البحوث العويصة التى لا يزال الغموض يكتنفها فى كثير من ابعادها وحقائقها ، دعانى الى ذلك محاولة ابراز ذلك الاسهام الكبير الذى قامت به حضارة العرب فى جاهلية وفى اسلام حيال الحضارة الانسانية الشاملة ))
" وانى بهذه المناسبة - ادعو باخلاص وحرارة علماء العرب والمسلمين الى مزيد من هذه البحوث الأثرية التاريخية الكاشفة . . كما أدعو أيضا الى تخصيص وافر الاموال والجهود والرجال للبحوث الاثرية التنقيبية فى اعماق أرضنا المعطاء ، حتى تخرج لنا من ينابيعها الثرة كنوزها الثمينة المطمورة فى باطنها . . على أن نقوم نحن ايضا بهذه المهمة العلمية ، غير معتمدين على اهتمامات غيرنا فى هذا السبيل اللهم الا بالنصيب الضرورى فيما لا بد منه من التعاون البشرى العام على تقدم العلوم وتوسعة آفاقها . كما أدعو فى نفس الوقت الى مزيد من البحث فى بطون الكتب التاريخية والأثرية والعلمية والأدبية ، بالاستخلاص حقائق تاريخنا القديم المبعثرة .
ومع المؤلف نمضى فى مقدمته ، ومنها ننتقل الى حديثه فى البحث الاول من الكتاب . عن جزيرة العرب ، وأسبقية حضارتها فى التاريخ !
فى هذا البحث : (( أضواء على تاريخ جزيرة العرب )) يحدثنا المؤلف حديثا ضافيا فى هذا الموضوع .
انه يحدثنا ومعه أكثر من دليل - مؤكدا الرأى القائل : ان جزيرة العرب هى مهد الحضارة العالمية !
لانها المهد الاول للساميين عموما . . والساميون هم بناة هذه الحضارة ، ويعقب
على ذلك بقوله : (( هذا ما يراه كثير من علماء الآثار ، ولهم دلائل اثرية ، ودلائل خبرية مقارنة ودلائل منطقية وطبعية على دعم هذا الرأى )) (٢)
ومع ان كثيرا من الباحثين ما يزالون ينوهون بحضارة الاغريق ، وبعضهم يشير فى هذا الصدد الى حضارة مصر باعتبار انها أقدم الحضارات ، الا انه يبدو أن الأرجح هو ما يشير اليه الاستاذ المؤلف - لا لمجرد الميل الى هذا الرأى - بل لأن البحوث الأثرية المتتابعة هى التى تؤيد ذلك . .
ويزيدنا المؤلف ايضاحا هنا ، اذ يقول : (( . . واذا اردنا أن نحدد المنطقة التى نشأت منها الحضارة فيما قبل التاريخ ، والتى عرف فيها التعدين والزراعة والصناعة والتجارة ، وسائر مقومات الحضارة قبل أى جزء آخر من أجزاء الدنيا القديمة ، فلنا ان نقول استنادا على أرجح اقوال الأثريين والجيولوجيين : انها المنطقة التى توصل بين نجد والحجاز ، وهى التى تكثر فيها المعادن ، وهى التى اكتشفت فيها آثار المدن والقرى والتلال التى طمرت مدنا ومصانع ومقابر ومزارع عريقة فى القدم ، من آثار اولئك الجبابرة بناة الحضارة الانسانية الأقدمين ))
وهنا نعود الى الآثار . . لنذكر فضلها فى هذا المضمار .
فهى التى ازالت القناع ، وأبانت ما كان خافيا ، عن فترة هامة ، موغلة فى القدم من تاريخ الجزيرة العربية !
والسؤال - ان كان لا بد من سؤال - : ما الأسباب ؟
الأسباب التى آلت بالحضارة الأم . . الى
ان تتراجع ، وتندثر ، ثم يهملها التاريخ المكتوب ؟
ان لذلك حديثا يطول . . حديثا لم يدعه المؤلف دون اجابة فما على القارئ المستزيد سوى أن يراجعه فى موضعه من الكتاب (٣) .
ويشير المؤلف فى هذا البحث الى كثرة الآثار وتنوعها فى هذه البلاد ، وهى آثار امم استوطنت بها منذ التاريخ السحيق ، ثم زادت هذه الآثار كثرة بعد ظهور الاسلام ، وهو يصنف هذه الآثار تصنيفا يحصرها فى اطار محدد - كما يذكر - ومن هذه الآثار : الأماكن الدينية والتاريخية ، والمقابر والهياكل والشواهد والأعلام ، والبيوت والمنازل والقصور والآكام والحصون ، ثم الزخارف والأدوات الحجرية والمناجم والمعادن ، والسدود والعيون والصهاريج والبرك ، ثم المصانع والمزارع والأدوات الصناعية والزراعية ، والخطوط الأثرية المسطورة والمنقورة والكتب والحجج والوثائق . . وغيرها . .
انه معين لا ينضب للتاريخ الحضارى . . ما يزال فى حاجة الى مزيد من البحث والى مزيد من التنقيب .
ونمضى مع المؤلف بعد هذا البحث التمهيدى المستفيض لنستمع اليه فى حديثه المتتابع عن الآثار فى كل من مكة المكرمة وما حولها . . والمدينة المنورة وما حولها . . والرياض وجدة وما حولهما . . ثم فى عسير وفى الشمال . . وفى فصله عن الآثار فى الشمال يطرفنا بحديث ممتع عن (( الحجر ومدائن صالح )) وعن (( بيوت مدائن صالح )) وعن (( موطن شعيب عليه السلام )) .
حديث شاهد عيان يغريك بمتابعته ، ويغريك اكثر بالتأمل ، وامعان التفكير .
وفى حديثه قبل ذلك عن آثار المدينة وما حولها . . نمضى معه الى حصن كعب بن الأشرف - المشهور فى كتب السيرة - فيحدد
موقعه بالضبط بعد معاينة وبحث . . ولا ينسى العقيق وما أدراك ما العقيق . . وما اشيد فيه من دور وقصور كان لها شهرة ، ودام لها ذكر . . قصر عروة بن الزبير . . قصر عبد الله بن عامر . . قصر مروان بن الحكم . . قصر سعيد بن العاص - وهو الوحيد الباقية آثاره الى اليوم - وغيرها . . وغيرها . .
قصور ودور . . يحدد مواقعها . . ومع قصور العقيق ودور العقيق نمضى معه الى بساتين العقيق ، وجماوات العقيق ، وكان ابتداء عمرانه فى حياة الرسول الكريم ص ، ثم امتد هذا العمران فى زمن عمر : ((فأنشئت فيه البساتين ، والقصور تدريجيا فما كادت دولة بنى أمية تستريح من القلاقل الداخلية حتى وجهت عنايتها الى عمرانه فأصبح جنة سندسية خضراء )) (٤)
وفيما حول المدينة أيضا لا بد من وقفة مع المؤلف عند (( الصويدرة )) أو وادى الآثار الجميل (٥)
وحقا انه جميل . . جميل بآثاره وقد صور المؤلف اكثرها وأثبتها فى الكتاب ان آثار الصويدرة العديدة من صور انسانية وحيوانية ونقوش كتابية منقورة فى صخورها ، شاهدة على حضارة القوم !
ونمضى فى صفحات اخرى . . الى الأردن ، حيث نسستمع الى حديث المؤلف عن (( كهف اهل الكهف )) حديث باحث منقب ، وشاهد عيان . . ثم الى حديثه عن (( البتراء )) :
المدينة الوردية الساحرة ، والرائعة . . كما اختار لها هذا الوصف . . والتى يقول عنها : (( بالامكان أن نعتبرها من أعظم مدن العالم التاريخية جمالا ، سواء فى أيام انشائها ، وازدهارها ، أم فيما بعد ذلك فى آثارها واطلالها . . ويقول عنها ايضا : (( تتمثل عظمة البتراء فى دقة فن النحت ، وفى التصوير ، وروعة الهندسة المعمارية ، مما قام به اولئك الأنباط العرب ، الذين قدوا ابنيتها الفارعة الرائعة من الصخر الاصم الأشم )) (٦) .
وفى حديثه عن البتراء - وهو حديث شامل ومستقص - ينوه بأسمها القديم (( سلع )) ، انه اسمها كما سماها بذلك ناحتو بيوتها ، ومنشؤوها من النبط ، ويقول فى ذلك شاعرنا فؤاد الخطيب من قصيدته عنها :
هى سلع ، والبتراء ترجمة اسمها
نسجت عليه عناكب الاهمال
والحق ان حديث المؤلف عن البتراء ، حديث مغر . . ها هو فى وقفته أمام قصرها المعروف بالخزنة - والذى ما يزال براقا كما كان ! - يصف لنا هذا الوصف الرائع :
(( كنا أمام (( الخزنة )) مشدوهين بعظمة فن النحت العربى القديم ، وبجمال قوام المبنى ، وبرشاقته ، وتماوج الألوان الطبعية فيه ، بما يفوق الوصف ، ويفوت على الاستيعاب ، ومع ان الخزنة فى ألوانها المتشابكة هى طبعية ، فلكأنها قطعة فنية استعمل فيها الفنان عشرات الالوان الممتزج بعضها ببعض ، ويتجسد كل هذا الجمال الفنى فى الخزنة عندما تشرق ذكاء . . على وجهها الوردى المشرق . . فتستحيل حمرتها الوردية الى حمرة خد الحسناء الجميل ، فى الصبح المتفتح الجميل ! ))
الى ان يقول : (( وبعد الخزنة شاهدنا المبنى المعد للرقص وهو دكة واسعة ، وبها بعض الجدران التى بنيت بالجنادل ، وقد اخترقت بعضها شجرة (( البطم )) والبطم شجرة ضخمة الساق ، منحنية الى الامام ، وأوراقها غير كبيرة ، وتميل الى الاخضرار ، وقيل لنا ان لها من العمر ١٨٠٠ عام )) .
وفي لمحات عن تاريخ البتراء ، يقول : (( . . وقد تمكن الأنباط من مدرواق ملكهم الى
شرق وغرب ، والى جنوب وشمال ، وضربوا النقود الذهبية والفضية ، واقاموا دولة ذات كيان مستقل لها كل مقومات الدولة المنظمة . . وكذلك بنوا المراكب البحرية ، واستقبلوا القوافل البرية والتجارية المحملة بمختلف السلع من مختلف أقاصى البلدان ، وكان لهم خطهم الذى به يتكاتبون ، ومن خطهم اشتق عرب الجاهلية الاخيرة فى مكة المكرمة هذا الخط العربى الذى نكتب به اليوم )) .
(( ومما يدلنا على عروبتهم : اسماء ملوكهم فمنها الحارث الأول ، ومالك الثالث الذى كان يعاصر الامبراطور الروماني الطاغية (( نيرون )) محرق روما . . ومنها أيضا : (( رئبال )) والرئبال فى اللغة العربية من أسماء الاسد )) (٧)
وبعد فماذا بقى من حديث عن كتاب (( بين التاريخ والآثار )) ؟
انه من الواجب أن أقول أن مجال الحديث عنه ما يزال متسعا . . وما يزال فى حاجة الى اتمام .
بقية من حديث أشعر انه كان لا مندوحة عنها ، نتابعها مع صفحات أخرى من الكتاب .
كان لا بد من ان نقف عند الفصل الذى تناول فيه المؤلف آثار مكة وما حولها ، وخاصة عند حديثه فى هذا الفصل عن سوق عكاظ . . وحديثه المفصل عن قبيلة بنى سليم ، واخبارها وآثارها .
وكان لا بد ايضا من وقوف عند سورية ولبنان ، وقد تحدث عنهما المؤلف حديثا نابضا وممتعا .
وكان لا بد من أن أشير الى عشرات من الصور لآثار منها المعلوم ، ومنها المجهول زينت بها صفحات الكتاب .
غير ان المجال بطبيعته محدد هنا . . فلنؤثر الوقوف بعد هذه الجولة فى الكتاب ، عند مدينة السحر والجمال !
عند سلع . . أو البتراء ! المدينة التى لها تاريخ . . لا نتلوه فى صفحات الكتب ، بل ترويه لنا فى صورة أعمق تعبيرا (( صحف الاحجار التى لا تعرف الكذب )) كما يقول (( غوستاف لوبون )) !
انه تاريخ مشرف لحضارة عريقة سامقة ، أرخى عليها الزمن ستار النسيان !
انه تاريخ من الآثار أفيحق لنا ان نقول : أخلق بنا ان نقرأ تاريخنا آثارا . . هى افصح دلالة ، وأبلغ ايحاء ، وأحفل ببواعث التأمل ، ومشاعر الاعتزاز !
نعم (( وبين التاريخ والآثار )) اخلق بنا ان نقف لنتذكر . . كلما طاب لنا ، أو أتيح لنا أن نقف لنتذكر - بين التاريخ والآثار ! وتحية لكتاب يحمل هذا العنوان !
