تأليف الاستاذ عبد القدوس الانصارى
عرض وتحليل
( الكلمة الثالثة ) ان كتاب (( بين التاريخ والآثار )) يكشف جوانب كثيرة ، مما يجهد للتعرف اليها باحثو الآثار فى بلادنا ، ونطلب الى المؤلف البحاثة المزيد من كشف دفائن الآثار .. لانها دلائل أمجاد ، ومعالم حضارة ،وذكريات همم عالية فعالة تمنح سلائل بناتها حوافز البطولة ، وشحذ الارادة ، وسداد الرأى ، وصدق الفراسة ، ونور اليقين ، وسمو الخلق ، واحسان العمل ، وتقصى المعارف ودرسها والتوسعة فيها . .
أما نشاهد وهن الارادة ، وأفن الرأى ، وانحطاط الخلق ، والغباء والجهل واهمال الوقت بدون عمل هداما هداما . .
وكل قصده من عرض كتابه على أبناء أمته أن يكون شعلة الطموح الصاعد عن عزائم الشباب للتجديد والتشييد الحكيم
النير المركز على أصول الخير والهداية والاستقامة وكريم الاسوة الحسنة الصارخة بالعبرة والتوعية .
وكم من أمجاد عظيمة كانت منائر حضارة لم يبق من آثارها الا ما يرى على أطراف الافق المعتم من حيرة باهتة من بقايا الشفق
تدل على ان الشمس كانت تملؤه بالاشراق والازدهار . .
بل قل لم يبق من آثارها الا ما يلوح على صفحة حجر عادى من احرف متآكلة تومئ الى ان لغة كانت قوام حضارة انطوت في باطن الارض .
والبترول أقرب مثل نقدمه لهذا اللون من الآثار الدفينة فى باطن الأرض .
وما يعنى بكشف مثل هذه الآثار الا فحول الاثار الدفينة فى باطن الارض .
وما يعنى بكشف مثل هذه الآثار الا فحول الاثريين القادرين الذين يغوصون فى أعماق الحفب ويزيحون عنها الاسداف المتراكمة ، ويطلون عليها وهى فى غضارة شبابها ، ونضارة حللها . وسحر جمالها .
ومهما يكن فان هذا البترول الذى تزخر به صحارى مجتمعنا العربى فى آسيا وافريقيا ، وصحارى مجتمعات أخرى ، هو نقطة الباء من أبجدية غابات كثيفة خضراء ذات أحياء حيوانية ابتلعتها أعماق الارض منذ ملايين السنين .
وأكبر اليقين أنهم اذا وصلوا الى صنع آلات تكون أدق وأحكم وأشمل وأقدر على كشف حقائق الآثار التى لم تستطع كشفها ما بين أيديهم من الآلات فانهم يصلون إلى عين يقينها الذى كانت عليه فى فجر انشائها ، وعنفوان سطوتها . .
وحينئذ يشاهدون عيانا العوامل الطبيعية وسواها التى امتدت الى تلكم الغابات وحيواناتها فى أبعد الاحقاب ، وحولتها الى وقود سائل ، أمتصته من أشعة الشمس وادخرته فى أعماق الارض ، لوقت الحاجة .
(( والحاجة أم الاختراع والاكتشاف )) كما يشاهدون الحقائق اليقينية الدفينة منذ آلاف الحقب . فى حجر مخطوط أو رق أو عظم أو قرطاس ، أو فى بقية انسان أو حيوان أو ساق شجرة ، أو فى عدة قتال ، أو فى قطعة أثاث ، حيث كن : فى بطن واد ، أو فى أعلى هضبة ، أو تحت ركام جليد ، أو فى طى خربة أو فى كهف جبل ، أو على شاطئ بحر ، أو على ضفة نهر ، مما ليس شاخصا أو مسطورا فى سفر ..
فالوصول الى ايجاد هذه الآلات الكشافة لخبايا الآثار وبقاياها ، والافادة منها ، هو ما يشهد له العلماء في مختبراتهم . ويعملون له وسع علمهم ، وطاقة تفكيرهم . وغاية جهدهم ، فى رحلاتهم الاستطلاعية ، وحفرياتهم الاثرية .
وما دام هذا الانسان الطلعة العبقرى - فى الامم الحية الراقية - يجهد ويناضل ويضحى بثروته وحياته من أجل احاطة المعرفة الانسانية بحقائق الاشياء ، وان دفنت تحت انقاض الاحاجى والالغاز ، وأباطيل التقاليد والاساطير ، وترهات التآويل ، وخبائت النزعات . . فان حاضر الانسانية سيرى عين البقين حقائق ماضيها .
وهل بعد عين اليقين من جهل بدس ، أو خلف يمزق ، أو افتراء يقبل .. لا لا لا ..
أيتها الانسانية هيا جدى السير مسرعة ، واصدقي نية العمل الجاد - الى عين اليقين فى كل ما كشف لك ويكشف من معارف قديما وحديثا ، فاذا عسر عليك ذلك ، فاكتفى بعلم اليقين ، وفيه الطمأنينة الكافية . وعلم اليقين فى الامكان ولا عسر فى الوصول اليه . .
وانى لا أزال اذكر ورمل الامس فى
مصر ، حجر قصر غمدان الاثرى المخطوط الذى أهداه امام اليمن - يحيى حميدالدين - لصديقه البحاثة شيخ العروبة أحمد زكى لما زاره فى صنعاء ، وحين جاء به الى مصر، أقبل على دراسة واستنطاق ما يحمله من خفايا التاريخ العربى جمهرة من علمائها الاثريين العباقرة ..
ولمكانة هذا الاثر التاريخى الخالد ، ولكبير ما يحمل من مجد الاجداد ، شيد شيخ العروبة مسجدا ، قرب قصره ، وأقامه على جداره المطل على الشارع ، ليلفت انظار السارحين المارخين وليعطوا الآثار حقها من الاهتمام ، ويشيدوا أمثالها أو أعظم منها ، اقامه فى علو ثلاثة أمتار ورفع فوقه من الرخام الابيض لوحا مشتملا على هذه العبارة (( تحت هذه اللوحة ، الحجر الاثرى الباقى من قصر غمدان الذى شيده الملوك التبابعة فى صنعاء برسم كوكب الزهرة ،
ولم يبق له أثر على سطح الارض منقوش بالقلم الحميرى المسند. وفيه لفظة ( المقة ) أى الزهرة بلسانهم .. أهداه جلالة الامام ملك اليمن الى صديقه منشئ هذا المسجد شيخ العروبة السيد أحمد زكى باشا ، حين زاره بصنعاء ، فى ربيع الاول ١٣٤٥ ه وفي سبتمبر سنة ١٩٢٩ م . ))
ولعل الذين لا يفقهون جلال التاريخ ، ودلائل أمجاده فى الآثار ، وحوافزه الصاعدة فى نفوس الاحفاد ، تأخذهم دهشة العجب من اهتمام شيح العروبة بهذا الحجر هذا الاهتمام الزائد ، ويرون ذلك كثيرا . .!
ولكن لو استطاعت يد العلم الاثرية أن تزيح كل الستائر عن كل ما هو منطو فى
أحرف هذا الحجر الاثرى من حقائق المعرفة، وعن كل ما هو خفى في تضاعيفه وما هو مجهول وراءه من فنون سحرية ، لرأوا ما صنعه العلامة البحاثة - قليلا .
وكم من حقائق علمية كبيرة ، وكم من أمجاد تاريخية انسانية كريمة اضلتها مصائر الايام ، وتقلبات الحقب ، فى باطن هذا التراب الذى يحتال عليه مستكبرين طائشين ، ومكنظين بحقير النزوات التى تملك مثلها حتى الحشرات ، ومفتونين بصغائر الاعمال الخادعة المضللة وتمر الحياة بالاجيال مسرعة خاطفة متطورة ، وان خيلت تدب دبيب النمال .
يسطر كل جيل من آثاره ومعارفه ما يسطر ، منها الواقع اليقين ومنها المظنون والموهوم والمكذوب وهو الاكثر .
يسطرها حروفا وكلمات صارخة صامتة يسمعها ويقرؤ ما العلماء الاثريون ويستخرجون منها أوقارا من العبر والعظات ، وسيولا دافقة ذاخرة من الاخبار .
ومن أجل ذلك نجد الامم الحية العالمة تعنى بآثارها كل العناية ، وتقيم حولها الحراس والحفاظ الثقات ، والعلماء المتخصصين القادرين . . ويجعلونها مثابة للدارسين والمعتبرين الايقاظ ، والسواح المفكرين الذين يطيرون اليها من كل أفق مهما بعد ، ويتحملون من أجلها المشاق المجهدة ، وينفقون النفقات الطائلة بلهفة وشوق . .
هذا اذا كانت لآثار رأسية رسو الجبال، كالاهرام والحصون والمعابد والقصور والمدن المهجورة الشاخصة على ظهر الارض ، والمدفونة فى أعماقها .
وأما الآثار المنقولة فهم يتخاطفونها نخاطف المقوين لقم العيش ، ويشيدون لها الصروح الضخمة ، والقاعات الفخمة ، والعرضات الفسيحة ، ولا يحجزون عنها عشاقها المعاميد المناجين . . بل يضربون لهم المواعيد ، ويفتحون لهم الابواب ، ويسمحون لهم بمتابعة الوصال ، ما شاء لهم الهوى وطاب كل ذلك ليكون صعود البشرية فى سلم الحياة المتطورة - من جيل الى جيل - .. أسمى انسانية ، وأعلى حضارة ، وأكرم خلقا ، وانبل غاية وأوسع صناعة ، وأغزر علما ، وأقدر على تحقيق واقعه اليقينى وطرح الظنون والاوهام والاساطير منه .
هذا بعض ما للآثار الغابرة على البشرية من أياد .
ولكن . . فلنفكر ولنقدر ولنتأمل ما يؤول اليه أمر البشر : من الخسف والمسخ والتخلف والشر والضغينة والابادة : اذا لم يأخذوا من هذه الآثار التى بين أيديهم والتى يكتشفونها يوما فيوما دروسا قيمة ذات اصلاح وخير ومودة وسلام وتفاهم وتعاون فى حاضرهم ومستقبلهم . .!!
وانى انهى كلمتى هذه بمعجزة علمية كبرى لآية من آيات القرآن المجيد .
وكل آيات القرآن معجزاتها كبرى آية هى برهان العلم اليقينى الدال على مكان الآثار المرموق في العالم . . اجل عرف دارسو الكيمياء ان الغاز لن يشتعل الا بعنصر الاوكسجين الذى يمتصه من الهواء ..
ضع شموعا شاعلة فى صندوق محكم من الزجاج ، وأنعم نظرك فيه تجد أن الشموع تطفى بعد فراغ عنصر الاوكسجين ، ولن
تستجيب للاشتعال مرة ثانية الا بتجدد عنصر الاوكسجين .. جرب وجدد الهواء تلمس ان ما قلته حق .
وعرف دارسو الكيمياء أيضا أن الشجر الاخضر يمتص ثانى اوكسيد الكربون نهارا ويحوله الى أوكسجين .
وانى أستطيع أن أقول لولا وجود عنصر الاوكسجين فى الهواء لما اشتعلت في كرتنا الارضية نار ..
ولولا الشجر الاخضر لتلاشى عنصر الاوكسجين من الهواء . ثم تتبعه النار . . بله الحياة نفسها . .
واتل وتأمل وتعمق قوله تعالى :
(( هو الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا )) ..
هذه هى معجزة الاولى للآية .
وهذا الشجر الاخضر الذى ابتلعت أعماق الارض غاباته الكثيفة منذ أبعد الازمان ، وحولتها الى نار سائلة دافقة وغازية ذات شعل . قد امتصتها من حرارة الشمس امتصاصا . .!
نار هى أقوى من نار الفحم العادى والحطب الجزل . لان مصدرها الشجر الاخضر لا الشجر اليابس ، وشاهد ذلك قوله تعالى : (( هو الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا )) . . وهذه هى المعجزة الثانية.
ومن درس الفحم الحجرى فى أعماق مناجمه ، وعلم أنه كان منذ أبعد الازمان شجرا أخضر ، ثم تحجر بيد العوامل الطبعية ، وعلم أن ناره تستخدم فى تسخير الآلات الضخمة والبواخر والقاطرات وما
كان من هذا القبيل . فانه يلمس اعجاز قوله تعالى :
(( هو الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا )) .
وهذه هى المعجزة الثالثة للآية .
وكنت أحاضر يوما فى معجزات هذه الآية الكريمة اذا بأحد الدارسين يعترض قائلا : (( كان الاقرب الى الواقع المشاهد أن نختار لفظة يابس مكان لفظة أخضر ، لان النار حين نشعلها .. فانا لا نشعلها من الشجر الاخضر ، بل من الشجر اليابس ومتى صلح الشجر الاخضر لوقد النار دون اليابس . .؟! ))
وتبعه ثان بقوله :
(( لا أجد مزيد دليل فى اثبات احياء الموتى فى قوله تعالى : (( الذى جعل من الشجر الاخضر نارا )) لان ظهور القدرة فى خلق الانسان أهم من ظهورها فى خلق الشجر الاخضر ، كما لا أجد صلة بين الشجر الاخضر ، واحياء الموتى للبعث .
أما الاول فكان جواب سؤاله الكلمة ذاتها ..
وأما الثانى ، فان تصريح الآية ، بما أودع الله فى الشجر الاخضر من أعمال أساسية فعالة من أجل الابقاء على الحياة والاحياء من قبل أن يكتشف ذلك بأحقاب وأحقاب .. هو البرهان العلمى اليقينى
المشاهد الذى يعين بتحقيق احياء الموتى . . لاجيال الحضارة والعلم ، زيادة على برهان قدرة الله الظاهر فى خلق الاحياء لاول نظرة.
ولا ريب ان اقامة البرهان العلمى القطعى عمليا بيد العلوم الحديثة التى أزاحت الاغطية الكثيفة عن الاسرار التكوينية فى اختيار لفظة (( الشجر الاخضر )) البعيد الدلالة على جعل النار منه .. بدلا من لفظة الشجر اليابس القريبة الدلالة بمشاهدة الحطب والفحم المأخوذين منه . فيه كل مظاهر اعجاز الآية .
وتستطيع أن تقول فى نهاية الكلمة : ان فى قول الله عز وجل : (( الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا )) أمرين أساسيين:
الاول - يثبت ان القرآن المجيد هو كلام الله الخالق العليم المريد القادر حقا وصدقا . . بلسان العلم . .
الثانى - يثبت أن احياء الموتى للبعث ثابت بالبرهان العلمى المشاهد فى اختيار وضع لفظة أخضر مكان لفظة يابس .
وهو برهان علمى خالد مدخر لاجيالنا ، وقد عرف لان فعالية الشجر الاخضر فى احداث النار بالذات لم يكن فى علم الانسان منها ابان نزول الآية فى القرآن المجيد سوى جزء من الف جزء .
أى هو الجزء المائل لهم فى الحطب والفحم العادى فقط .
ثبت معارف العصر الحديث ، كل ذلك.

