حديث الكتب
قلما يهتدى كتابنا ومؤرخونا الى الدراسات التى نهتم بالبحث في فنون الآثار ، كأن علم الآثار من العلوم التى لا تستحق أن نرعاها مؤلفات وتصانيف لتزدهر بها مكتباتنا وخزاناتنا العربية في المشرق والمغرب
ففي الوقت الذى تصدر فيه عن المطابع الغربية عشرات الكتب التى تعالج موضوعات علم الآثار مقرونة بالاحداث التاريخية سواء فى فرنسا أو ايطاليا أو اسبانيا أو انكلترا . . لا نعثر فى البلاد العربية والاسلامية الا على مؤلفات قليلة من بينها هذا الكتاب القيم الذى يسعدنا ان نتولى تقديمه للقارئ العربى
وقبل أن نتعرف على محتويات هذا الكتاب المفيد الذي جمع بين التاريخ والآثار . يجدر بنا أن نعرف بمؤلفه وان كان سيادته فى غنى عن كل تعريف نظرا لشهرته العلمية ومكانته البارزة فى عالم الفكر والمعرفة فهو يعد بحق من أقطاب الاسلام ومن المفكرين الكبار فى المملكة العربية السعودية ، كما يتمتع بسمعة طيبة لدى الاوساط المثقفة فى مختلف انحاء العالم العربي والاسلامي فهو صاحب مجلة ) المنهل ( الذائعة الصيت التى تعتبر من المجلات الراقية التى عمرت اكثرر من ثلث قرن حاملة مشعل العرفان ومحافظة على علوم وفنون " الضاد " التى
عرض وتقديم بقلم الاستاذ عبد الرحيم بن سلامة رئيس تحرير مجلة ) الغد المغربية
نطالعها كل شهر ضمن اركان وزوايا " المنهل " باقلام كبار الكتاب العرب والمسلمين
وللاستاذ عبد القدوس الانصارى تأليف كثيرة ومتنوعة نجمع بين مزايا العلوم التاريخية واللغوية الادبية ، ومن أهم كتبه آثار المدينة المنورة ، واصلاحات فى لغة الكتابة والأدب ، وبناة العلم في الحجاز الحديث ، والكتاب الفضى للمنهل وتاريخ مدينة جدة . ورحلة الرياض ، وتاريخ العين العزيزية بجدة ، وتحقيق امكنة فى الحجاز وتهامة ، واربعة ايام مع شاعر العرب عبد المحسن الكاظمي . وبين التاريخ والآثار . وهما الكتابان الهامان اللذان تفضل سيادة الاستاذ الانصارى - مشكورا - باهدائهما البنا مع تقديرنا وشكرنا الجزيل لجنابه
ونظرا لانشغالنا فى الاعداد للموسم الجامعي لم تساعدنا المقادير على تقديم الكتابين معا مقتصرين على احدهما وهو كتاب " بين التاريخ والآثار " الذي نقدمه فى هذا العرض الوجيز ويأمل ان شاء الله أن نفرد للكتاب الآخر موضوعا مستقلا لننشره فى بعض المجلات المغربية وكذلك بالمنهل الزاهره
الكتاب الذي يجى بصدد تقديمه يحتوى على نحو اربعمائة صفحة من الحجم المتوسط مجزآة إلى مقدمة وفصول وفهارس تضم موضوعات شيقة ، وهد ريى المؤلف كتابه بصور ورسوم احبارها بدوقه من اماكن أثرية إضفت على الكتاب حلة قشيبة الشئ الذي يجعل القاري . يلمس مدى الكاهل الموجود بين المعلومات . والاسلوب ، والطريقة التى صاع بها المؤلف محتويات كتابه الذى اتى روعة فى طباعته وإخراجه .
فالاوراق بيضاء صقيلة والغلاف يحمل صورة
أثرية ملونة وجميلة والكتاب ككل يعتبر شيئا جديدا بالنسبة للمكتبة العربية .
والجدير بالذكر ان هذا الكتاب يمتاز بكونه لا تقتصر موضوعاته على التعريف بتاريخ وآثار المملكة العربيه السعودية بل نجد المؤلف يخصص قسما هاما من كتابه للتعريف بالآثار التى زار امكنتها فى الكويت ولبنان وسورية والاردن وهذا شئ مهم فعله المؤلف .
لذلك يعتبر كتاب " بين التاريخ والآثار " محصول دراسات متوالية للتاريخ استمرت أمدا ينيف على ثلاثين عاما بدأها المؤلف فى المدينة المنورة في شوارعها ومنازلها ومساجدها ، وقصورها الاثرية ، وجبالها ووهادها ومنازلها وأوديتها . . وبلغ بها السير الى مكة المكرمة وجدة والطائف والرياض والبحرين والكويت والاردن وسورية ولبنان في خارج المملكة.
وقد عنى المؤلف بصهر دراسته هذه المتشبعة في بوتقة دراسات مركزة هادفة وشاملة .
نعم ان جولة في هذا الكتاب القيم لتبرز لنا بصورة واضحة - التجربة الموفقة التى عاشها الاستاذ الانصارى باحثا ومتجولا بين الاماكن الاثرية هنا وهناك الشئ الذي يجعلنا في رضي تام لنتائج جهوده المضنية التى كانت خلاصتها ، هذا الكتاب الذي سنطلع القارئ الكريم على أهم محتوياته معتذرين ان كنا قد قصرنا فى بحث جميع جوانبه الهامة . ونعد بتخصيص عرض اكثر تفصيلا لنشره فى مجلة " صوت الحق المغربية
المقدمة
فى المقدمة شرح المؤلف المراحل التى
قطعها فى سبيل اخراج هذا الكتاب وهكذا نجده يقول : " فهذه بحوث متفاوتة بالنسبة للزمن الذي كتبت ونشرت فيه وبالنسبة لما نشرت فيه ، ولكنها مع هذا التفاوت المزدوج مترابطة في هيكلها وفي جواهرها وفي موضوعاتها . واني لأرجو ان اكون قد نجحت في ربط اواصر الصلة بين مادتى التاريخ والآثار . . وموضوعات هذا الكتاب لا تخرج عن دائرة البحث فى بعض آثار هذه البلاد العربية ، وفي المملكة العربية السعودية وما يقع بمشرقها مثل الكويت وما يقع بشمالها مثل الاردن وسورية ولبنان .
وهذا البحث الاثرى ، كما تراه ، مقرون بالبحث التاريخي المجرد في نفس اطار الاقطار المشار إليها . . وقد دعاني الى اقتحام ميدان هذه البحوث العويصة - التى لا يزال الغموض يكتنفها - محاولة ابراز ذلك الاسهام الكبير الذي قامت به حضارة العرب في جاهلية وفي اسلام ، حيال الحضارة الانسانية الشاملة . . "
وبعد هذا نجد المؤلف يحث على الاهتمام بحضارتنا وآثارنا بتشجيع المختصين وامدادهم بالمال والوسائل حتى يمكن لها أن يواصلوا أبحاثهم من أجل ابراز معالم حضارتنا التى لا تزال كنوزها الثمينة مطمورة فى باطن الارض على عكس الحضارات الاجنبية التى نراها واضحة المعالم ومهتم بها
وقد ذكر المؤلف أسماء كثيرة للمراجع التى اعتمدها . في مقدمتها . القرآن الكريم وتفاسيره وكتب هامة لمؤرخى جغرافيين مشهورين من قدماء ومحدثين تقدر بنحو الثلاثين مرجعا .
. وهكذا بصدد هذا الكتاب مزدوج
الشخصية موحد الكيان والاسلوب والهدف ، وقد خامرت فكرته المؤلف وهو فى عنفوان شبابه حتى حقق الله أمله فى أواخر السنة الماضية حيث فاجأنا بمؤلفه الضخم ، الذى يجب على كل مثقف ان يسرع لاقتنائه ويجعله ذخيرة فكرية فى مكتبته لانه كتاب يفيد المطلعين والباحثين ويعينهم على ما هم راغبون فيه من تعرف على تاريخ وأثر بلادهم العربية من المملكة العربية السعودية وغيرها .
أضواء على تاريخ جزيرة العرب
جزيرة العرب ، هي المهد الاول للساميين عموما ، فهي اذن مهد الحضارة العالمية . لأن الساميين هم بناة هذه الحضارة .
بهذه العبارات استهل المؤلف فصله هذا الذي تطرق فيه لعدة نقط تهم تاريخ الجزيرة العربية التى وجدت بها الحضاة قبل اي جزء آخر من اجزاء الدنيا القديمة فيها قبل التاريخ . وهكذا وجدناه يعطي في تسلسل تاريخي الاطوار التايخية التى عرفتها الجزيرة العربية والتطورات التى حدثت في طبيعتها معتمدا في معلوماته على مراجع كثيرة لمؤرخين كبار أمثال المؤرخ بطلميوس ) ١ ( الى أن قال مصنفا للآثار الموجودة في البلاد العربيه السعودية " والآثار في هذه البلاد متوافرة ومتنوعة وكثرتها آتية " من الامم الحوالي " التي استوطنت هذه البلاد ، منذ التاريخ السحيق ، ثم جاء الاسلام وكثرت آثار الاسلام . .
وقد هيئ لي - يقول المؤلف - أن أصنف آثار هذه البلاد تصنيفا يحصرها فى اطار محدود ويجعلها للباحث على طرف التمام . وها هى دى جمعاء بحسب التصنيف المشار اليه
١ - الاماكن الدينية والتاريخية . ٢ - المقابر والهياكل والشواهد والاعلام ٣ - البيوت والمنازل والقصور والآكام والحصون .
٤ - الزخارف . ٥ - الادوات الحجرية ٦ - المناجم والمعادن ٧ - السدود والعيون والابار والصهاريج والبرك .
٨ - المصانع والمزارع والادوات الصناعية والزراعية .
٩ - ادوات المنازل والزينة . ١٠ - الخطوط الاثرية المسطورة والمنقورة .
١١ - الكتب والحجج والوثائق . ١٢ - الثياب والفرش . ١٣ - أدوات الحرب والالعاب . ١٤ - الصور المختلفة . ١٥ - المرافق المختلفة
ويذكر المؤلف أن علماء الاسلام كانوا يسبغون على الاماكن الدينية ولا سيما المساجد اهتمامات خاصة فيصفونها باقلامهم فى مختلف العصور ، حتى أن بعضهم صور الحجرة النبوية الشريفة وهو السهمودى فى وفاء الوفاء ) ٢ ( وآثار المقابر والهياكل والشواهد والاعلام ، موجودة بكثرة فى البلاد المقدسة وكذلك البيوت الاثرية والمنازل والقصور
والآطام والحصون . فحارة الاغوات بالمدينة تحوى بيوتا من القرن السادس الهجرى انخفض مستواها كثيرا عن الشارع العام حتى انها ينزل اليها بسلم حجرى حسب تعبير المؤلف .
ومن الآثار الموجودة بالمدينة المنورة يذكر الاستاذ الانصارى صورة لمحارب عربي دارع على صخرة بقرب السيل الكبير فى طريق الطائف القديم ، وبشرق المدينة فى الصويدرة توجد صخور ملس ، حشدت فيها صور عربية تمثل لنا حياة العرب فى أزمان الجاهلية والحيوانات الانسية والمتوحشة التى كانت توجد قبل الاسلام والتى انقرض بعضها . وتوجد ايضا النقوش الثمودية والنبطية فى مختلف الاماكن ولا سيما فى مدائن صالح ، ونيماء وشرق جدة . وفى جبل سلع بالمدينة المنورة ، يوجد أثر خطى قال عنه علماء الآثار : انه خط الصحابيين الجليلين ابي بكر وعمر رضي الله عنهما .
وهكذا نجد المؤلف يشير فى هذا الفصل الى أماكن أثرية كثيرة من مساجد ومقابر وآبار ومناجم وأودية وصهاريج ومصانع ومزارع ومناجم ومعادن وعيون وسدود وصخور ونقوش وخطوط وأدوات حرب كالسيف والخنجر والرمح وجد بعضها منذ عهد الجاهلية والبعض الآخر من عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الاجلاء . ولم يبق منها سوى تلك الآثار والاطلال التى ينطبق
عليها قول الشاعر :
هذه آثارنا تدل علينا
فانظروا بعدنا إلى الآثار
آثار مكة المكرمه
تعبير الاساد الانصارى فآثار مكة منتشره وفيره يكنفها الغموص وعدم التحديد الفنى الدقيق . وقد عنى المؤرخون والرحالون والعلماء قديما وحديثا بالحديث عنها حديثا أكثره ديني واقله اثري . وفيها المساجد وفيها الدور والآبار والعيون والجبال والأودية والشواهد والحجارة المنقوشة توضع على أبواب الدور والاماكن الاثرية ، وكثير من هذه الحجارة قد انطمس من البلى ، وكثير منها أزيل عن مواضعه بعد أن تغيرت المعالم وجددت العمارات ) ٣ (
ويقول المؤلف : ان أقدم الآثار الباقية فى مكة على عمارتها الاولى ، لا يرتقى به الزمن ، فيما أعلم ، الى ثمانية قرون باستثناء الكعبة الشريفة على عكس المدينة التى توجد بها اطلال يؤرخ لها بنحو اربعمائة عام بعد الالف .
وقد اشار المستشرق بركهارد ٤ فى ابحاثه عن مكة بأن ضعف عمارات مكة ناشئ من عدة أسباب ، منها : جهل البنائين فيها اذ ذاك بأسلوب البناء القوي الذي يعمر طويلا ، ومنها أن أرض مكة رملية يسرع البناء فيها الى التداعي ، ومنها كثرة السيول التى تهبط من الجبال كافواه القرب دواما فتترك الابنية فى ضعف عام "
وفي مكة آثار كثيرة من دور ومساجد
ورباع محلاب عقت على بعضها حوادث الرمان فكثيرا ما حدث أن غير قائم بعمارة خاصه معالم دار أثرية أو غيرها بحكم ملكيته لها فيضيع الاثر مع توالى الاجيال . لهذا السبب سجلت ملاحظتى الهامشية واقترحت أن تتولى مصلحة للآثار والاماكن المقدسة . الاشراف على جميع الأماكن التى توجد بها آثار وتعمل على احيائها بترميمها وصيانتها وتجديد ما بلي منها مع المحافظة على طابعها الأثري حتى توحي للمهتمين بالآثار من مسلمين وعرب وغيرهم بعظمة حضارتنا الاسلامية والعربية وعراقة هذه الحضارة منذ العهد الجاهلى حتى الآن .
أما إذا تركنا الناس يحولون الاماكن الاثرية ولا سيما البقع المقدسة الى محلات وعمارات فاننا نكون قد شجعناهم على محو معالم حضارتنا وتاريخنا التى تتمثل في تلك الآثار ، فيمكن بحكم نظام نزع الملكية للمصلحة العامة الذى هو من صميم الشريعة الاسلامية أن يطبق على كل من في ملكه اثر من الآثار ويريد تحويله الى مسكن أو دكان ما . . فهؤلاء تنزع من ملكيتهم تلك الآثار ويأخذون بدلها عوضا اما مالا أو أرضا وفق ما يأمر به الاسلام فى باب الملكية وحسب مقتضيات الشريعة السمحة . وبذلك نقي ونحفظ آثارنا من الاهمال والضياع ونحافظ عليها ليتعرف عليها كل الباحثين والمؤرخين الذين يهمهم ماضى الاسلام وحضارة الاسلام على ضوء ما هو قائم من آثار اسلامية بالمملكة العربية السعودية التى تعتبر مهد الاسلام الخالد
بعد هذه الملاحظة التى أراها ضرورية ولا بد منها ، غيرة منى ومن كل مسلم على مقدسات الاسلام التى هي أمانة في عنق الساهرين عليها وهم اكثر غيرة على آثارهم
) ٣ ( خلال زيارتي الاخيرة لمكة المكرمة شاهدت بعض الآثار المجاورة للكعبة الشريفة ، ولاحظت ان بعضها في طريق الانقراض أو انقرض . " ٤ " بركهارد مستشرق سويسرى نشر له بحث بمجلة المنهل سنة ١٣٦٦ ه - ١٩٤٧ م حلل فيه اسباب انقراض بعض آثار مكة ) يمكن الرجوع الى أبحاث هذا المستشرق المنشورة بالعربية والفرنسية بمطبوعات اليونسكو (
ومقدساتهم ، ساأحاول ان أقف بصفة خاصة على أثر هام فى تاريخ الجاهلية وهو سوق عكاظ فكلنا قرأ الاشعار التى كان الشعراء الكبار ينشدونها فى عكاظ حتى انك فلما تجد مؤلفا يتحدث عن الاشعار فى عهد الجاهلية والاسلام دون أن يذكر لك عكاظ والمعلقات ، اذن فما هو الزمن الذي ولدت فيه سوق عكاظ ؟ وما هى الأحداث التى تعاقبت على الشعر والشعراء بميلاد هذه السوق ؟ هذا ما يحدثنا عنه المؤلف بقوله " . . فى عصر الجاهلية العربية الاخيرة أو الثانية على تعبير أدق ابتدأت ) عكاظ ( .
وهذا العصر قلما يظفر فيه الباحث بشئ محدد التاريخ ، وأما زمن انقضائها فقد كان في صدر الاسلام الذي كان يعنى فيه بوضع تواريخ للاحداث الكبار . . وقد حدثنا المؤرخون وكتاب السيرة النبوية بأن رسول الله ) ص ( كان قد شهد ) المجتمع العكاظى ( وهو غلام حدث ، وراقته ، وهو فى هذه السن المبكرة ، تلك الخطبة الرائعة التى كان موضوعها على خلاف سنن موضوعات خطباء عكاظ من فصحاء العرب ومفوهيهم ، اذ كانوا يخطبون فى المفاخرة والمنافرة وما اشبه من شؤون الدنيا . .
ولم يكتف المؤلف بتوضيح اهمية سوق عكاظ في تاريخ الجاهلية والأسلام من الناحية الادبية بل ذكر اهمية هذه السوق كاثر خالد في سيرة الرسول الجليل سيدنا محمد ) ص ( اذ ذكر أن خطبة لقس بن ساعدة بعكاظ بقيت عالقة بذهن الرسول ) ص ( طيلة حياته وجاءت مناسبه الاشادة بها يوم اقبل عليه وفد اياد فسالهم : ما فعل قس ابن ساعدة ؟ فقالوا له : مات يا رسول الله !
فحدثهم عن ذكراه له وقال كانى انظر
اليه بسوق عكاظ على جمل له اورق ، وهو يتكلم بكلام عليه حلاوة ما أجدني احفظه . . فلما قال له احدهم : انه يحفظه وتلاه بين يديه ، قال الرسول ) ص ( " يرحم الله قسا ، انني لارجو ان يبعث يوم القيامة وحده ،
وعن الخنساء يذكر أنها انحدرت بهودجها الى عكاظ لتسجل فيها ، رسميا أنها أعظم العربيات مصيبة ، بمن قتل فى احدى المعارك القبلية من والدها سيد العرب عمر بن الشريد واخويها صخر ومعاوية . . وظلت على غشيانها لسوق عكاظ بهودجها نادبة باكية كل عام ، حتى كان عام بدر فنافستها هند بنت عتبة فى الاعلام في عكاظ بمصينها العظمى ، فمن قتل يوم بدر من أبيها وعمها وأخيها
فاذا ضممنا هذه الاحاديث الى بعض - يقول المؤلف - ودرسناها امكننا أن نخرج منها بنتائج ايجابية ، جزئية ، وهامة . لقضية التحقيق في ماضى سوق عكاظ فى بدايتها وفي ذروة نشاطها الذي تلاه انهيارها وانقضاؤها . ونستطيع أن نقول استنتاجا من الروايات المسرودة انفا : ان سوق عكاظ كان نشاطها كبيرا مشهورا ولا أدل على ذلك من هذه الابيات من شعر النابغة الجعدى الذى عاصر حياة سوق عكاظ بحياته المديدة - يقول فى القصيدة
قالت امامة كم عمرت زمانة
وذبحت من عتر على الاوثان
ولقد شهدت عكاظ قبل محلها
فيها وكنت اعد ، م الفتيان
والمنذر بن محرق في ملكه
وشهدت يوم هجائن النعمان
وعمرت حتى جاء احمد بالهدى
وقوارع نتلى من الفرقان
ولبست ، م الاسلام ثوبا واسعا
من سيب لا حرم ولا منان
هذه عكاظ وهذه آثارها وتاريخها حسب ما ورد في الصفحات ) ٣٧ الى ٤٤ ( ونشير الى أن المؤلف عزز بحثه هذا بصور لنقوش وأطلال عثر عليها فى عكاظ ، هذه السوق التى نهبت من طرف الخوارج الحرورية سنة ١٢٩ ه وانتهى دورها وهجرت من ذلك التاريخ حتى الآن ولم يبق منها الآن سوى تلك الاطلال أو ملامح أطلال على أصح تعبير
من عكاظ ينقلنا المؤلف إلى قبيلة بني سليم معرفا بتاريخها واخبارها وآثارها ، ونظرا لاهمية هذا الموضوع وللتفاصيل التى وردت بشانه فاننا ننصح القارئ بالرجوع الى الكتاب نفسه لدراسة هذا الموضوع الذي تناوله كتاب ومؤرخون دون ان يفصلوا القول فيه كما فعل الاستاذ الانصاري
وفيما يخص آثار المدينة نجده يشرح كلمة يثرب مستشهدا بعدة اقوال وأمثلة ثم عرف بآثار : أطم الضحيان وبحصن كعب ابن الاشرف النبهانى ، ووادى العقيق ، وسد عاصم وقصره بالعقيق وقصر سعيد بن العاص ، وقصر امارة المدينة المنورة ، ووادى رانوناء ، وآثار جبل سلع وسليع ، وآثار بلدة الصويدرة من مخطوطات ونقوش توجد نماذج منها على الصفحات ١٣٠ و ١٣١ و ١٣٣ و ١٣٤ و ١٣٧ وصور لنقوش ادرجها المؤلف فى الصفحات الموالية وكذلك رسوم للحيوانات التى كانت تعيش في تلك المنطقة
كالبط والظباء والنعام والجمال والتى لا زالت منقوشة على جبل الصويدرة .
آثار الرياض وما حولها
وعن آثار مدينة الرياض يقول المؤلف : " فى مدينة الرياض مبان قديمة عفي عليها التنظيم الحديث لمدينة الرياض وما تبقى من معالم بعض آثارها يحسن أن يحتفظ به كمعالم وكصوى للتاريخ يستدل بها عن عيان ومشاهدة طلاب العلم ، وعشاق البحث العلمى والاثرى والتاريخي فى الجيل الحاضر والاجيال المقبلة ، على ما كانت عليه حال عاصمة البلاد في الاجيال الماضية .
في الحقيقة ان كلام الاستاد الانصارى له أبعاده ولا يشعر به الا من كتبت له زيارة الرياض هذه المدينة ذات العمران الحديث التى يختلف هيكنها وبناؤها عن كل مدن المملكة السعودية ومثلها في جدة البناء وحداثته وروعته مدينة أكدير فى المغرب التى اعيد بناؤها بعد ان زلزلت فأصبح طابعها يختلف عن جميع المدن المغربية فاصبحت بمثابة نيويورك المغرب على حد تعبير أحد الكتاب المغاربة . المهم هو أننى زرت الرياض وأعجبت بمناظرها الجميلة وبنائها الشاهق الذي خطط وفق تصاميم هندسية بديعة ولكن خطرت لى فكرة ، وأنا في زيارتى لهذه المدينة التى استغرقت نحو يومين وبعدها تجولت بمعظم شوارعها ، قصدت أحد الاصدقاء وطلبت منه أن يدلني على الاماكن الاثرية الموجودة بالرياض فأكد لى أن عددها قليل جدا وغير ذى أهمية لكنى لما تصفحت كتاب الاستاذ الانصارى فوجئت بوجود آثار هامة بالرياض مثل قصر المصمك وبوابة ، بيت جويسر ، ودار الاشعة ، وقصر المربع ، ومتحف جامعة الرياض ،
واطلال الدرعية ، هذه المدينة التى توجد بها آثار عربية واسلامية مثل جامع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فاتمنى أن تتاح لى زيارة هذه الاماكن فى سفر قادم لمدينة الرياض الزاهرة .
أما آثار مدينة جدة فهي قليلة على حسب قول الاستاذ الانصارى : ان متحفها نقل الى الرياض بعد انتقال العاصمة الى الرياض ولذلك وجدناه يقول :
" كل الآثار التى اطلعت عليها في جدة ، أيا كان لونها أو شكلها ، لا ترتقى الى العصر الجاهلى ، بل لم أر حتى الآن أثرا شاخصا يرتقى الى صبح الاسلام أو ظهره "
وأقدم الآثار الشاخصة التى شاهدتها بجدة مسجدان هما مسجد الشافعي القائم فى حارة المظلوم والذى شيد عام ٩٤٠ ه ، والمسجد الثاني القديم هو مسجد عثمان بن عفان . أما أقدم عمارة في جدة فهي الدار وقف عبد الله نصيف امام دار الشيخ محمد نصيف بمجلة اليمن . وهناك داران قديمتان فى جدة هما : دار محمد نصيف ، ودار فرج يسر سابقا ، بنيتا فى أواخر القرن الثالث عشر الهجرى أو أوائل القرن الرابع عشر على حسب ما توحى به القرائن التاريخية .
واذا بحثنا في بطون الكتب - يقول المؤلف - فاننا واجدون من بين الآثار القديمة الباقية بجدة مسجد الآبنوس وقبر حواء وهو طويل كمجرى نهر ذاهب الى الشمال بمسافة مائة وخمسين مترا وشكله يشبه قناة مسدودة من طرفها الجنوبي بثلاثة جدران وفيه مكان لرأسها ومكان لقدميها ومكان لسرتها . . وقد ذكر ابن
المجاور هذا القبر فقال : " وما اظن هذه البركة لجدة بمضاعفة اجر الصلاة والصدقة فيها الا من جهة أم البشر حوا صلوات الله عليها لانها مدفونة بظاهر جدة وكان الفرس قد بنوا عليها ضريحا بالأجر والجص محكما فبقى الى سنة احدى وعشرين وستمائة فعند هذا التاريخ تهدم وارتدم بعضه على بعض "
ولو أخذنا بقول ابن المجاور - يقول الانصارى - لاعتقدنا أن خبر حواء المزعوم وجوده بجدة هو أقدم أثر بشرى على وجه الارض ذلك انه يقول : " يقال انما سميت جدة ، جدة لانها دفنت بها أم البشر حواء ) ع ( فهي جدة جميع العالم فلما بني هذا البلد عرف باسم جدة ، أى حواء زوج أبى البشر عليه السلام ) ٥ ( .
ومن آثار جدة الصهاريج التى كانت مخازن الماء العذب في القرون الخالية . والمتاحف التى نقل بعضها الى الرياض كالمتحف الحكومي ومتحف آل باعشن بجدة وآثار وادى بويب
وفي صفحات قليلة يحدثنا المؤلف عن ملامح آثار عسير وهو اسم لقبيلة ، ما زالت موجودة وبذلك ينتهى المؤلف من الحديث عن رحلته الجنوبية .
آثار شمال المملكة العربية السعودية
هذا الفصل استغرق نحو تسعين صفحة من الكتاب حلل فيها المؤلف الظروف التى عاشها في رحلته الاثرية إلى الشمال ففصل أطوار سفره غير ناس أية كبيرة أو صغيرة فاعلا بذلك ما فعله الرحالة ابن بطوطة الذى تعد رحلاته من اشهر ما يدخره التاريخ وهكذا يحدثنا عن رحلته الشمالية التى
١ : ( راجع تاريخ المستبصر ص ٤٨ للمؤرخ ابن المجاور .
ابتدأها من المدينة فالصلصلة فذكر ما راه فى خيبر ووادى الدوم ثم كيف واصل سفره الى أن وصل الى تيماء التى وجد بها آثار مثل طلل قصر السموأل وبئر هداج ، ثم أخذ بعد ذلك يتكلم عن الحجر او مدائن صالح فاهتم قبل كل شئ بشرح معنى كلمة " الحجر " كما ورد ذلك فى القرآن وفي القواميس اللغوية والمؤلفات العربية وفي الدواوين الشعرية والبحوث الاقتصادية ، ومن هنا نفذ الى موضوع عام يتعلق بحضارة ثمود في هذه الناحية .
وفي مدائن صالح يحدثنا المؤلف عن موطن شعيب ) ع ( معتمدا فى ذلك على القرآن الكريم كمصدر أول ومراجع اللغة والتاريخ ، ثم نجده يتساءل هل موطن شعيب فى المملكة السعودية ؟ وبعد استشهاده بأقوال كثيرة لمؤرخين كبار في مقدمتهم ابن خلدون ينتهي الى خلاصة هامة وهى أن شعيبا من أصل عربي وهو رسول من الله لقومه وانه كان يقطن ) بلخيان ( وهي قبيلة كانت معروفة فى الجاهلية القريبة من الاسلام حيث كانت تسكن اخيرا قرب مكة ولا تزال موجودة حتى الآن .
بهذا نكون قد زودنا القارىء بخلاصة وجيزة ومجملة لمحتويات كتاب صديقنا العزيز الاستاذ الانصارى الذى نستسمح سيادته اذا قصرنا فى حقه ، واذا كنا لم نعط الكتاب ما يستحقه من بحث ودراسة
لظروف عملنا الصعبة وتعده بعودة أخرى مع طبعة جديدة ان شاء الله .
من جهة اخرى يلاحظ اننا لم نتطرق الى الفصول التى كتبها المؤلف عن آثار البلاد العربية الاخرى ، واننا اذ نعتذر عن عدم ادراجها ضمن هذا العرض نقول : ان تقديم عرض كهذا لا يمكن أن يستوعب كل موضوعات الكتاب لاسيما ان الصفحات التى تخصص لعرض الكتب في المجلات ) والمنهل على الخصوص ( محدودة ، فاذا زاد عددها ربما تفقد قيمتها ، لان الفائدة فى تقديم الكتب هو تسليط أضواء على المهم فيها ، والذى يريد التوسع يمكنه أن يقتني الكتاب أو يطلبه من صاحبه ان كان غير موجود بالمكتبة كما هو الشأن بالنسبة للقراء المغاربة .
واخيرا . .
أشكر للصديق العلامة عبد القدوس الانصارى عمله وجهوده الموفقة التى بذلها من أجل اغناء المكتبة العربية والاسلامية بكتابه : " بين التاريخ والأثار " وأرجو له كامل التوفيق فى مشروعاته العلمية المستقبلة ولا سيما العمل المقدم عليه كتابة تاريخ مكة المكرمة الذى سيطلع علينا ان شاء الله فى أربعة مجلدات ستكون ذخيرة للباحثين والمؤرخين المشغوفين بتاريخ الاسلام .
) الرباط (
