إن نهضة الشعر العربي المعاصر ، ترتكز كما هو مألوف لدينا على معارك بين قديم وجديد . نشبت هذه المعارك ، نتيجة حتمية لتتويج هذه النهضة بفوز " الجدير بالبقاء " ويظهر أن هذا الصراع قد طال بنا عهده ، وأحذنا نمل زيفه في جدده وتبعيته الذليلة
فبالرغم من أن معركنا في نهضتنا الشعرية العربية لمعاصرة ، قد انحصرت في التفتيش عن القوالب الشعرية والطرق والمناهج ، وهى بمثابة " القشور لمن أراد الخلق والابداع . فقد ارتضينا الركض وراء " فتات "، قوالب إليوت والتفعة الغربية . وكانت هذه الحركة " التبعية " ، قد أهملت النظرة الواعية للتيارات الادبية الغربية المعاصرة ، والتي بهرتنا بواقعيتها التي تريد ، أو بعض شعرئنا يريدون منها أن تقتلعنا اقتلاعا ، وتبعدنا عن واقعنا وذاتيتنا ، وتجعل من أدبائنا وشعرائنا صدى يردد أصداء مفاهيمها وتياراتها ، فتكون بذلك قد أضعنا أنفسنا في هذه المعركة ، وفقدنا مقوماتنا الشعرية أو الشعورية . وكان انتماؤنا " الارادي " الى تلك الواقعية الاوروبية الجديدة ، قد سلخنا عن واقعنا ، وزيف شعورنا ، وجعل من القيم الانسانية عندنا مغالطة كبرى .
وأكاد أقول أن هذا " الانسلاخ الارادى " ، عن الواقع ، لم يخلق لنا في نهضتنا الشعرية المعاصرة شاعرا خلاقا مبدعا اصيلا غير مزيف ، لاننا كنا نفتقد " الادراك الذاتي " لحقيقة وجودنا ، رغم ما تحاول أن تمدنا به واقع حياة الشعب العربي في البلاد العربية في قوة واصرار ، من مادة أولية صالحة لتصوير المشاعر الانسانية بجميع صورها ، بعيدا عن " تبعية "، الواقعية الاوروبية في القوالب والمحتويات .
والواقع أننا لم نعدم - في العالم العربى خلال فترة صراع جديدنا مع قديمنا أو صراع جديدنا مع نفسه ، أدباء وشعراء كرسوا حياتهم لوضع
دعائم لنهضتنا الشعرية العربية الجديدة الحقة ، جاعلين من ماضينا البعيد هاديا لهم غير مقيدين بقيوده ومفاهيمه فكان هذا " البعث الذاتي ، للشعر العربي المعاصر قد وضع الاسس التي يمكن أن ننطلق منها بعيدا مدركين لقيمنا الانسانية الجديدة ، وواعين لما نحن نسعى اليه بعد أن عشنا على العبودية الفكرية عهودا طوالا
وكان رمز " بناة " هذه الوثبة الشعرية العربية المعاصرة ، يرتكز على هذه الدعائم : شعر الذوق الفني والحياة والحقيقة والخيال . لانهم أدركوا انه لا يكون استقرار لقيم جديدة نابعة من ذات الاديب العربي ، المدرك لواقع حياته وحياة من يعيشون حوله . إلا بقدر ايغاله في اكتشاف الواقع والاقتناع النفسي بأنه يستمد هذه الواقعية الشعرية الحقيقية " معنى ومحتوى " ، مما يمده به المجتمع وحياة الشعب .
وما دام الشعر العربي لم يكن يوما عرضا للحقائق والافكار وإنما هو تصوير " لهما وهذا يستدعي خيالا واسعا واحساسا عميقا ؟ وما دم الشاعر العربي يتخذ اللغة العربية الفصحى رائدا له ، وهي لا تجد من يفهمها من عامة الناس فلا بد له من موهبة وثقافة وهو ما يعبر عنه بالذوق الفني ، ما دام هذا كله تفرضه علينا حياتنا الادبية الجديدة فان هذه الدعائم والمقومات - بجانب التمكن من اللغة والصدق في الاداء تكفي الشاعر العربي المعاصرا مشقة البحث عن القوالب والتفعيلات والصياغة التقليدية وهندسة بناء القصيدة .
وهكذا نخرج من هذا الصراع مدركين لقيمنا الحقيقية بدون أن نكون عالة على الشعر الغربى الحديث .

