يكشف الواقع الذي نعيش فى مختلف انحاء الوطن العربي ، ان امتنا تعاني من تخلف عام يسرى سرطانه العميق فى سياستها واقتصادها وحياتها الاجتماعية والثقافية . فالصهيونية تحتل اجزاء من اراضينا العربية ، والاستعمار بشكليه القديم والجديد بفرض سيادته ويحول دون تحقيق كياننا الوطني المستقل ، والرجعية العربية الحاكمة بتعاطفها معه وتحالفها مع الامبريالية تستبد بالجماهير وتقمع طاقاتها وتسلبها حرية التعبير عن نفسها وممارسة حقوقها المشروعة ، والرأسمالية والاقطاع متسلطان متربصان يقاومان كل تيار يتفتح على الاشتراكية ، والمفاهيم البالية والافكار الخرافية تزيد بدورها ربط المجتمع الى اوتاد التقهقر والانحطاط ، وكذلك تفشى الامية والجهل والاعتماد على النقل والتقليد فانهما يمنعان انعقل العربى من الانطلاق فى ميدان العلم الحديث ويؤخرانه عن مسايرة تطور العصر .
وقد ادرك الشعب العربي ان الثورة هى الاطار الذي يمكن ان يحقق فيه وجوده الانسانى وانها الاسلوب الجذرى لتحقيق الحرية السياسية والاستقلال القومي والتحرر من السلطة الاجنبية واسترجاع السيادة وبناء مجتمع تقدمى حر كريم ، وخلق نهضة فكرية وحضارية وابتكار صيغ جديدة للحياة المتغيرة التى نسعى الى اعادة خلقها وتشكيلها . وادرك كذلك ان الوحدة هى الحل الطبيعي لامكان مواجهة تحديات العدو واسترجاع اراضينا المغتصبة ولتغيير واقع الشعوب الممزقة والمفصولة بحدود مفتعلة . وادراك فى النهاية ان الفكر العلمي الثورى هو وسيلة الخروج من التمزق الايديولوجى الذى يعيشه , وبالتالى وسيلة تحقيق كل اهدافه وتطلعاته .
وعلى الرغم من ان الادباء العرب يلتزمون بهذه القضايا المصيرية فى تلقائية وعقوبة نابعين من انفعالهم الصادق واحساسهم العميق وتأثرهم المستمد من حياتهم ومن واقع الحماهير ووجدان الامة ومن مواجعها واهتماماتها ومطامعها العادلة ، فان نظرهم الى هذه القضايا غير موحد يختلف - فكريا - باختلاف رؤاهم وانقسامهم فى تمثل الحلول . منهم من يرى ضرورة الانطلاق من الواقع
وروح العصر ونبذ التراث عامة ، ومنهم من يعتبر التراث وحده السبيل الى التقدم والخلاص . ويتجلى عند هؤلاء موقفان مشابهان : احدهما يدعو الى الاقتصار على التراث العربي والتمسك الاعمى بروح السلف ، ويتحفظ تجاه ما يقدمه الغرب على انه استعمارى ويشك فيه وفي صلاحيته ، بل يرفضه ويعتبره وبالا وخرابا ، والثاني ينطلق من الاعجاب بالغرب ويرى تراثه كل شى وانه المنجى الوحيد ، فيدعو الى الاقتصار على تقليده فى فكره وحضارته ، وفي الوسائل التى جعلته يتقوى وينتصر . وهو بدوره يرفض التراث المقابل , اى التراث العربى ، لانه لم يفض في رأيه الى غير التأخر والانهيار ، وبين هذه الرؤى جميعا يقف نظر الذين يدعون الى المزاوجة بين الاصيل من تراثنا والصالح من تراث الغرب على ان ننظر فيهما من خلال شخصيتنا وفكرنا لا تقليدا لموقف الآخرين منه ، وعلى أن نبدأ انطلاقتنا من الواقع الذى نعيش .
اذا نحن امعنا النظر في هذه الحلول لاتخاذ موقف واضح منها ، الفينا منذ البدء ضرورة رفض كلا الرايين القائلين بالاقتصار على التراث . نرفض الاول لانه يقدس التراث العربي الاسلامي ويجمد عنده ولا يحاول التفتح على الثقافات العالمية ، بل يبالغ فيتكلف ارجاع المخترعات والمكتشفات والنظريات العلمية وحتى المذاهب والاتجاهات الاوروبية فى الفكر والادب الى اصول عربية . ونرفض الثاني لانه لا ينظر الى تراث الانسانية ولانه يرتمي فى احضان التراث الغربى ارتماء كليا ومطلقا ، وهو تراث مرتبط بوجود اجتماعى غير وجودنا وبواقع تاريخي غريب سيفصلنا لا محالة عن قضايانا المصيرية والمشاكل النابعة من صميم مجتمعنا ، وسيسلبنا القدرة على مواجهتها كما سيسلبنا مقومات النضال فى المعركة التحررية التى لامناص من خوضها ، وسنظل ان حاولنا المواجهة - ابتداء منه - بعيدين عن المنطلقات المتجذرة فينا ومجرد سابحين فى الاوهام وخاسرين الى الابد . ثم ان اخذ كل ما عند الغرب يفرض علينا ان نقتبس الازمة الفكرية والحضارية التى يتخبط فيها والتي ان كانت ملائمة للبيئة الغربية فهى تختلف كل الاختلاف عن مناخ بيئتنا .
ورفضنا لهذين الحلين لا يعنى آننا نرفض التراث مطلقا . ذلك أننا لا نرفضهما لانهما يعتمدان التراث بل لانهما يتعصبان له ويقدسانه ويتحجران متقوقعين داخل حدوده لا يتعديانها لما سواه . اما التراث فى حد ذاته وكمنطلق وحجر اساس فانا لا نرفضه كما سنبين بعد . ولعلنا ان نقف قليلا عندما مضمونه لنوضحه ونتفق عليه ثم لندير الحوار بعد ذلك دون خلاف .
فالتراث الحق ليس هو كل الماضي او ما صدر عن الاجداد دون تحديد , ولكنه الجانب المضبئ منه الذى يكشف عن الظواهر الثقافية والحضارية التى وصلت على مر الاجيال عبر فترات تطورية متعددة كانت تتجذر فيها وتتجدد وتتغير بخصوبة وتلقائية متأثرة بما تعانق او يعانقها من ظواهر ثقافية وحضارية أجنبية ، وهو كذلك الجانب الذي يمثل انماطا من وعي الانسان العربى ومراحل من واقعه ووجوده الفردى والاجتماعى خلال التاريخ ، ويعبر عن الذات العربية وتجربتها ويعطيها مميزاتها ويذكر بوجودها ويبرز ملامح شخصيتها واصالتها الذاتية ويحدد منظورها القومى الخاص . هو بهذا ملك للامة وجزء من وجدانها به نستطيع التعرف الى التغييرات التى طرأت عليها والى الشروط التى يمكن ان تصنع فيها تاريخها او تستمر فى صنعه .
واذا كان تراثنا غنيا فى فترات ازدهار امتنا فكرا وحضارة ، فانه ناضب فى فترات التقهقر والانحطاط ، حيث تعرض لهزات بترت حلقاته بل كادت نقتلع جذوره الضاربة فى اعماق التاريخ وفي اعماق الانسان والارض . ومن اخطر هذه الهزات تفكك الامة العربية وانقسامها والتدخل الاجنبى الذى فرض وجوده عليها ، وما نتج عن ذلك من انهيار عام شيأ الانسان العربى وطبع فكر بالجمود والسكونية وجعله يعاني من الانفصام وعدم التماسك والتجد والاستمرار ويجرد من كل ما يجعله مؤثرا حضاريا فى وجدان الامة . وقد كا الاستعمار اخطر تلك الهزات اذ عمل على تمزيق الروح القومية وتشتيت الشخص الوطنية وتبديد ملامحها وتفتيت الوحدة ، كما عمل على تجميد طاقاتنا الخلاق وقتلها ومحو كل ما ابدعته امتنا واجبارنا على التقليد والنقل وتنمية روحهم واستغلال الدين فى تجميد العقول ، وعمل كذلك على تشويه تراثنا وابراز الفاسد منه والترويج له ، فانكر دور العرب الايجاب فى تاريخ البشرية حضار وثقافيا ، ولجأ إلى تاريخنا فطمس الجوانب المشرقة منه وكشف فيه عر الجوانب المظلمة وعزا ظلاميتها لاسباب وعلل سلبية كانحراف وقصور العقلية العربية ذاتها . وبهذا وعن طريق محو تاريخ الامة العربية وتشويه حاول مح وجودها نفسه وتشويهه
من هنا يبدأ الذين يدعون للمعاصرة فى مفهومها الضيق اى الى مساوقة العصر والتفاعلى معه وتجاوز الماضى واعتبار الحاضر وحده البعد الزمني للانطلاق . وهم يرون الا حاجة بالرجوع الى اصول الاشياء ، وانه يكفى الاقتصار
على ماله علاقة مباشرة بالحاضر وما يفيد فيه فحسب ، ويعتبرون التراث شيئا هامدا منتهيا لا قابلية له للتحرك والتطور والتفاعل والتأثير ، وان الاعتماد عليه لا يعنى غير الرجوع الى الوراء ، ويستغلون الهزيمة ذريعة للحكم عليه بعدم الصلاحية ، وينادون بضرورة الدفع الى الامام بتفجير الواقع الثورى وقوى الجماهير النضالية .
وفكرة البدء من الواقع لا تعنى فى حقيقتها غير البدء من الصفر فى انطلاق مشتت غير موجه يعتمد الخلق الكلى والابداع المطلق ، طالما انها تنبد الماضى العربى وكل تراث الانسانية ، اى تصفية النفس تاريخيا وحضاريا ورفض الذات الوطنية والقومية ، وهو مالا يتفق مع اتجاه الجماهير فى النضال التحررى القائم على الوعى الوطني والاحساس بالكيان التاريخي الذاتى والانسية القومية
ثم اى واقع هو ؟ انه واقع ملطخ بعار النكبات والهزائم المتتالية والتخاذل والاستسلام ، لا يكشف عن غير الانهيار المطلق والانسحاق التام ، يشيع الدل والبؤس والتخلف ، ويقوم على كيانات هشة متمثلة فى اقليات واقليميات وحدود مصطنعة تحول دون الوحدة والقومية وتحول بالتالي دون تحقيق النصر فى معركة المصير .
والحق ان الذين يرون ان الانطلاق لا يمكن ان يكون الا من الحاضر مأخوذون بما وصل اليه الغرب من تقدم علمي وتقني ومعجبون الى حد انهم مبهورون لا يستطيعون ادراك سلبياته وانحرافاته ، ولا يقدرون على التمييز بين ما ينفعها وما يضرهم في فكره الذى اوشك عصر ريادته على الانتهاء ، وهو فكر يعاني من ازمات ورد ضد العقل والعلم والتجريب والتحليل والمادية والآلية ونحن في نهضتنا الحالية مازلنا بحاجة الى هذه المقومات ولكنا مع ذلك نروج لافكار ومذاهب لا تتفق مع متطلبات هذه النهضة وتطلعاتنا التغييرية ، وان كانت تتفق مع حياة الغرب لانها ولبدة بيئته وظروفه الخاصة ولانها تمثل مرحلة من مراحل تطوره . وهم نتيجة ذلك يستصغرون انفسهم ويحتقرون فكرها وتاريخهم وشخصيتهم وطبيعتهم ، ويشلون بالتالي قدرتهم على التجديد والابتكار
وبعض هؤلاء يرجعون فكرة الوطنية وظاهرة القومية الى اوروبا ، ويرون ان العرب لم يعرفوها الا بعد اتصالهم بالغرب ويعتبرون ان ثقافتنا فى الماضى خالية من الاصالة ومن الصيغة القومية ، ويحتجون لذلك بان البراعة كانت
عند العرب في التقليد وفي محاكاة اشكال ونماذج ثابتة . وفات اصحاب هذا الرأى ان يعرفوا ان العرب مارسوا الحياة الوطنية والقومية قرونا طويلة ابان ازدهار دولة الاسلام حين كان الغرب نكرة لا يذكر ولا وجود له ، وفاتهم ان يعرفوا كذلك ان الاصالة او الصبغة القومية المميزة تلقائية فى الثقافة نابعا من نفس مضمونها وشكلها العربي الاسلاميين ، وان التقليد لم يكن طابع كل منتجى الثقافة لانه تم يصدر الا عن المنتجين الاوساط الذين لم تكن لهم قدرة على الثقافة لانه لم يصدر الا عن المنتجين الاوساط الذى لم تكن لهم قدرة على الخلق ، ثم لانه كظاهرة يقتضى وجود انماط ابداعية ممتازة تتخذ نماذج ينسج على منوالها . ولم يتسع نطاق هذه الظاهرة الا بعد ان تجمد الفكر العربى وبدأ يميل الى الانهيار .
وكثيرا ما نسمع من بعض القائلين بالمعاصرة الدعوة الى العالمية ، واعتبار القومية او الاصالة انغلاقا وانعزالا وتعصبا لم يعد له مبرر بعد ما انفتحت الآفاق واسعة امام الانسانية وبحكم ظروف التقدم التكنولوجى وما ترتب عنها من تحويل فى القيم والمفاهيم .
ولكن اية عالمية هاته التى يدعون لها ؟ انها لا تخرج عندهم عن نطاق " الاوروبية " فى حين ان العالمية الحق هى التى تستقى من الفكر الذى انتجته كل الامم والشعوب بما فيها امم وشعوب العالم الثالث الذي نشترك واياه فى كثير من الملامح والقضايا والتجارب . وهى لا تستطيع ان تكتسب ابعادهم الحقيقية اذا هي لم توسع رقعة تفتحها الفكرى والحضارى لتتحاور وتتفاعل مع كل مبدعات الانسان .
ومن حقنا : وواجبنا كذلك - ان نساهم فى اعطاء العالمية معالمها الحقيقية ولكننا لا نستطيع طالما أننا متخلفون وطالما اننا نسير فى ركاب الآخرين ومع ذلك فاذا كان الاخذ من ثقافة العصر الغربية ضروريا للخروج من التخلف فان ينبغى ان يكون مرهونا بفترة زمنية معينة ، لانه من غير الطبيعى ان نستمر فى الاخذ والتقليد ، مما يستدعي البحث عن ارضية تكون منطلقا لطاقاتنا وامكانياتنا الذاتية نحو ابعاد الخلق وآفاق الابداع .
ويبدو ان معظم المتحمسين للمعاصرة يعتبرون ان لهذا الجيل من ابناء العروبة عقلية خاصة ووجدانا متميزا وشخصية مختلفة بسبب الظروف التاريخية والواقع الاجتماعى وتفاعلاته الثقافية والحضارية وبسبب مشاكله وقضاياه وحاجيانه
وتطلعاته . فهو لهذا وغيره يرفض الامتنان لسا بقيه والاعتراف لهم بانهم علموه او قدموا له كثيرا او قليلا ، ويريد ان يعتمد على نفسه ويعتبر انه نتاج نفسه وجدها لافضل لاحد عليه . وهذا ما يترجم عدم اعترافه بالماضى ونبده للترات اجمالا وتفصيلا .
وعلى الرغم من ان اغلب هؤلاء من الذين يعبرون بالشعر الحديث او القصة والرواية والمسرح والتشكيل اى بانماط لم يستقوها من التراث العربى , فانه لاحدال انهم اقتسوها من التراث الاوروبى . على ان الشئ الذي لا ينبغي اغفاله هو ان الانسان - والمنتج خاصة - لابد متأثر بتجارب غيره وان كان لا يعي دائما ما يعمل فيه من مؤثرات . ثم اننا لسنا بدعا من الامم والشعوب ، لا وجدنا من العدم ، بل لنا جذور ضاربة فى اعماق الماضى البعيد ولنا امة عريقة كانت دوما تتفاعل مع غيرها من الامم فتستمد منها ما يوافقها وما تستطيع هضمه وتمثله وترفض غير ذلك مما لا يوائمها ، وليس فى امكاننا تاريخيا وجدليا ان نتجرد او ننكر هذا التفاعل .
واذا نحن امعنا النظر في هذا الجيل الفينا انه بدأ مع نكبة 48 وقوى واشتد عوده بثورة 52 ، ولكنه فى الواقع اصيب بخيبات متعددة كانت لها ردود فعل انعكسست على نظرته للماضى باعتباره الشئ الوحيد الذى يملكه ويستطيع مواجهته . فهو مازال موزعا بين نظريات ومذاهب واتجاهات لم يوفق الى تكوين ايديولوجية يستقر عليها وان كان ميله قويا الى الماركسية . ولم يتح له بعد ان يزاول عملية التغيير الجذرى او بالاحرى عملية تنفيذ الثورة وممارستها مباشرة وهو يعاني من تمزق فى صفوفه على النطاق القومى نتيجة التمزقات التى تفتك فى الامة العربية على صعيد السياسة والفكر وما يترتب عنها من انعدام الحوار بن المثقفين العرب التقدميين . ويعاني كذلك من الكبت والخنق والضغط والقمع ما يكبله ويشل طاقاته ويحول دون انطلاقه . ثم هو لم يتمكن بعد من الالتحام بالحماهر لقيادة قاعدتها فى تنظيم سياسي شعبى يكون هو طليعته القيادية .
ولو حاولنا ان نحلل فلسفيا فكرة " الحاضر " للنظر فى امكان تحديد بعده الزمني لالفينا انه يكاد يكون غير موجود الا مرتبطا بالماضى والمستقبل . فهو لمحة سريعة خاطفة ومتناهية المحدودية لا يعيها الانسان حتى تفلت منه وتصبح ماضيا لا إمكان لاسترجاعه وممارسته مرة ثانية لان الزمن يدور ويجرى و يتوقف ابدا . ولو كان الحاضر موجودا بالفعل لكان ضربا من الثبات والجمود
وتوقيفا لدولاب الصيرورة وتصنيما لحركة التاريخ فى لحظة معينة . واذا كان الحاضر يمثل فترة الادراك الحسى السابقة لفترة الوعى فانا لا نستطيع تصوره الا اذا دخل وعينا ، ولا يدخله الا اذا ملاته اشياء ملموسة اى اذا اصبح ماضيا . فهو فى حقيقته ليس غير حصيلة الماضى او لحظة منه لا توجد الا فيه ومختلطة معه .
والوجود تناقض وصراع بين الماضى والمستقبل ما فى ذلك شك ، اى بين طرفى حدود الانسان المشدود دوما الى الماضي يجذبه اليه ، والى المستقبل يغرية بالاقبال عليه . هو يحقق ذاته بالتحرك نحو المستقبل انطلاقا من الماضي اما لاعادة تحقيق رقبة سبق ان حققها فيه اى بدافع النشوة ، واما لتعويض خيبة فى ادراك شئ اى بدافع التغلب على هزيمة او حرمان تعرض لهما فيه وهو فى كلتا الحالتين يشعر بان الماضى عبء يثقل كاهله لو استطاع لالغاه حتى يستطيع الجرى خلف المستقبل ، على الرغم من انه لا يعرف ما يخبئه له ولكنه يشعر فى نفس الوقت بان الماضى هو الذى يبعث فيه روح المحاسبه ويقوى عمل الضمير .
والانسان فى هذا الصراع يحاول ان يحقق وجوده فى الحاضر اى فى لحظة آنية يجمع فيها بين تجربته فى الماضى بما فيها من نجاح وفشل وتطلعه للمستقبل بما فيه من امل وجزع . وبهذا يستطيع ان يعيش الحاضر ويطيل فترته ، كما يستطيع ان يحس بالغاء الزمن والتغلب على محدوديته . وهو فى الواقع انما يوهم نفسه بذلك لأن قانون الصيرورة يأبى الا ان تكون الحياة حلقات مرتبطة بين ماض ومستقبل متتابعين . والذي يحيا فى الحاضر وحده هو الذى لم يعش ولا امل له فى ان يعيش اى لا ماضى له ولا مستقبل باعتبارهما وسيلة وغاية فى الحياة .
وهذا الامتداد بينهما هو الذي يعطى الانسان ممكنات وطاقات ليتغلب على نهائية حياته ، ولينطلق من قيود الزمن فى لا نهائية مطلقة لا تحد فى الماضى الا حين تحد معرفته به ولا تحد فى المستقبل الاحين يسد الافق امامه .
فالماضى هو الشئ الوحيد الذى يمكن للانسان ان يمتلكه بل ان امتلاكه مفروض عليه مهما حاول رفضه او التخلص منه لان يعيش فى اعماق كيانه . وكل ما يستطيع هو ان يغير نظرته اليه بان يعيد تفسيره وتحليله وتقييمه على اسس جديدة تبث فيه الحياة وقوة التأثير وتفتح عين الانسان وقلبه عليه ليقبله ويرضى عنه ويشعر بانه يداخل ذاته .
وبهذا ننتهى الى ان الارتباط وشق بن الماضي والحاضر والمستقبل فى علاقة جدلية حتمية تجعل الماضى منعكسا على الحاضر ومؤثرا فى المستقبل وتجعل بذلك حركة التاريخ حركة كلية لا تتجزا ولا تنفصل الازمنة الثلاثه ولا يبقى من ابعاد بينها الا بعد واحد للانسان هو الذي يقاس بما يتحمل من مسؤوليات ويحقق من اكتشافات وسدع من اعمال . وننتهى كذلك الى ان الانسان مهما حاول ان يصل الى تحقيق وجوده من خلال صراع ذاتى وانطلاقا من الواقع المعاش ، فانه لن نستطيع ذلك بعيدا عن الناس وعن العالم وعن الوجود الانسانى الزاخر بالتجارب والمواقف .
وحين ننظر فى واقعنا العربى ، نجد ان تجربتنا التاريخية فى الماضى البعيد والقريب هى الاطار الذى يستطيع ان يعيد بلورة هذا الواقع على الشكل الذى يمكننا من التخطيط لمستقبل بغنيه الماضى باضافات ، دون ان يفقده جدته ، ابداعيته . واخشى ان لم نفعل ذلك ان نقع فى الارتجال والاغتراب والاستلاب الفكر وحضارة القوى التى تفرض سيطرتها ونفوذها علينا وتفرض على حاضرنا ان يسير فى غير مجراه الطبيعى وتفرض علينا حلولا لقضايانا الملحه نتحول بها عن معركتنا المصيرية الحقيقية .
اننا مطالبون اكثر من اى وقف مضى بالبحث فى هذه القضية الجذرية واتخاذ موقف موحد وايجابي من التراث والمعاصرة يمكننا من حل معادلتهما المزمنة . ويقتضى البحث فيها امرين :
اولا - ان نعي ذاتنا ونعرف من نحن ، ونحصر ما عندنا من مقدرات وممكنات وتحدد الظروف والملابسات التى احاطت وتحيط بنا ، ونرسم على ضوء ذلك الاهداف ووسائل تحقيقها . لن يتم لنا ذلك الا بوسيلتين . الاولى : تحليل فكرى لواقعنا وللمرحلة التاريخية والحضارية التى تجتاز امتنا ولطاقات النضال الجماهيرى وقوى الثورة الصاعدة ، ليس فى هذا البلد او ذاك فحسب ولكن في كل اجزاء الوطن العربي ، حتى نغنى تجربة التحرر وحتى تكتمل لنا رؤيا عربية موحدة . الثانية : البحث عن الاصيل من تراثنا ، ليس بما يجعله عامل تجميد لنمونا الحضاري والثقافى ، بل لتدعيمه وتطويره وادماج الصالح منه مع حاضرنا في وحدة نكيف بها المستقبل ونشرف منها عليه وهنا كذلك الح على ضرورة اعتبار تراث جميع العرب دون الاقتصار على ما صدر فى بلد دون آخر .
ثانيا : ان نأخذ من فكر الغرب ومن جميع ثقافات العالم وحضاراته القديمة والحديثة ما هو ايجابي وما من شأنه ان يقوى فكرنا الثورى ويدفع بنا الى
الامام ، ولا سيما ما انتجته البلدان المتقدمة من حركات فكرية ومدارس فلسفية معاصرة ، وما صدر عنها فى عصور النهضة والاحياء حين كانت تمر بمرحل شهة يمرحلتنا الراهنة وتجتاز ظروفا حضارية مشابهة ومسارا تاريخيا قريب مما نجتاز لنستفيد من تجاربها فى قضايا التطور التى سبقتنا اليها . ويتحتم علينا هنا ان نكشف بعمق عن الجانب الذي نقلته اوروبا عنا وعن غيرنا ابار حركة بعثها ، ودراسة هذه الظاهرة بما يمكن ان يكشف عن وجوه شبه نقط التقاء قد تفيدنا الآن ونحن نحاول منها ان نتعلم وينبغى ونحن نأخذ من العالم ان نتخذ موقفا نقديا مما نأخذ حتى لا نكون مجرد مقلدين واصداء ، وان الفعل دون تعقيد او احساس بأي مركب ، لان طبيعة الثقافات والحضارات انها نقوم على الاخذ والعطاء وعلى التفاعل والتبادل .
ومهما بدت معادلة التراث والمعاصرة صعبة او معقدة فانها فى حقيقتها ليست كذلك . فقد سبقتنا اوروبا الى حلها بل حلها العرب قبلها حين اتصلوا بما عصر الفتوح الاسلامية بغيرهم من الامم والشعوب ، وحين التقت حضارتها وفكرهم بحضارة الفرس وفكر الاغريق ، وعرفوا كيف يدمجون فى تراثهم م يأخذون عن الآخرين ويصهرون القديم والجديد فى بوتقة واحدة استطاعوا بها ان يحافظوا على وحدة شخصيتهم . ولجأوا فى ذلك الى الترجمة والاقتباس والى اخضاع اللغة لتقبل كل ما هو جديد وتطويعها لذلك بعيدا عن التصب وانتقديس ودون الاحساس باى نقص ، والى جعلها وما ينتج عنها من فكر وحضارة اوعية تمتص داخلها كل جديد فى غير معاناة من الازدواجية التي تعالى منها الآن ، والى اتخاذ موقف من كل من يأخذون على عكس ما نفعل نحن له نكتفي بالتعرف الى الفكر الغربى عرضا وتحليلا والترويج له كما يشاء اصحابه فى غير قليل من الاعجاب والانبهار دون استيعابه بوعى وعمق ودون نقده او رفض ما هو سلبى منه .
ان العيب ليس فى اننا لم نجد فى التراث شيئا يمكن ان نفيد منه ، ولكن العيب فى اننا نعانى من الازدواجية بين الوعى بالذات والتبعية للغرب وحتى بن ظاهرنا والباطن ، واننا لم نستطع ايجاد نقطة تكون فى نفس الوقت نقط نوازن بين فكرنا والفكر الاوروبى والعالمى . والعيب كذلك اننا لا ننقل بوعى ولا ننظر بعمق وبرؤيا علمية ومن خلال ذاتيتنا وتصورنا الخاص . والعيت بعد هذا اننا منعزلون عن بعضنا وعن الجماهير ومنقسمون سياسيا وفكر يا ، لا نستعمل نفس اللغة ولا نؤمن بقضايا واحدة . والسبب فى ذلك كله اننا لم نتمكن بعد من الحرية الكافية لمعاملة تراثنا وللاختيار بين
الفكر العالمي نفسه لاننا كحكومات ودول تابعون للقوى الاجنبية التى تسيرنا من قريب او بعيد وتفرض علينا ولا تترك لنا حرية الاختيار بل تواجهنا بغزه فكرى منظم تفرضه علينا مثل ما تفرض غزوها السياسي والعسكرى والاقتصادى ولاننا كشعوب وافراد مضطهدون ومقهورون ومكبلون نعانى من وطاة اوضاع سياسية تواجهنا فيها الرجعية بأنظمتها اللاديقراطية القائمة على الحكم الفردى المطلق وبفكرها التقليدى الذى يسعى عن طريق تقديس الجانب الفاسد من نرائنا الى اجبارنا على قبول تلك الاوضاع باعتبارها قدرنا المحتوم لاحق لنا فى مراجعتها فضلا عن تغييرها من الجذر .
لذا فليس غريبا ان تكون الحرية هى اول هدف يجب ان نناضل من اجله , وان تكون قضايانا المصيرية مرتبطة باتحرر من الاستعمار والتبعية الاجنبية ومن الانظمة الرجعية والدكتاتورية ، وبتتحقيق الشاملة وتغيير المجتمع العربى بما يجعله يسير فى تطور وتفتح نحو الديمقراطية والاشتراكير وليس غريبا بعد هذا ان تكون قضية فلسطين التعبير الحقيقي والعارى عن جميع الامراض التى تفتك في جسم الامة العربية وان يكون الظفر فى معركتها المصيرية رهنا باستئصال جذور تلك الامراض .
واذا كنا - بعد ان كشفنا سلبية المعاصرة حين يضيق معناها ويقتصر عليها فى غير حاجة الى اثبات ايجابيتها من حيث انها تمثل الانطلاق من واقع يتحل نحو تفجير الطاقات النضالية الثورية للجماهير ، فان السؤال الذى يطرح نفسه بالحاح هو : هل يوجد فى تراثنا جانب ايجابي يمكنه ان يخدم قضايانا ومعركتنا المصيرية ؟
وطالما ان الحرية هى الاداة وطالما ان الثورة هى الاسلوب ، ثم طالما ان الوحدة هى السبيل للمواجهة الجدية والنضال الحق والنصر فى المعركة لا محالة بعد ذلك ، فان البحث فى التراث ينبغي ان بوجه للكشف عن كل ما يعزز هذه المقومات .
اما الحرية فليس من شك فى ان تراثنا الادبى والفلسفى عامل ايجابى لاذكاء روحها فى نفوسنا افرادا وجماهير . وقد قدمت عنها للمؤتمر المووق بحثا مستقلا حاولت فيه ابراز مواقف مختلفة من الحرية فى ادبنا العربي القديم وتحليلها والاستنتاج منها واستخلاص ما يمكن ان يقوى منظورنا لها ، وان اختلفت الدوافع والمنطلقات نظرا لاختلاف الظروف والاحداث .
واما الثورة ففى تاريخنا ما يكشف بوضوح عن تيارها الوطني الذي كان دوما يمد جماهير امتنا بالقوة والفعالية ، والذي يمكن ان نستفيد منه ونحر نريد ان نحقق ثورة عربية اصيلة . ويتمثل هذا التيار فى الانتفاضات الشعبية التى كثيرا ما اغفلها المؤرخون الرسميون ومنشؤو التراث المدرسي او لم يغفوها ولكنهم تعرضوا لها باعتبارها فتنا وحركات فوضوية تخريبية لم تتوان الامر الحاكمة فى قمعها واخمادها . وقد احتفظت لنا الجماهير بالملامح والاصداء الحقيقية لهذه الثورات فيما انتجت من تراث شعبى . والاسف ان الدراسات المعاصرة لم تعط هذا التراث حقه من العناية ، بل مازال بعض مفكرينا يرفضونه ويرونه لا يعكس غير جوانب التأخر والانحطاط . وهو فى حقيقته - والادب منه خاصة زاخر بتمجيد البطولة والتغنى بالحرية ، يبرز الوجدان الجماعى ويحافظ على الكيان القومى ويرفض التدخل الاجنبى ويواجه استبداد الحكام فى تأكيد على المقاومة والجهاد وحث على الاستشهاد والنزوع الدائم الى التغيير والى الافضل والاحسن .
والثورة تقتضى بناء فكر ثورى علمى يستهدف التغيير من الجذر واعادة البناء السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى على اساس ايديولوجية تبلور سمات وجودنا وشخصيتنا القومية وتلببى مطامح امتنا فى التحرر والتطور والتقدم ، بعيدا عن الشعارات التمويهية المفرغة من اى مضمون حقيقي للثورة . واذا كان لابد لهذه الايدولوجية ان تستمد من مقتضيات واقعنا المتوثب فانه لابد لها كذلك ان تستمد من التراث ما فيه من جوانب تقدمية ومضامين انسانية ، مخلصة من كل الرواسب والمؤثرات التى حاول الاستعمار دسها فيه لطمس معالمه المشرقة ، ومخلصة ايضا من قيم التواكل والخنوع والاستسلام واللا ارادة التى فرضتها الرجعية على العقلية العربية .
وليس من شك ان الكشف فى التراث الفلسفى عن الفكر السياسى والنظريات الديمقراطية وعن العقلية العربية واطوار تجربتها لما يعطى هذه الايدولوجية منطلقات ويضفي عليها ملامح اصيلة ، وكذلك التراث العلم الذي لا تغنينا معرفة تاريخ تطوراته واكتشافاته بقدر ما تغنينا معرفة المنهج الذي سلكه علماؤنا فى مختلف الميادين العلمية وكيفية تطويع اللغة لاستبعاب حتى التراث الدينى - باعتباره وعاء ومحور ثقافة وحضارة غنيتين - يمكن ان يرفد هذه الايديولوجية ، إذا ما حلل ونقد عقيدة ونصا ونقي من كل ما يتخذ فيه للشعوذة والتخدير وتثبيت حكم الاقطاع والرجعية ، واذا ما كشف فيه عن الجانب التقدمي الثورى لخدمة قضايانا المصيرية .
والفكر الثورى لا ينهض بدور التقييم فقط ، ولكنه ينهض كذلك بدور توجيهى بحدد الاهداف ويخطط الوسائل ويوضح الآفاق ويكشف الابعاد , وهو لذلك ليس جزءا من الثورة الشاملة فحسب ، ولكنه الضمان الحقيقي لنجاحها واستمرارها سليمة ومتكاملة .
ثم نصل الى الوحدة فنجد انها ضرورة عصرية تقتضيها ظروف المعركة التى يتطلب قرينا منها قربنا الى بعضنا ، وانها فى نفس الآن مسؤولية تاريخية تجعلنا مخبرين بن ان نوحد او ننهار . وما احوجنا فى الظروف الراهنة إلى ان ندرك وجودنا القومى وكيفية التعامل معه ، وندرك ان انقسامنا بشكل اخطر ثغرة ينفذ لنا منها الاعداء .
والوحدة ليست حدثا مستجدا او ظاهرة مرتجلة ، بل هى طبيعية لها اساس تاريخي وجذور ضاربة فى اعماق الحياة العربية . وهي حقيقة تاريخية ، واقع كباني رغم حملات التشكيك التى يشنها خصوم الوحدة وبعضهم للاسف من العرب . ومع ذلك لابد من الكشف عن دوافعها وعن دعائمها المتمثلة فى عناصر التراث المتناقلة عبر الاجيال والمتطورة خلال العصور ، وتتلخص في الحيثات المشتركة وعناصر التقارب التى كونت امتنا من جنس وتاريخ ولغة ودين وثقافة ووجدان ومواقف وقضايا مصيرية مشتركة . حتى هذه الحدود التى تفرق بين مختلف اجزاء الوطن العربي يكشف التاريخ انها مصطنعة غير طبعية ، وانها اما من صنع الاستعمار كما هو الشأن بالنسبة للحدود الفاصلة بين بعض بلدان الشرق الاوسط واما ناتجة عن ضعف روابط الوحدة وزاد الاستعمار فعمقها ، كما حدث فى الشمال الافريقي بعد انهيار دولة الموحدين فى اوائل القرن السابع الهجرى ، حيث قامت وتعاقببت على انقاضها دويلات ظلت ومازالت تقتسم الحكم .
والوحدة لا تقتضى البحث عن مواطن الالتقاء بين العرب فقط ، بل تقتضى البحث كذلك عن مواطن الاختلاف لتفاديها او لتعويضها وملء ثغراتها كما تقتضى تاريخيا معرفة المراحل التى تكشف عن معاناة الامة العربية لتحقيقها ، ومعرفة المشاكل القومية التى واجهت امتنا خلال التاريخ والتى لم تجد لها حلا غير التجمع في تكتلات وقوى موحدة ، ومعرفة مراحل التدخل وفترات الضغط الذى كان يمارس على العرب لتفتيتهم .
ولو تصفحنا التاريخ لوجدنا ان الروم كانوا يغيرون على العرب كلما دخلوا بينهم فى نزاع ، ولوجدنا كذلك ان العرب عاشوا ازهى فترات تاريخهم على
عهد الوحدة . ويكفى ان نرجح للحروب الصليبية - وهى كبيرة الشبه بمعركة فلسطين - لندرك هذه الحقيقة ، وهى ان تلك الحروب قامت مستغلة تفكك العرب وانقسامهم - ولا سيما فى بلاد الشام - الى دويلات وامارات صغيرة . ومستغلة كذلك ضعف الفاطميين فى مصر وانشغال الشمال الافريقى فى حروبه بالاندلس . وحين واجهها العرب والمسلمون مشتتين لم يستطيعوا ردها ، ولكنهم استطاعوا حين وحدوا صفوفهم . وتاريخ صلاح الدين شاهد على انه انتصر على الصليبيين بفضل الوحدة التى ضمت مصر والشام والحج واليمن والجزء الليبي من الشمال الافريقي .
وقد مر العرب بتجربة وحدوية من نوع آخر حين كانوا - باستثناء المغرب وعمان يعيشون نوعا من الاتحاد الاجبارى او الوحدة المفروضة من الخارج تحت حكم الامبراطورية العثمانية ، استمر من القرن السادس عشر حتى نهاية الحرب العالمية الاولى ، وان بدأ يضعف فى اواخر القرن الثامن عشر ليفسح المجال للتدخل الاروبى .
والمغرب كان نزاعا الى الوحدة ، يشهد تاريخه الطويل انه كان دوما يتحرك ويتطور فى اطار قومى نحوها . ويكفى لندرك هذه الحقيقة التى يحاول طمسها اعداء العروبة والوحدة فى بلادنا ان نذكر عهد الفينيقيين الذى استمر قرونا فى المغرب قبل الاسلام وعهد المرابطين والموحدين فى القرنين الخامس والسادس الهجريين ، وكانت الوحدة فيه تشمل الاندلس وكل بلاد الشمال الافريقي حتى حدود مصر .
وتبقى بعد هذا قضية فلسطين باعتبارها قضية تاريخية لا يمكن النظر اليها ولا فهمها بمعزل عن تاريخها وتاريخ العرب فى المنطقة ثم تاريخ اليهود واليهودية ، حتى تكون معركتنا المصيرية من اجل تحريرها منسجمة مع نضالية تاريخنا واستمرارية ثوريته ، وحتى نخوضها واعين هدفها وفعاليتها ومقتنعين بحقها وشرعيتها المستندين الى الوجود الاجتماعى والواقع التاريخي ، وحتى نكون مؤمنين ويكون الضمير الانسانى مؤمنا كذلك بحقوق العرب فى هذه البلاد .
ونحن بحاجة الى ان نفهم بعمق عقلية العدو الصهيونى وسلوكه خلال التاريخ لنفهم ما يتمملكه من مركبات الفوقية والانانية والاستعلاء الجنسى باعتباره شعب الله المختار او الشعب الاله كما يزعم ، ولنفهم الانحرافات
التى اصابت التعاليم الموسوية على يده والتى بلورت مشاعر الطمع والجشع والغلظة والتعصب والغرور والانزواء ، ولنعرف ما تعرض له من هزات التشيت وازمات التفريق منذ عهد الفرس والرومان قبل المسيح ، ولنعلم انه مع ذلك يعتبر كل شبر من الارض عاش او وجد فيه جزءا من الوطن الصهيونى لابد من امتلاكه .
ونحن اليوم اكثر من ذي قبل بحاجة الى ان نعرف الحقيقة العدوانية للصهابنة ، ويذكر لهم التاريخ مذابح شنيعة اقاموها ضد غير اليهود اشهرهم محزرة سنة 115 م حيث ذبحوا ازيد من خمسمائة الف ما بين مسيحيين وتئسن ، ومجزرة سنة 134 م وفيها ذبحوا ما يزيد على هذا العدد بمئات الآلاف . ومع ذلك كانوا يفشلون فى اقامة كيان لهم وكانوا فى احسر الاحوال يرحلون الى البلدان المجاورة فيقيمون فيها ويذوبون فى كياناتها حفاظا على مصالحهم المادية ، وان كانوا لا يخلصون فى المواطنية ، كما حدث لهم حين هاجروا إلى اليمن والجزيرة العربية ، فقد كانوا حلفاء وعملاء لاعدا العرب ، وتاريخهم مع المسيحية معروف ، وكذلك مع الاسلام ، اذ كانوا ينكثون المهود ويلجأون الى الخداع والغدر والكيد ومحاولة تفتيت وحدة المسلمين . ويكفى لاثبات ذلك ان نشير الى نكثهم لمعاهدة الرسول معهم بعد الهجرة الى يثرب والى ما كان له مع بني قينقاع وبنى النضير وبنى قيظة ثم مع يهود خيبر .
ومع ذلك كان المسلمون - سواء فى المشرق او المغرب - يعتبرونهم مواطنين لهم ما للمواطنين المسلمين من حقوق باعتبارهم من اهل الذمة ، يلتزم لهم المسلمون بالعهد والامان على انفسهم واموالهم وممتلكاتهم وعلى حرية العقيدة وتطبيق الاحكام اليهودية عليهم عليهم فى تسامح وتعايش تامين . وبلغت هذه المعاملة اوجها على عهد صلاح الدين الذى فتح لهم باب الهجرة من مختلف البلاد حتى من اوروبا ليستوطنوا فلسطين .
اما فى اوروبا فكانوا يعاملون بقسوة من طرف الامارات التى كانت لسبب او لآخر تجليهم عنها وتشردهم على حد ما حدث لهم فى انجلترا اواخر القرن الثالث عشر وفى شبه الجزيرة الايبيرية على يد الاسبان والبرتغاليين خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر وكانوا حين يسمح لهم بالاقامة يعتبرون اجانب لا مواطنين ، يعيشون معزولين فى احياء خاصة وينظر اليهم باحتقار وازدراء وبلغت هذه المعاملة اوجها فى الاضطهاد الذى اصابهم على يد النازيين
ما بين 1933 و 1945 فى شكل ابادة عرقية جماعية لا مثيل لها فى التاريخ . وحاول الاستعمار الاوروبى تعويض اليهود عما اصابهم ، فلم يجد غير فلسطين وشعبها مستغلا لذلك المرحلة التاريخية التى يجتازها العرب والتى تجعلهم عاجزين عن مقاومة مثل هذا الظلم السافر .
بهذا تتأكد لنا ابحاسية التراث في المعركة والقضايا المصيرية ، كما تتأكد لنا ضرورة الافادة الفورية من هذه الايجابية لتجميع القوى المادية والمعنوية لامكان المواجهة . ولكن كيف نعامل التراث حتى نستطيع استجلاء تلك الايجابية ؟
يمكن القول بانه منذ بدء النهضة كان ينظر الى التراث من خلال رؤى نقديسية تكتفى بالتصنيف والشرح والتبرير ، وتنطلق من مسلمات لاحق فى مسها او نقدها او الطعن فيها ورفضها ، ومازال ينظر اليه كذلك ، ممايجعلنا نعيش معه حالة اغتراب ولا نستطيع التجاوب معه ومع القائمين حماة عليه .
ومعاملة التراث ينبغي ان تسبق بالكف عن البكاء على الماضى . او تعظيمه والافتخار بأمحاده ، لتسير فى عملية احياء غير آلية تقصد الى اجلاء معالم الخصبة الغنية وملامحه التقدمية الثورية والى تحويل فكرنا العربى المعاصر الى فكر علمي وثورى اصيل .
وتبدأ العملية بحصر ما عندنا وعند غيرنا من كنوز تراثنا ، لتنطلق بعد ذلك فى ثلاث مراحل :
أولا : التحقيق ، وهو وان كان من اختصاص المحققين ، فانه لا ينبغي ان قي خاضعا لرغباتهم الفردية او لرغبات الدور التجارية ، بل يجب ان يخضع لخطة تتفق ومتطلبات المعركة والقضايا المصيرية . ويخطئ الذين يرون ترك هذه العملية للمستشرقين ، بل انا مطالبون باعادة النظر فيما حققوه لان بعضهم كان يتخذ من العناية بالتراث مجرد قناع للدس والتخريب والتشويه .
ثانيا : الدراسة ، وهى من اختصاص الباحثين والنقاد ، ويجب ان تبتعد عن التجميع والسرد والقبول ، وتلجأ الى التحليل والتعليل العمليين ، والى فحص جزئياته يما يمكن من الفرز والاستنتاج والتركيب واستخلاص نظرة شمولية . والى التساؤل والشك المنهجى واعمال النقد والعقل المنطقي بحرية وارادة واعية ترى بعين العصر ، حتى يبدو التراث وكأننا نصنعه ونخلقه من
جديد ، وتنطلق من المشاكل والقضايا الملحة لتكشف عن كل ما يقوى نزعة التحرر وحوافز الثورة ، اى أن نراه بمنظار العلم كمنهج ومنظار الوطنية كدافع . وتقتضى دراسة التراث تصفيته من الصنمية والقداسة ومن الخرافات والاساطير وكل الانحرافات من تواكلية واستسلام وتقليد وفردية ونفعية وارتجال ، لامكان تحرير عقليتنا منها وبالتالى لامكان الافادة من كل ثقافة متحررة ، كما تقتضى استجلاء جذور الحاضر ودوافع الحركة فيه وروابطه فى مراحل تطوراته الذهنية ومعالم توتراته التاريخية ومدى ارتباطه بواقع منشئيه واصالته وقدرته على التفاعل والتأثير والاستمرار بالاطلاق ممكنات هذا الواقع ومقدراته
ثالثا : استيحاؤه فى الخلق والابداع ، شعرا وقصة ورواية ومسرحا ورسما وفنا فى مختلف الوانه واشكاله ، بما يبرز منطلقات الحرية والمضامين الانسانية ، وبما يساعد على تفجير الواقع وتغييره ، وبما يكشف كل ما بصلح ان يكون سلاحا نضاليا للثورة ويعمق الوعى النقدى وينمى روح المبادرة .
هذه اشارات الى كيفية استجلاء ما فى التراث من جوانب ايجابية لعلها - ان تمثلناها بصدق وعمق - ان تمدنا بالوعى الضرورى لقضايانا واهدافنا , وما احوجنا اليه ما دمنا نريد التغيير من الجذر والباطن ، وما دمنا نسعى الى ان نكون امتدادا لانصع فترات تاريخنا وتطويرا لاحسن ما ابدعه العقل العرب باعتباره حلقة فى الفكر الانسانى عامة . فهذا الوعى هو الذي يعطينا القدرة الذاتية على الاخذ والعطاء والتفاعل والتبادل ، ويقوى فينا الارادة ، ويمكننا من وضع القاعدة والتخطيط للوسائل والاهداف ومن الانطلاق البعيد فى تحقيقها . وهو الذي يجعلنا نملأ قلوبنا بالايمان والثقة ، ويساعدنا على الرؤيا الواضحة الطليمة ، وهو الذى قبل هذا وبعد يعطينا الاطار الفكرى لقضايانا ويحدد كيانها العلمي ، وبدونهما لن نتمكن من خدمة هذه القضايا بعمل محدد وموزع يفرض نفسه علينا كأدباء وعلى الأنظمة القائمة والمسؤولين والحكام وعلى الحياة العربية وعلى العالم .
اننا مطالبون بالايمان بالهدف المتمثل فى قضية فلسطين وما تجسم من قضايا مصيرية ، وبحلها العادل ، وبوسيلة هذا الحل اي بالمواجهة , ومطالبون بتوحيد الخطة بعد ذلك .
نحن قوة ولكننا مشتتون ، لاننا منشغلون عن القضية بمصالحنا الخاصة ، ولاننا منصاعون لتيار التفريق والتفتيت ومستسلمون للعراقيل التى تواجهنا من الخارج والداخل . واذا كانت العوائق الخارجية المتمثلة فى الامبريالية والصهيونية والاستعمار معروفة لدينا ، فان واجب المعركة يلح علينا ان تكشف عن العراقيل الداخلية التى تجعل ابعاد النضال متفاوتة فى البلاد العربية ، وتتلخص في الدور الذى تقوم به الرجعية فى تشويه الثورة العربية والتشكيك فيها ، ومواجهتها بتيار مضاد وبالخنق والقمع وكبت الحريات والطاقات الثورية عند الجماهير وبتزييف الثقافة العربية وتمييعها ، وتوجيه لتعليم بعيدا عن نمو الامة ومطالبها واحتياجاتها العقلية والروحية ، وبترويج المشوه من التراث ومحاولة ضرب الانظمة التقدمية ورفض اى تعاون مثمر وصادق معها ومد اليد للمساعدات الاجنبية المسمومة ، والتضييق المثقفين الطليعيين ومحاربة اى نشاط فكرى وادبى متحرر ومتفتح .
ذلكم التراث الذي يكفينا دافعا لاحيائه انه يثبت عروبة فلسطين ، وانه بفتح عيننا على العدو المغتصب ، وانه يقوى فينا روح المقاومة .
ان حتمية النضال الذي ينتظرنا او ينتظر منا ان نخوضه تقتضى ان نستخلص من هذا التيار القومى ومن كل التيارات ايديولوجية عربية تقدمية تمثل بواقعية وصدق حقيقة امتنا وتطلعاتها العادلة ومطامحها المكبوتة ، حتى نؤمن بها ونسعى لاداء الرسالة التى تنيطها بنا ، بعيدا عن التعصب الاعمى للغرب والانمحاء فيه ، وبعيدا عن تقديس التراث والتعلق بالسراب ، وبعيدا كذلك عن تصنيم تجربة الحاضر واضفاء الوثنية على العصر الذي اخذت تتجاوز الدول المتقدمة لتدخل فى عصر آخر ، ولكن فى تفتح وجمع بين الجوانب الخيرة والايجابية فى كل تيار ، وفى اندفاع يتحفز من الذات ومن تربا الوطن للحاق بركب التقدم والرقي في العالم ، انطلاقا من واقعنا كأمة اصيلة لم توجد من العدم وانطلاقا ايضا من ارادة الجماهير التى حملتنا المسؤولية الوطنية وقلدتنا الامانة والتي تتطلع لمستقبل تحقق فيه وجودها الانسانى المشروع ، وهذه لعمري هي المعاصرة الحق

