في هذا العصر الذي تكاد الدنيا تصبح فيه " مدينة " واحدة ، مترامية الأطراف ، ومتشابكة المصالح والأهداف . . نرى كثيرا من الاهم المتباينة في المذاهب والمشارب : تحاول بكل قواها :أن تتكتل وأن تظهر إذا جمعتها المجامع منسجمة . في الجوانب السياسية ، والاهداف الإقتصادية برغم ما يفصل بينها من المحيطات المتلاطمة والصحارى الشاسعة والأجواء الواسعة . وذلك لأنها ترى في هذا الصنيع نوعا من الحماية المفيدة لمقدراتها ولمصالحها ..
. وفي هذا العصر الذي يضج فيه العالم بوسانل التعبير والتهير المتكافئة ويترجح للناسن بين عوامل الخير الفواحة وعوامل الشر الفتاكة . نرى دنيانا نحن العرب والمسلمين مرتجة بين عوامل الاستغلال المثبطة وعوامل التماسك وحب الاستقلال
المنشطة . .
وفي هذا العصر المضطرب المائج نرى أمتنا العربية التى طال عليها أمد الاغفاءة والتخدير تتثاءب مندفعة لتروى ظمأها من نمير الحياة الكريمة . برغم ان قيود التباعد والشك ما تزال تفعل فعلها في تأخير رتق الفتوق . ورأب الصدوع ، ولأم الجروح . .
وفي هذا البصر الذي بدأ " غول " الاستعمار شعر فيه بأن " عاصفا " قويا من عواصف الوطنية المتأججة في جوانح أبناء العروبة والشرق الاسلامي ، بدأ يهب هبوبا قويا عنيفا ليقتلع جذور شجرة الأثم والشر المشؤومة المسمومة ، من بلادهم . نرى كثيرا من أبناء البلاد العربية الشقيقة ضعفاء المعلومات عن بلاتر بعضهم . مما يساعد الغول الكاشر . عن أنيابه على تثبيت أقدامه أمدا آخر اذا لم يتدارك العرب
هذا التجاهل واذا لم يحلوا محله " تعارفا " وطيد الاركان ، شامخ البنيان . . يزيل أدران الشك والريبة من القلوب ، ويمحو آثار التنافر والتناكر من الافكار . .
وبالتالي فإننا في هذا العصريجب علينا أول ما يجب أن نسعى الى " تعريف " حقائق حياة بعضنا لبعض ، وأن نسعى ، الى " التعارف " فيما بيننا ، حتى لا تبقى غشاوة " تفرقة المستعمر " قائمة بيننا ، تحجب عن انظارنا تلك المقة الخالدة وتلك الثقة والمودة التالدة المغروسة في أعماق العرب خير أمة اخرجت للناس لأبناء عمومتهم العرب المضطهدين ، في بعض أقطار المعمورة ، ولأبناء دينهم الحنيف البؤساء في بعض أقطار المعمورة . . لأن هؤلاء المسلمين سواسية في الود والتراحم والتعاطف . . بالنسبة لبعض . . ( انما المؤمنون اخوة ) . . " المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه . .
و " التعريف " و " التعارف " هما أقرب الطرق لنهوض الأمة الواحدة من كبوة أحداث الزمان ، وحوادث الخصوم والعداة . . ذلك لأن التعريف والتعارف " مقدمة " منطقية تفضى الى نتيجة منطقية . . إذا عرفتك وعرفتني معرفة حقيقية نتج عن ذلك فهمى وادراكى ، وفهمك وادراكك ، لمشاعرى ولما يهزنى ولمايسرني ويسوؤني ، وهنا إذا كنت صديقا ، تتحسس من الآلام ما اتحسس ، وتشعر من المسرات والآمال بما أشعر . . وباتحاد
الشعورين ، ووحدة الأحساسين يكون الانسجام فانتظام الشمل ، فالاتحاد ، فالوحدة ، فالقوة العميقة التى لا تقهر .
ولأهمية " التعارف و " التعريف " في إيجاد جو من الإنسجام بين الشخصين او الأمتين أو البلدين , نرى الغرب وقد استغل هذه الظاهرة البشرية العريقة في سبيل بسط سيطرته وانشاب مخالب الاستعمار في شتى أنحاء العالم العربي والاسلامي . نراه يرسل قبلا سماسرته الذين اتقنوا فن المجاملة ، وفن الدعاية ، وفن الاستهواء ، الى الأقطار التى يريدون غزو استعمارهم لها ، ومايزال هؤلاء السماسرة يفتلون في الذروة
والغارب ، ويتغلغلون في أفكار المواطنين ، ويتفهمون حقائق حيواتهم الداخلية والخارجية ، ويدرسون ما يجتذب أفرادهم الكبار ورجالاتهم الذين عليهم المعول . . وما ينفرهم ، فاذا فهموا كل شئ واستوعبوا كل شئ دونوا معلوماتهم وخبرتهم في " تقارير " ومؤلفات يبعثون بها إلى دولهم الاستعمارية . حتى إذا وصلت تلك المعلومات الى معامل الاستعمار
في دياره حلها أقطاب السياسة والعلم والاجتماع ودونوا نتائج تفكيرهم عنها ، وقدموها للدولة ، وسرعان ما يتم غزو تلك البلاد التى جعلت هدفا وغرضا للاستعمار . وسرعان ما يتم احتلالها ، فان أحوج الأمر إلى الحرب فالحرب قائمة ، أو الى السلم فالسلم مجنوح إليها ، أو إلى التحايل والتلوي والالتواء كان ذلك . . ان
الغاية في عرف الاستعمار تبرر الواسطة ، والغاية واحدة ودروبها شتى . . وأول هذه الدروب الممهدة لكل شئ . . التعريف والتعارف كما قدمنا . .
ولندع كل هذا جانبا . . فقد دلنا البارىء جلت حكمته في كتابه المجيد ، على أهمية التعارف بالنسبة لانتظام شمل الشعوب ، وناهيك بالشعب الواحد فقال عز من قائل : ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) . .
فما أحوجنا اذن نحن العرب ونحن في مبادئ تفتح وعينا ، الى أن نلتقط حكمة السعى وراء التعريف والتعارف ، وأن نعمل بها ، وأن نوجد وسائلها لدينا جميعا بحيث تجلو لنا حياة بعضنا لبعض من كثب وبحيث نستوعب ما يجري في داخلية بلاد بعضنا ، لئلا نؤخذ على غرة من الاعداء الذين وضعوا في قلب الأرض العربية
المترابطة ، سُمّا ذعافا ، وداء وبيلا خبيثا عاديا ، هو " الصهيونية " بدافع شهوة القضاء على وحدتنا ، والضرب على قوتنا ، وفض اختام ترابطنا . والقضاء على كياننا وديننا ، وابقائنا كالسلع التى تباع وتشترى في الاسواق ، ويفيد منها البائعون والشارون . . أما هي فمصيرها الاضمحلال والاستهلاك . .
ولهذه الفكرة المجيدة ، يصدر "المنهل " هذا العدد الخاص الممتاز
أيضا عقب صدور زميله الممتاز الخاص " بالشعر في هذه المملكة " خروجا من قوقعة المحلية المحدودة ، الى ميدان الشمولية الميمونة ، وإسهاما منه في مهمة " التعريف والتعارف " بين أقطار العروبة المترامية الأطراف المتحدة الأهداف . .
إن هذا العدد يا سيدي القارئ ليذهب بك شرقا وغربا . . شرقا الى المنطقة الشرقية للمملكة السعودية . حيث توجد الامكانيات المتوافرة لحياة أفضل ، وبعث أوفر ولنشاط اقتصادي أشمل . . ثم الى الشرق من هذه المنطقة أيضا . . حيث ينتقل بك " المنهل " في رحلة محببة لطيفة عبر الخليج العربي . . الى " البحرين " حيث العروبة فوارة ، وحيث رحى الاستعمار دوارة هدارة . .
وسيعود بك العدد في رحلته معك ، أو في رحلتك معه ، الى ناحية الغرب . فيمر بك مرا رفيقا هادئا مفيدا على أجواء " السودان " العربي الشقيق . الذي ظفر آخر الأمر باستقلاله من بين أنياب الأسد . . ومن ثم يطير بك العدد الى قطر شقيق آخر مناضل لا يزال في عنفوان المعمعة . . معمعة الحياة أو الموت . . مع الاستعمار الكاسر . . إنه قطر " الجزائر " . .
فعسى أن يكون " المنهل " بهذه الجولة أو بهذه الخدمة ، أو بهذه الرحلة قد حقق بعض أسباب " التعارف " و "التعريف " وإنها لمحاولة إنْ صحت فيعتبرها " المنهل " من أهم خطوات نجاحه . .

