الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

بين التوبة والردة ...، حزب المبادئ والقيم بقيادة المجاهد الأكبر

Share

هناك مواقف وأقوال فى حياة الانسان تترك الأثر العميق فى النفس وتطبعها ومشهر المناضل المنجى دودش يحمل بالشك - وليغفر لى الكلمة - ليرفع أو ينزل من شاحنة الجيش الفرنسى عندما كان معتقلا بسوسة بعد معركة 22 جانفى 1952 - وهو رجل ضعيف قاصر لكنه قوى أبى بإيمانه وارادته وحبه العميق لتونس ولحزب الدستور الجديد الذى صنعه بورقيبة صانع تاريخنا الحديث - مشهد كهذا أثر فى نفسى كما أثر فى نفوس رفاقى عندما كنا شبابا وجسم لنا معنى " حب الوطن من الايمان " وهو شعار الحزب الحر الدستورى الجديد منذ انبعاثه

اعتمد ذاك الشعار ثلاثة معان كتبت على وجه بطاقة الانخراط فى الحزب وعلى قفاها ودلت على أن الحزب ذو وجه واحد هو وجه المبادىء والقيم التى قام على أركانها صرح الحزب .

تلك المعانى الثلاثة هى أولا حب الوطن وثانيا الايمان أى الايمان بالمبادىء والقيم والايمان بالخير والايمان بالعدل والايمان بالحق وثالثا العمل الذى يستمد منه الانسان معنى حياته . بالعمل أخرج الحزب الأمة من الخنوع . والاستسلام والذل فحررها . وبالعمل يجد الحزب فى بناء نهضة البلاد

تلك المعاني الانسانية النبيلة الثلاثة نجدها فى الشعار الاول الذى قرأته على وجه بطاقة انخراط كانت لآبائنا الروحيين فى النضال الحزبى بقيادة

المجاهد الاكبر . وقد تصفحت بطاقة انخراط يرجع تاريخها الى سنة 1936 أرانيها فى بلدة حمام سوسة المناضل على ماني فقرأت على وجهها " حب الوطن من الايمان " ثم قلبت البطاقة فوجدت على قفاها شعارا ثانيا لحزب الدستور الجديد وهو الآية الكريمة من سورة التوبة : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " وهي الآية التى كان وما زال يرددها المجاهد الاكبر لأبنائه وبناته ليخلع عنهم الخنوع واليأس والذل ويعلمهم حب الحياة وفرحتها دون غفلة عن الآخرة

وبمثل تلك الآية عرف الله بالانسان كنها وغاية فجعل العمل مقياس حكم على صلاحه وطلاحه واتخذه معنى لحياة الانسان الكائن الزائف الذي يغالب مصيره بالعمل الصالح ويعطى به لحياته معنى كما فى أسطورة سيزيف اليونانية الخالدة . وان القرآن لزاخر بمثل ذاك المعنى الانسانى الخالد وعلى العمل الصالح بنى صرح الحزب.

نحن نحيى الذكرى ونعتبر بها فلا بأس أن نسترجع بمناسبتها تلك المبادىء التى قام على أساسها نضال الحزب ومنها مبدأ العمل الصالح الذى يعطى لحياة الانسان معنى ويكون الفيصل بين الاصفياء والمنافقين

فعندما اختار المجاهد الاكبر من شعارات الحزب الآية : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" من سورة التوبة ففي ذلك دليل ربانى يشير فى نظرى الى أن الحزب الحر الدستورى الجديد بقيادة المجاهد الاكبر بعث بدءا من موقف توبة من الانتماء الى حزب قديم انقلب حزب وجاهة ومجالس ميز مسيروه بين الخاصة والعامة ودعوا الى الكتمان والمراوغ واعتبروا الأمة فى موقف تلقى التعليمات وتنفيذ الاوامر بدون وعي ولا مشاركة كما تبينه المواقف والمقولات كركن " النجوى " فى جريدة "الارادة" بتاريخ 21 فيفري 1934 في ظروف ما أسميه موقف التوبة استيحاء من الآية القرآنية فى سورة التوبة وما سماه المناضل وناس بن عامر " الانشقاق المبارك " فى أوان انسحاب المجاهد الأكبر من الحزب الدستورى القديم وتأسيسه حزب الدستور الجديد

ومن المفيد ليدرك الشباب أصل الخلاف بين أنصار اللجنة التنفيذية وطلائع الدستوريين الجدد ان أحلل بعض العينات من ركن " النجوى " بجريدة " الارادة " يوم فيفري 1934 فى ظروف تمهيد الجو للانشقاق المبارك

وليس كل انشقاق مباركا كما أبينه فى تحليل القولة الشهيرة لوناس بن عامر فيما بعد .

ومن أهم المعاني في ذلك المقال بالارادة أن الطاعة الحزبية فى نظر الدستوريين القدامى هى تلقي عامة الجند ويعنون الشعب لتعليمات قيادة نعيش فى برجها العاجي منفصلة عنه . ومن جهة اخرى يستمد القدامى عدة معان سياسية لهم من المذهب الشيعى الذى يميز بين باطن المعرفة عند الخاصة وظاهرها عند العامة ولا يرى حرجا فى النفاق والكتمان بل يحض عليهما كما فى أقوال شعراء الشيعة مثل الكميت الذي مدح بني أمية أعداء الشيعة مواراة ونفاقا بقوله :

أبني أمية انكم أهل الوسائل والأوامر

ثقتى لكل ملمة وعشيرتى دون العشائر

ثم يقلب عليهم ظهر المجن فى ظروف أخرى فيسمعهم هذا النفير:

فقل لبني أمية حيث حلوا

وان خفت المهندا والقطيعا

ألا أف لدهر كنت فيه

هدانا طائعا لكم مطيعا

تلك هى دعوة النفاق التى كانوا يدعون اليها المنسقين عنهم ويستغلون للدفاع عنها مواقف دينية مستمدة من الاسلام ولكنهم يسيئون فهمها اذ يعتبرون أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يستبد برأيه فى حين أنه اعتمد الشورى مبدأ فى المجتمع الاسلامى الناشئ . وعلى كل حال فانهم يستدلون بأشياء فى غير مقامها .

واليكم عينة من ذلك المقال فى جريدة " الارادة " الناطقة بلسان اللجنة التنفيذية للحزب الحر الدستورى القديم : " أنكر علينا المنشقون أن نتحدث عن الطاعة الحزبية... وأنكروا علينا أن نتأسى بالنبى الاعظم صلى الله عليه وسلم وأن نقتدى بحياته الكاملة وحكمه العالية والسياسة الالهية التى كان يسوس بها الأمة الاسلامية . لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصى أصحابه وعامة المسلمين بالكتمان . وكان ينادى الناس بالنفير العام ويجهز الجيوش ويعد السرايا التى يبعثها الى الجهات من دون أن يعلن عن

مقصده وعن الغاية التى يريد أن يصل اليها حتى يحين موعد السفر فيسر بما يريد من أمر الى أمير الجيش وقائد السرية ولا يعلم بذلك عامة الجند وخاصتهم الا عندما يقاربون ادراك الغاية التى وجهوا لتحقيقها ..

لذا ، كان الخلاف عميقا بين قيادة أرستقراطية من جهة وقيادة شعبية من جهة أخرى فى دعوة الدستوريين القدامى أنصارهم الى النفاق واعترافهم ضمنيا بما أذاعه البحرى فيفة عما جرى فى مقابلتهم للمقيم العام .

واذا كان العمل الذى دعا اليه المجاهد الاكبر عملا جديدا فى تاريخ تونس وكان ذلك من موقف توبة من تاب وثاب وآب أى رجع الى الحقيقة . فلا غرو أن يتخذ لحزبه شعارا الآية من سورة التوبة : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " . ثم برزت جريدة الحزب تحمل عنوان " العمل التونسي " ثم " العمل " فيما بعد .

وان تعلق المجاهد الاكبر فى اختيار ذلك الشعار الاسلامى الانسانى لبطاقة النضال كان ذا ابعاد عميقة فى معنى التقوى السياسية التى جعلت حدا فاصلا بين ذلك المفهوم والتصور السفسطائى الفظيع للسياسة ، الخطر على المجتمع البشرى اذ ينبني ذلك المفهوم المنحرف للسياسة على المحسوبية والانتهازية والمحظوظية والحيلة والقوة والغدر فينزع ذلك المفهوم الانحرافي عن السياسة نبل معانيها خلافا لما نجده فى التفكير السياسى الرصين عند المجاهد الاكبر وهو : " تولى أمر الناس وارشادهم الى الطريق الصالح وتدبير معاشهم على طرق العدل والحرية"

بهذا المعنى النبيل تعلقت همة الحزب منذ نشأته فعمل الحزب عملا يراه الله ورسوله والمؤمنون . انه العمل الذى قام على أساس من الايمان فآتى أكله الطيب بتحرير البلاد والعباد والانطلاق بهم فى درب التنمية الشاملة

وفى أعماق قلوب المناضلين المؤمنين - وهم يواجهون المكائد والغدر وشتى ضروب التعسف كان الابتهال بالصمود والعمل الصالح كما فى آية من سورة الشورى : " الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم " وفى الآية الاخرى من سورة يونس : " وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم "

بتلك المعاني النضالية النبيلة التى انطلق منها الحزب كنا نتغذى ونحن شباب عديد منا دون سن الرشد عندما كنا نطبع بمشاهد الصمود والنضال من خلال أمثلة حية مستمدة من سير آبائنا الروحيين فى النضال الرفاق

الاوائل للمجاهد الاكبر الذين كانوا عبرا للاجيال اللاحقة وقدموا الامثلة البليغة من الاستبسال والتضحية

وعديد منهم - أطال الله فى عمرهم - وفى مقدمتهم المجاهد الاكبر . ما زالوا مدارس حية لتلقين القيم وحب الوطن . بهم طبعنا نحن شباب الجيل اللاحق المخضرم منذ عهد الصبى الاول فى فجر الثورة التحريرية وبمرأى الشهيد يمسك بيديه أحشاءه الممزقة بالرصاص ، يتقاوى على الموت عدوا من ساحة الشهداء يوم 22 جانفى 1952 فى اتجاه المسنى ( نهج الأغالبة ) بمدينتى سوسة جوهرة الساحل يوم مظاهرة الساحل كله فيغلبه الموت فيسقط الفدائى فى باب الفينقة كما سقط الشهداء الابرار لتحيا تونسنا العزيزة.

بتلك الدروس النضالية طبعنا فاندفعنا منذ شبابنا الاول فى مظاهرة 26 أفريل 1952 بالمعهد الكلاسيكى عندما أطلقوا علينا الكلاب وانهالوا علينا بالدرر وبمقابض الفؤوس وجبهات البنادق بين صفين من الجنود في الثكنة وأذاقونا - ونحن شبان مدرسيون عديد منا دون سن الرشد - لفع الكهرباء فافترشنا التبن فى المعسكر ونمنا على البسيطة ( البلاط ) فى الزنزانة بالسجن المدني ( سوس بلاص ) اليوم . وما استبحنا المقابل بل كان بلا من ولا حساب بغيض وإنا لنذكره بحنين الذكرى ونبتسم ونقول فى نفوسنا : انه ساهم فى بناء شخصياتنا وصقل ذواتنا

تلك هى المعانى التى غذت الاجيال وما زالت تغذينا بفضل حزم المجاهد الاكبر وبعد نظره وايمانه القوى بتونس وشعبها ولن يزال باذن الله.

ذكرت لكم معانى سياسية دستورية مستمدة من روح الاسلام عندما ذكرتكم بأن الحزب الحر الدستورى الجديد بعث انطلاقا من موقف توبة أى رجعة عن حزب قديم قد انقلب حزب وجاهة ومحظوظية ونفاق في الصالونات فكانت تلك التوبة انشطارا سماه المناضل وناس بن عامر : "انشقاقا مباركا" توقيا من سوء التأويل والتكفير الذى ألبس القدامى جبته للمنشقين عنهم الجدد ، واسترجعوا للاطاحة بهم سياسيا ذكرى الخصومة حول الطاهر الحداد وربطوا أسماءهم باسمه كما بينته فى دراسة لى وثائقية بعنوان " أضواء على الخلفية التاريخية لمجلة الاحوال الشخصية " (مجلة الفكر عدد مارس 1974 )

فتلك العبارة التى تفوه بها وناس بن عامر للمجاهد الاكبر فى ظروف خروجه عن اللجنة التنفيذية كانت من ناحية عفوية تلقائية نابعة من مستوى

الوعى الباطني اللاشعورى نظرا الى أن عبارة " الانشقاق المبارك " انطلق بها لسانه على عجل .

ثم كانت من ناحية اخرى كلمة عميقة المعنى كأنه فكر فى ابعاد ذلك الانشقاق المبارك مدة طويلة فكانت له الرؤيا المستقبلية الحدسية انطلاقا من واقع كان عليه الحزب الدستورى القديم ولم يكن ذلك المناضل براض عنه فبشره زعيم الحزب الدستورى الجديد بما يرضيه ووجد وناس بن عامر وغيره من المناضلين الاوائل فى أقوال الزعيم وفي سلوكه السياسى ومواقفه ما يقيم لهم الدليل على صدق ما بشر به شعبه فحقق أحلام جيل سابق كان ينتظر الزعيم المنقذ وقد نطق الشابى بلسان ذلك الجيل الغريب فى وطنه فى ظروف نكبة زعيم وطني آخر تأثر به بورقيبة حسب اعترافه فى احدى محاضراته على منبر معهد الصحافة وعلوم الاخبار - وهو محمد على الحامي - فقال الشابي في قصيده : " تونس الجميلة " يوم 2 جوان 1925 بعد أن القي القبض على محمد على :

لست أبكى لعسف ليل طويل

أو لربع غدا العفاء مراحه

إنما عبرتى لخطب ثقيل

قد عرانا ولم نجد من أزاحه

كلما قام فى البلاد خطيب

موقظ شعبه يريد صلاحه

ألبسوا روحه قميص اضطهاد

فاتك شائك يرد جماحه

أحمدوا صوته الالهى بالعس

ف أماتوا صداحه ونواحه

وتوخوا طرائق العسف والار

هاق توا وما توخوا سماحه

هكذا المخلصون فى كل صوب

رشقات الردى اليهم متاحه

الى ان يقول وقد رأى المنقذ بعينه الباطنة لا بعينه الجارحه اذا كان شاعرا وطنيا كشافا :

لا أبالى وان أريقت دمائي

فدماء العشاق دوما مباحه

وبطول المدى تريك الليالي

صادق الحب والولا وسجاحه

إن ذا عصر ظلمة غير أنى

من وراء الظلام شمت صباحه

ضيع الدهر مجد شعبى ولكن

سترد الحياة يوما وشاحه

وقد صدقت الرؤيا الشابية فأعادت الحياة وشاح تونس على يدى المجاهد الاكبر بتبادل وثائق الحكم الذاتى أولا يوم 31 أوت 1955 ثم باعلان الاستقلال التام للبلاد ثانيا يوم 20 مارس 1956

هذا التحليل الثاني لمعانى الذكرى كان لى من وحي مناضل ادرك الأبعاد التاريخية لانشقاق مبارك حدث فى صفوف اللجنة التنفيذية للحزب الدستورى القديم . فلا غرو أن يطرب المجاهد الاكبر لمرآه ومرأى رفاقه القدامى فى النضال ويقول لهم : انتم الذين أريد رؤيتكم عندما جاؤوا مع الوفد الثقافي لولاية سوسة أثناء إقامته بنفطة فى ظروف الاعتداء الغادر على مدينة قفصة

كان ذلك الانشقاق داخل قيادة الحزب الدستورى القديم حتميا آنذاك لان الحزب القديم انقلب حزب تكتم ومحظوظية وفئوية وبطانة وصالونات وتحرك شكلى بالعرائض في حين اختار حزب بورقيبة النضال الصحيح واعتمد المبادئ القويمة والقوة الشعبية ليغير بها وجه التاريخ فيصنع تاريخا جديدا .

لماذا استعمل وناس بن عامر عبارة " الشقاق المبارك " ؟ انه قالها بدافع تفكير سياسي وطني اسلامي لان الشقاق غالبا يكون مكروها فى الدين كما فى قوله تعالى من سورة النساء "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا "

ومثل تلك الآية فى القرآن كثير دال على كره اسلامي للشقاق غير أن الشقاق الذي حدث فى صلب اللجنة التنفيذية وتولد عنه بعث حزب جديد متجاوب مع الارادة الشعبية ومعتمد طريقة نضال حية ذكية ومقدم دية الفداء والتضحية كان شقاقا مباركا صنع أمة حررها من الاوهام والاصفاد وبنى مجد دولة عصرية

وبأضدادها تعرف الاشياء . فبعد أن تحصلت البلاد على الحكم الذاتى فى أواخر عام 1955 ظهرت حركة انفصالية فى داخل الحزب الحر الدستورى الجديد هى الحركة اليوسفية التى امتحن بها الشعب فتفككت الى حين وحدته الصماء التى شد رباطها المناضلون فقدموا ديتها بالمحن المشتركة طوال نضال مظفر خاضوه منذ ما يزيد على عشرين عاما .

فمن خلال النشاط المكثف الذي ما انفك يبذله المجاهد الاكبر منذ عودته من المنفي فى غرة جوان 1955 برزت خطته فى ثلاث نقاط هى:

1) دعم الاتصال بالشعب لحثه على قبول اتفاقيات الحكم الذاتي وتلقينه مغالبة النزوات التى تزج به فى متاهات اللاواقع والتشتت.

2 ) ضمان احترام التزام المواثيق المبرمة مع فرنسا لانها مواثيق دولية وفى حالة حدوث خلاف فى هذا الصدد داخل الحزب الالتجاء الى تحكيم أعلى دواليبه .

3) تنفيذ الاتفاقيات واعتماد بنودها لالزام فرنسا بمراجعتها فى اتجاه الاستقلال التام .

هناك تظهر حركية الخطة البورقيبية ومرحلية النضال لتجنيب الشعب الكوارث والنكسات بدون تفريط فى الاصل . ولم يغب عن القائد أن شعبه قد بدأ يخرج من طور تخلف سياسي واداري واقتصادى واجتماعي . لذا فان الوثوب به دفعة واحدة فى طور المسؤولية المطلقة والتحكم التام في الدواليب السياسية والاقتصادية والادارية والثقافية والصحية وغيرها أمر يصعب بلوغه آنذاك نظرا الى النقص الفادح فى اطارات الاحاطة والتسيير.

وقد رأينا مآل شعوب من العالم الثالث دفع بها فجأة بدون دربة ولو قصيرة المدى فى طور الاستقلال التام وجلاء الجاليات الاروبية بين يوم وليلة كما حدث فى الكونغو.

وتوقيا من سوء العاقبة ومراعاة لبعض الحساسيات في الجالية الفرنسية التى حكمت تونس ثلثى قرن ورأفة بالشعب فضل بورقيبة سياسة المراحل التى لا تتراجع عن الاهداف القصوى على سياسة المغامرة

ولكن الامين العام للحزب صالح بن يوسف كان من منفاه البراق بالقاهرة يناهض اتفاقيات الحكم الذاتى ويتمسك بمواقف متصلبة

ورغم أن الاتفاقيات ضمنت بعث دولة تونسية ومثلت كسبا عظيما لتونس ظل صالح بن يوسف يناهضها ويزيد يوما بعد يوم فى تصعيد اللهجة بعد عودته من الهجرة فى 13 سبتمبر 1955 .

ومع ذلك كان المجاهد الاكبر يهادنه ويسفه أحلام الاعداء المنتظرين كل شئ من انشقاق فى الحزب.

وكان بورقيبة يقيم بفرنسا للعلاج عندما علم بموعد رجوع صالح بن يوسف الى تونس فأبى الا أن يسبقه اليها ليتمكن من استقباله فى مقدمة أعضاء الديوان السياسي . وقبل أن يغادر باريس أبرق بتصريح صدر فى مجلة " لاكسيون " الاسبوعية جاء فيه ما يلى :

" بعد يومين سيحل بين ظهرانينا من القاهرة صديقى ابن يوسف وسأكون هنا مع جميع أصدقائنا لاستقبال رفيق الكفاح وصديقى منذ خمسة وعشرين عاما .

ورجائى أن يقوم بنفس البادرة كما فعلت منذ ستة أعوام فيسفه أحلام أعدائنا المنتظرين كل شئ من انشقاق فى الحزب فبعد أن حررنا دولتنا بقى علينا بناؤها "

لكن تصريحات ابن يوسف كانت دالة على ردة سياسية مطلقة ورفض تام للحوار والاقناع سواء فى نهاية الجولة من أعلى شرفة ببيته بمنفلورى أو فيما بعد وخاصة أثناء اجتماع شعبى ترأسه يوم الجمعة 7 اكتوبر 1955 بجامع الزيتونة

وكان خطابه منقطع النظير فى عنف اللهجة وقد خصه لشن هجوم واسع على الاتفاقيات فقال عنها انها حققت اضفاء الشرعية على ما اغتصبه الاستعمار

منذ عام 1881 ... وشر من ذلك حسب ظنه أن تونس دخلت ضمنيا بتلك الاتفاقيات فى الاتحاد الفرنسي

وصادف مساء ذلك اليوم ( 7 أكتوبر ) وجود بورقيبة بضواحي القلعة الكبرى فى اجتماع شعبى ، وفى تلك المناسبة صرح بقوله : " ان ابن يوسف قد انتهى أمره فلن يستطيع ايجاد مكان له فى الدستور الجديد ".

ثم عاد بورقيبة الى تونس يوم السبت 8 اكتوبر والتحق فورا بمقر الحزب وأشرف على اجتماع الديوان السياسي فصدر البيان بقرارين :

1 ) دعوة مؤتمر عادى قانوني يوم 15 نوفمبر 1955. 2 ) تجريد صالح بن يوسف من صفتي كاتب عام وعضو بالحزب.

فكانت القطيعة والصراع ، ونظرا لتلاعب بعض أعضاء الديوان السياسي لم يصدر البلاغ الا فى اليوم السادس أى يوم 13 أكتوبر 1955.

فى ذلك الوقت ما كان الصراع قائما بين القومية والاستعمار بل بين المسؤولية والدمغجة ، بين الذكاء البصير والطموح الجامح ، بين الوضوح السياسي الوديع والاحتساب ، بين مغالبة النفس والطفرة

وبان مرة اخرى لعيون المواطنين ان المسؤولية والحكم فى المذهب البورقيبي قوامهما العقل وحسن التمييز لا الميول والاهواء ولا المكائد التى تحاك في الاروقة والصالونات ولا مجموعات المصالح الخاصة ولا التركيبات السياسية المفتعلة ولا التملق ولا النميمة

فجميع تلك المعايب قد اعتبرها المجاهد الاكبر فى رسائله وخطبه أسباب تراجع عز الحضارة العربية الاسلامية وعلامات خراب الدولة فندد بها وتنزه عنها فى نضاله الشاق الطويل الذى افضى بحزبه العتيد الى تحرير البلاد والعباد وبناء دولة عصرية بحكم التونسيين التام بدءا من 20 مارس 9561  ولأول مرة فى تاريخ البلاد وبعث نهضة شاملة نباهى بها أمم العالم الثالث ومن يفوقنا امكانات طبيعية.

وما كانت تلك المكاسب العظيمة لتتحقق لو لم يكن الحزب كما قال الرئيس بورقية بالحرف الواحد في بيانه يوم 29 جويلية 1963 : " حزب الكفاح والنضال والنظافة والاخلاص والصدق والفعالية "

ما كانت تلك المكاسب القومية لتتحقق لو كان الحزب " حزب المحظوظية " .

ما كانت تلك ألكاسب لتتحقق لو كان الحزب حزب الانتفاعية وضرب الحسابات ونهش الاصفياء فان الحزب قام صرحه على المبادىء والقيم وهى التى تجمع ولا تفرق ونقيضها يشتت ولا يؤلف.

ولا ريب أن القيم والمبادئ الغالبة ومنها ما ذكرته فى بداية خواطرى هى التى على حد قول المجاهد الاكبر الصانع لحزب الدستور الجديد : " تحرك الرغبة فى نفوس الشباب لكى ينضم الى هذا الحزب أو ينتسب اليه على الأقل ".

وتلك المبادىء السامية هى التى تهب القوة التى يتقاوى بها الشباب على الأذى ويغالب بها قوى الهدم والأفساد وتجعله يتفانى فى خدمة الوطن.

انها المعاني الانسانية النبيلة التى تغذى بها المناضلون فضمنت النصر للحزب فى كل المعارك وأخرجته أقوى مما كان من الأزمات التى مر بها وحققت نجاحه فى الجهادين فلنتعلق بها ولنرغب بها شبابنا قولا وعملا ولتكن غذاءنا الروحي - وهي من تحزبنا ومن وطنيتنا ومن اسلامنا - ولنعتبرها بياننا في كل حين اذا رمنا السند الصحيح لنضمن لتونس المناعة.

اشترك في نشرتنا البريدية