الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

بين الثقافة والسياسة

Share

اني مسرور جدا ومعتز باختتام هذا المهرجان ) * ( وبالاستمتاع فى آن واحد بهذه المحاضرات القيمة التى ألقتها نخبة من أساتذتنا الجامعيين الذين نعتز ونفتخر بهم والذين هم بصدد احياء التراث وكتابة تاريخ بلادنا كتابة علمية وأصيلة فى آن واحد .

وان ما استمعنا اليه الآن يعبر تعبيرا ناصعا واضحا بليغا عن أصالة قصور الساف وسلقطة ويبرز ثروتها التاريخية ويؤكد امتداد جذورها فى تاريخ البلاد ومساهمتها فى اثبات الكيان التونسى منذ فجر التاريخ الى الآن .

واني لأشكر باسمكم جميعا البلدية والسيد معتمد قصور الساف وشعبة قصور الساف واللجنة الثقافية وأشكر كل من ساهموا معهم فى تنظيم هذا المهرجان وفي وضع برنامجه وضعا محكما ، بحيث أنه جمع بين الترفيه والعلم والرياضة ، واعتني بالماضى كما اعتنى بالحاضر وبذلك مهد الى المستقبل ووطده ولعله خمس الشباب لا فقط الى الاعتزاز بجهته ومدينته وتربته بل حفزه على

البحث والتنقب والدراسة حتى يحمل المشعل الذى يمسك به قلة من العارفين والمؤمنين بهذه الجهة وكذلك ثلة من العلماء والاساتذة التونسيين

وأستسمحكم في أن أخص بالشكر أخي الاستاذ البشير بن سلامة الذي خصص ولا يزال يخصص جانبا كبيرا من وقته ومن مشاغله ليساهم مع زملائه اعضاء الشعبية وأعضاء البلدية بالتعاون مع السلط المحلية والجهوية فى النهوض بهذه المدينة وخدمتها بكل تفان وكفاءة فى جميع الميادين لا فقط فى الميدان السياسي أى فى نطاق الشعبة ، ولا فقط فى الميدان الثقافي والعلمي والتربوى بوصفه مربيا ومثقفا بل كذلك فى نطاق البلدية اى فى مستوى الحياة اليومية العادية والشؤون العمرانية والصحية . وهو ميدان حيوى لا تستقيم من دونه الحياة فى أية مدينة .

وانه لا تكاد تمر سنة دون أن أزور قصور الساف واللاحظ انجازات كثيرة ذات صبغة شمولية مما اعتبره نموذجا حيا ناطقا للمنوال التنمووى التونسى في جمع جهات الجمهورية . ذلك أن النهضة بالانسان التونسى نريدها شاملة كلا جوانب الحياة ساعية الى تنمية كل مدارك الانسان وسد جميع حاجاته مادية كانت أم معنوية روحية

وهكذا نجد قصور الساف تنهض فى جميع الميادين سواء من حيث التربية والعلم أو التاريخ والثقافة أو الاقتصاد والتجارة أو التجهيز الأساسى وهذه الأعمال متكاملة لا يوحد بينها نشاز ولا تضارب ، لأن تشييد مدرسه ثانوية او تهيئة ملعب أو بناء دار شعب كهذه التى نجتمع فيها اليوم أو تعبيد الطرقات أو اقامة مركز لرعاية الام والطفل أو مصحة للتوليد أو وضع برنامج ضخم لتطهير المدينة وصيانتها من الفيضانات ، أو تركيز النهضة الزراعية على اسس عصرية أو تنظيم مهرجان كهذا المهرجان لاحياء تاريخ المدينة كل هذه الاعمال ضرورية لا يوجد بينها تفاوت فى القيمة ولا تضارب فى الاولويات .

اننا نريد أن يكون الانسان التونسي متكاملا ، مستكملا لكل أبعاده المادية ، ، المعنوية ، والعلمية ، والروحية ولهذا أشكر وأهنىئ البلدية والشعبه والمنطقة بصفة عامة لأنها اهتدت الى هذه السبيل القويمة المستوحاة من نظرتنا القومية الأصيلة .

لذلك نحن نرثي لحال التافهين المستهزئين بالثقافة المثقفين الذين كلما وضعتهم الصدفة أمام مثقف واع ملتزم ، وهو يباشر المسؤولية ، يقولون أو

يقول لسان حالهم : لماذا يتحمل هذه المسؤولية ؟ كان عليه أن ينكب على كتبه ، وأن يكتب الشعر وأن يترك السياسة للسياسيين المحترفين

ان السياسة مصدر لفعل ثلاثي أجوف هو : ساس يسوس القوم سياسة نعنى دير شؤونهم ، ونظر في أمورهم ، والتزم خدمتهم بالتشاور معهم والاخلاص بهم ، وهذا ما يفعله المخلصون الأصيلون عندما ينكبون على خدمة المواطنين خدمة متكاملة منسحمة في كل الميادين . والسياسى الحسن هو الذي يقول : تلك اعمالنا فانظروا اليها ، وتسنوا هل هي صالحة أم لا ؟ فاذا كانت صالحة فواصلوا مساهمتكم فيها ، وتعاونكم معنا لاستكمالها ، واذا كانت غير صالحة فانتخبوا غيرنا أو اقترحوا علينا ما قد يكون أصلح ، وما قد تكون فائدته للقوم أعم أو انجع . أما أن ينفعل أو يستاء بعض التافهين عندما يتطوع المثقف لخدمة بلاده ويصرف ذو الكفاءة كفاءته بالفكر وبالجوارح لنفع شعبه ، فهذا سلوك غير اخلاقي عرفه التاريخ في كل حقبة من حقبه ، وتلخصه جملة قالها أحد زعماء الفاشية ، فى عهدها الزاهر أى فى أيام هتلر وانتشار النازية وهى " عندما استمع الى كلمة " ثقافة " أشهر مسدسى " . ولكن الثقافة ، والفكر الحي والعلم تنتقم جميعها من التفاهة ومن السطحية ومن الفاشية .

انما العلم والثقافة في خدمة الشعب ، وانما بالعلم والثقافة يمكن خدمة الشعب . وأكبر مثال على ذلك هو أن زعيم الامة التونسية رجل ثقافة وعلم وعمل فى آن واحد ، انه مثقف لأنه جمع بين العلم والمعرفة ، وبين محبة هذه الام ، التحل بالصفات الاخلاقية الحميدة وفي مقدمتها الصدق والاخلاص والشجاعة والاقدام والصمود وطول النفس

وبما أننا نحتفل اليوم ضمن هذا المهرحان بيوم التاريخ ، واستمعنا الى ثلة من مؤرخينا الشبان ، فانها مناسبة لأقول ، ولا إخال الزملاء المؤرخين تعارضونني في هذا الحكم : ان الرئيس الحبيب بورقيبة اختصاصى كبير فى تاريخ تونس اليوم ، ولا أعتقد أن هناك عددا كبيرا من التونسيين يعرفون تاريخ بلادهم كما يعرفه هو ، ولأنه يعرف تاريخ بلاده فقد استطاع أن يغير تاريخ بلاده الحديث وان يصنعه صنعا ، ثم ان الرئيس بورقيبة من أكبر الأدباء ومن اكثر التونسين تذوقا للشعر وهياما به . ولكن الرئيس بورقيبة ، مع انه مثقف ومؤرخ وأديب ، سياسي لامع . والسياسة عنده ليست الاعيب او أرطماطيقة انتخابية أو فن الاحتفاظ بالحكم ، وانما هى ذوبان فى الأمة ، تفرغ لخدمتها ، وعمل متواصل لتكتيل الشعب ، والسير به شيئا فشيئا نحو العزة والاستقلال والتقدم والازدهار والكرامة

واذا أردتم أن تقارنوا بين السياسي المثقف ، والسياسى الامى البسيط ان صح التعبير ، انظروا حولكم ، واستقرئوا أحوال بعض المجتمعات القريب والبعيدة عن تونس ، فى الزمان والمكان ، انظروا كيف وماذا فعل بعض الزعماء ، أو بعض المفروضين على شعوبهم بالحديد والنار ، انظروا ماذا فعلوا بشعوبهم ، وكيف انهم فقروها ، وأذلوها ، وانظروا ماذا فعل الرئيس بورقيبة السياسي المثقف بالامة التونسية ، وكيف انه سار بها من نصر الى نصر والواقع أنه ليس هناك تضارب بين السياسة والثقافة ، ولا بين العمل السياسي والعمل الثقافي والادبى والفكرى . وانما المستوى الذهنى . والاخلاقي هو الذي يضمن النجاعة والنجاح وسداد الاتجاه

إذا نحن انتقلنا من النظرة العامة الى درس الوضع بقصور الساف أو فى مدينة أخرى مثل سوسة التى يرأس بلديتها أستاذ جامعي وبحاثة يوجد الآن معنا فى هذه القاعة وهو الاستاذ أحمد خالد وجدنا الحجة على ما ذهبنا اليه دامغة وظهر لكل ذى عينين زيف بعض " الواقعيين " أو بالاحرى " الوقوعيين أو . الواقعين في الجب الذي يحفرونه لغيرهم فهذا رئيس بلدية سوسة كاتب صدرت له الكثير من المؤلفات يعتبره بعض التافهين " مؤدبا " ولكننا عندما ننظر الى الأربع سنوات التى قضاها وهو رئيس بلدية سوسة نجد أنه وفر لهذه البلدية حوالى أربع ملايين دينار اعتمادات جديدة بفضل حسن تصرفه وبما اتصف به من شدة فى الحق . وهكذا فانه لا تضارب بين التكوين الأدبي والثقافى ، وبين القدرة على تسيير الامور والتصرف في الميزانية ووضع المشاريع وانجازها اللهم الا اذا اعتبر " بعضهم " السياسة فى معناها المبتذل السخيف ونحن نتبرأ من هذه السياسة " الرديئة " . على أني لا أخفيكم أن للاستاذ البشير بن سلامة عدة " عيوب " منها انه لا يشرب الخمر ولا يحب " الأفاريات " والاعمال غير الشريفة ولا يتهاون فى المصلحة العامة وهذا ما يغضب البعض فيودون لو يبقى الاستاذ ابن سلامة فى مكتبته بين أوراقه وتأملاته

هذه اذن آراء أسوقها على هامش هذا المهرجان وأستوحيها من النهضة الشاملة التى تعيشها قصور الساف وغيرها من المدن التى يسهر عليها مناضلون اكفاء واني لارجو أن تستمر هذه المسيرة وأن تتضافر مجهودات ذوى العزائم الصادقة وهم الاغلبية والحمد لله حتى يتواصل ارتفاع المستوى ونوفر لأبنائنا والى هؤلاء الشبان والاطفال الذين يحضر عدد منهم هذا الاجتماع الغد الاسعد وحتى نعطيهم المثال كآباء وقادة ومربين ليتحفزوا للعمل الصالح ويغاروا

على بلادهم وينذروا أنفسهم والتنقيب . لان المحاضرات التى استمعنا اليها منذ لحظات هي اشارات الى ثروة سلقطة وقصور الساف والمنطقة بصفة عامة من الوجهة التاريخية والاثرية ومهما بذل الاساتذة عز الدين باش شاوش والهادى سليم ومحمد فنطر الذين اعتز بأنهم كانوا من تلامذتي بالمدرسة الصادقية ، فانهم لا يستطيعون الكشف عن كل الآثار ولا احياء التراث والكتابة والتدوين فى كل ما يمكن أو ما يجب الكتابة عنه وهذا وهذا يفرض على الشاب المدرسي والطلبة أصيلى قصور الساف والتلامذة والاساتذة والمعلمين الموجودين هنا وغيرهم أن يتحمسوا كل فى نطاقه وحسب امكانياته وهوايته واختصاصه ويساهموا فى تنمية هذه الثروة الفكرية والتاريخية العظيمة وبذلك يخدمون الثقافة فى هذه الربوع .

ثم ان هذه الثروة التاريخية لا تقل أهمية عن الثروة الاقتصادية . ونحن معنبون بالثروة الاقتصادية ، أى بالفلاحة والصناعة والتجارة والسياحة ويحق بل يحب علينا ذلك لكن الذى لابد من أن نعترف بجدواه كذلك هو أن تنمية الثروة الفكرية والثقافية والعلمية فى هذه الجهة وفي غيرها من الجهات لا تقل اهمية ومن شأنها أن تكون شبابنا تكوينا وطنيا أصيلا لان معرفة النفس والتعرف الى الذات والاعتزاز بها من مقومات الوطنية . فعندما يدرك التلميذ في مستوى التعليم الابتدائى ، أو الثانوى ، أو العالي ، أن منطقته أو أن بلاده بصفة عامة ليست كما يقول المثل العامي " قطعة حبل جاء بها واد " وانما لها أصالة وتاريخ ورجال وأن هذه الأرض ليست جردا عقيما بل هي ثرية ، فهو يعتز بها ، فتزيد ثقته بنفسه ويرفع رأسه عاليا ويستعد لمواصلة العمل الذى بداه الاحدداد ولسان حاله يقول : هكذا كان أجداد فلأساهم فى احياء مجد احدادى ، ولأضف اليه مجدا جديدا . وعند ذلك يؤمن بأن له رسالة فى الوطن وفى الكون

ومن دون هذا الموقف أى - كما أشار منذ حين الأستاذ محمد فنطر - إذا استوردنا تاريخنا معلبا والتمسنا معرفة أنفسنا مما ينشره عنا غيرنا ، ويتفضل به علينا الأجانب الذين كيفوا تاريخنا مثلما أرادوا بسبب المركبات الصليبية والحقد الدفين على الاسلام وعلى العروبة أو بسبب كبريتهم الحضارية ، أو نعرتهم الاستعمارية التى تدفعهم الى جعلنا أمامهم صاغرين وعلى أقدامنا جاثمين ، حتى بوطدوا هيمنتهم التاريخية والفكرية ويسهل بذلك عليهم توطيد هيمنتهم الاقتصادية وهذا ما يسمى اليوم بالامبريالية . من دون هذا الموقف نزول تماما كبشر مرشدين مسؤولين !

واني معتز بهذه النخبة من الاساتذة الذين جمعوا بين الوعى التاريخي وموضوعية البحث وبين النظرة الوطنية الى التاريخ واستطاعوا أن يكتبوا صفحات حديدة ناصعة من تاريخ بلادنا باللغة العربية وباللغة الفرنسية فى محلات ومنشورات تونسية وأجنبية بل وفق بعضهم حتى الى التأثير فى أساتذتهم السوربونيين - نسبة الى السوربون - وأن يظهروا لهم أخطاءهم في حق تاريخ تونس . ومن أكبر المؤرخين الفرنسيين الاستاذ ) بيكار ( الذي كتب فصولا كثيرة ومؤلفات عديدة شوه فيها تاريخ تونس فى صراعها مع رومة وخاصة شخصية حنعل ، فلما تخرج هؤلاء النخبة من أبناء تونس البررة وجمعوا بين التكوين التاريخي العلمي الموضوعي وبين النظرة الوطنية ومحبة تونس ، والاخلاص لها ، وبين الشجاعة والقدرة على النظرة الجديدة من خلال بحاثهم هم لا من خلال مرآة شيوخهم لم يكتبوا الكتب التى أنصفت تاريخنا فقط بل انهم غيروا نظرة أساتذتهم فاذا بشيخهم الاستاذ ) بيكار ( يعيد كتابة تاريخ ) حنبعل ) ويعترف بأنه أخطأ فى حقه لأن شخصية حنبعل وملامح تاريخ تونس ، غير ما توهمه وكتبه فيما سبق له من بحوث

هذه هي اذن الوطنية الصادقة وهذه هي الأصالة الحق ونحن عندما نتحدث عن الاصالة لا نعني الانغلاق ، ولا التعصب ، ولا الرجوع السلبى الى الماضي والاكتفاء بترديده ، والذين يلصقون بنا هذه التهمة هم أيضا يستحقون الرثاء ونسأل الله ونحن فى يوم جمعة أن يغفر لهم وأن يفتح على أبصارهم ، حتى تتسع الى ادراك الاصالة التى هى اتجاه وموقف وثقافة عامة ووعى لمنزلتنا كتونسيين : أين نحن من التاريخ ؟ وما هو موقف تونس من الأمم ؟ وما هو دورنا فى موكب الايام ؟ وما هو سبيلنا القويم ؟ وكيف نتقدم ونزدهر من دون أن يستحوذ علينا الاستعمار وتسلب منا الامبريالية باليد اليسرى ما اضطرت الى إعطائه باليد اليمنى ؟

اننا من دعاة الاصالة أى أننا من دعاة تونس المستقلة ، العربية الاسلامية العصرية المزدهرة المساهمة فى صنع التاريخ المعاصر والدخول الى عام ألفين من بابه الكبير . اننا من دعاة الاصالة أى أننا نعطى محتوى حضاريا متكاملا لكل أعمالنا ، سواء كانت سياسية بحتة أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية ونوجد بينها تجانسا وانسجاما ونرسيها على جذع مشترك يشدنا الى أرضنا ، وتربتنا ويمكننا من التحاور مع غيرنا من دون أن نخشى التفسخ ولا الذوبان

هذه هي إذن الاصالة ، انها جهد متواصل وبناء مستمر وتفاوض لا ينى ولا يتوقف بين الفكر الحي ، والقلب النابض بالوطنية ، وبين واقع متغير صعب ،

لا يخلو من الملابسات . والاصالة لا تعنى السلبية بل تعنى الايجابية ولا تعنى الانطواء بل هي الانطلاق الى الامام ومواجهة الصعوبات والتقحم على المعضلات وهي تعنى الشجاعة وخوض غمار الحياة كما يقول أبو حامد الغزالي خوض الجسور لا خوض الجبان الحذور . والاصالة ليست اجترار الماضى ولا مجرد التغنى بأمجاده وليست أيضا التشبه بالغير ، والانبهار بأنواره الصناعية بل هي تقتضى الاعتزاز بالذات الفردية والجماعية والنخوة بالانتساب الى وطن ما مهما كان حجمه وموارده . ان تونس بلد أصيل له تاريخ حافل ، لا يسكنه سوى ستة ملايين من التونسيين والتونسيات فى الوقت الحاضر ولكن كل واحد منهم يصح فيه المثل العربى القديم " رجل كألف وألف كأف " وكل واحد منهم يسعى ويعمل ويكدح حتى يكون بلده أحسن حالا وأرفع شأننا وحتى يعيش أبناؤه وأبناء أبنائه حياة كريمة منيعة وحتى يسهموا فى صنع الحضارة الانسانية فالاصالة فى آخر الامر تفتح وتفاعل وتراشح وحوار أو لا تكون

ولكن أى تفتح هذا الذي نعنى ؟ التفتح هو مصدر تفتح يتفتح وصيغة نفعل تفيد التكلف أى الجهد وتفتح المرء معناه بذل مجهودا ليفتح عينيه وصدره وربما يديه الى الغير بوصفه صديقا له أو طرفا كفئا قابلا للحوار والتعاون قصد تبادل المصالح والتكامل وبلوغ الاهداف السامية وعكس التفتح هو الانغلاق وخاصة الانغلاق على النفس والانفتاح وهي صيغة تفيد السلبية فالمنفتح كالمنبطح سلبي يتأثر ولا يؤثر ، يأخذ ولا يعطى نحن لسنا من هواة الانبطاح ولا الانحناء أمام أى كان ، بل نحن من أنصار التفتح أى من دعاة المجهود المبذول عن وعي ومسؤولية والمستمد من سلم القيم التى تؤمن به المجموعة القومية في أعمق أعماقها

نحن لا نتفتح على أى كان ولا على أى ميدان يزج بنا فيه أو يفرض علينا الدخول اليه ، بل نتفاعل من العالم ومع كل التيارات الفكرية ونسير حسب ضميرنا ، وبهدى من عقيدتنا لأن الحياة عقيدة وجهاد . والحياة ليست جدلا ولا تفكيرا مجردا فقط بل الحياة ايمان بالقيم وبكينونتنا وبصيرتنا وبخاصياتنا وبمقوماتنا . نحن نطمح الى الدخول الى العالم من بابه الكبير والى التفاعل معه والتعاون مع الغير والتحاور مع كل المذاهب والمدارس ولكن انطلاقا من وجهة نظرنا ونحن مثلا لا يمكن أن نبيع استقلالنا ولا أن نفرط فى كرامتنا مهما كانت الاغراءات أو " الاعانات " لأن المبادئ هي فى المقام الاول والشأن بالنسبة الى تونس كالشأن بالنسبة لكل واحد منكم وقد قيل تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها .

والتفتح الصحيح طريقة الحوار النزيه المقام على التقدير المتبادل . وعكسه يؤول الى الاستعمار الجديد الذي يعشش فى أدمغة الفاعلين والمفعول بهم على لسواء فكم من ضحية استبد بها الاستعمار تعتبر أن منزلتها هى عين التقدم لذلك فان المعركة الثقافية والحضارية الحقيقية تتمثل فى تكوين أجيال تونسية صميمة واقفة على أقدامها مرفوعة الرأس مبرأة من سوس الاستعمار وجراثيم الامبريالية الثقافية فالسياسية والاقتصادية

وما التعرب والتونسة الا وجه من هذا الاصلاح التربوى الذي أقدمنا عليه والهادف الى تكوين شباب تونسى أصيل معتز بأنه تونسي ومعتز بمقوماته العربية الاسلامية وبقدراته الذاتية والجماعية وقادر على أن يتحاور مع الغير على أساس المساواة ويقاعدة الاخذ على قدر العطاء وانطلاقا من أن لكل أمة مهما عظم أو صغر حجمها ومهما زادت أو نقصت مواردها ، خاصياتها ومقوماتها شخصيتها وانه من حقها أن تنفرد في شخصيتها وتنميها وتعتز بها وتشع على الغير انطلاقا منها كما تقتبس من الغير ما قد يفيدها ويثريها

وأختم كلمتى مبينا أن مثل هذه المهرجانات بما احتوت عليه من محاضرات تعتبر مساهمة ولو متواضعة فى ربح معركة الوجود لتبقى تونس دولة عزيزة متبعة بشعر أبناؤها بشخصيتهم وبقيمتهم وبأنهم قادرون على الخلق فى كل الميادين الاقتصادية والسياسية والثقافية وانهم قادرون على الدفاع عن حرمة الوطن وعن رفع رأس تونس عاليا

وهكذا ترون انه لا تضارب بين السياسة والثقافة ، ولا بين الاقتصاد والاجتماع ، وانما هو الكفاح المتواصل فى كل الواجهات ، كفاح منطلقه روح وطنية صميمة ، أصيلة ، حية ، متجددة ، ووسيلته عقل يقظ ، حي ، علمي وطاقته قلب ينبض بحب الوطن العزيز الذى نتفانى ونفنى فى سبيله ليعيش لأن فى حياة الوطن امتدادا لنا بواسطة أبنائنا وأحفادنا وتلك سنة الله فى خلقه الى أن يرث الله الارض ومن عليها وهو خير الوارثين

اشترك في نشرتنا البريدية