الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

بين الثقافة والمعاصرة،

Share

لقد اختلفنا فى فهم معنى الثقافة كل اختلاف ، وذهب بنا النقاش كل مذهب ، الى حد أننا صرنا نتنابز بالالقاب ونتراشق بالتهم . فهذا يراك حدت عن الجادة ، فتركت أصلا الى فرع ، والآخر يذهب الى أنك ابتعدت عن الدين ، ولا بد لك من تقيل الشرع ، وثالث ينادى بأنه للقدماء نصير ، فيهاجمه قرينه بأنه أخطأ الفهم وتخلى عن مسيرة الركب ، وهذا يقول لك شرقت ، والآخر يدعى بأنك غربت ، وبعضهم يرى انه من الافضل ان نبنى ابتداء من السقف ، فيعارضه قوم بأن البناء الانسانى انما هو رعاية للبذر ، وخامس يرفع راية الالتزام فيصدمه نفر بأن الحرية أولى فى هذا المقام ، وسادس يرى ان التقنية والعلم هما الاساس وان ما عداهما ليس له بالثقافة الحقيقية مساس.

والباحث النزيه يرى أن فى هذا الاختلاف حياة ، وان فى هذا التباين صدقا وصراحة ، وان الحق لا يمكن أن يكون نصيب قوم بعينه ، ولم يجعل الله الصواب وقفا على طائفة بذاتها ، وانما الامر فى هذا الباب اجتهاد وعقيدة وما يتبع هذا الاجتهاد وهذه العقيدة من جهاد ، ومثابرة ، ومصابرة ، فى سبيل الوصول الى ما نعتقده الحق والخير ، الا انه وان اختلفت بنا السبل فنحن كلنا على الغاية متفقون ، ألا ترى أن الانسان هو قطب الدائرة فى تفكيرنا المعاصر ؟ وانه اليوم هو المبدأ وهو المرجع لكل عمل يصدر عنا ؟ وان غايتنا القصوى الآن تتمثل فى الايمان بالانسان واعانته على التفتح الكامل ، والاستثمار الشامل لمواهبه ، ومداركه ، وقدراته على اختلافها وتباينها فى سبيل الرفع من شأنه الى درجة لا تحد ، وذلك بالرفض لكل ما ينقص من إنسانيته أو يحط من شأنه ، أو يستعبده لقوى خارجة عن نطاقه أو يمسخه مسخا باستعماله فيما هو دون مستواه الانسانى.

منا اليوم من قاده التفكير احيانا الى التمرد على الدين ، فانقطع رجاؤه فى اليوم الآخر ، ومنا ايضا من قاده هذا النظر الى اعتبار أن الحياة الانسانية

ليست الا قوقعة تظهر على سطح الماء لتنطفئ بعد حين ، ولا غاية لها تذكر بالنظر الى عمر العالم الذى لا نعرف له بداية ولا نهاية . ومنا من يتوجس خيفة من هذه الاسلحة الجهنمية التى ابتكرها الانسان للتهديم والتخريب ، وينفق فى سبيلها المليارات والملايين ، ومنا من يتشاءم بالتقدم المطرد عند قلة من الشعوب ، وتخبط الغالبية العظمى من البشر فى الفقر ، والعرى ، والجوع ، والمرض ، والجهل ، فيغوص بهم ذلك يوما بعد يوم الى سحيق هاوية مخيف . وما نحن لذلك بمنكرين ، وانما نريد ان نشير الى أن الجميع يؤمنون بالانسان ، وان انقطع رجاؤهم فى الخلود ، ويدركون أن هذا الانسان هو نقطة الارتكاز لكل حياة تستحق ان تعاش فى زماننا هذا ، وهم وان رأوا أن العالم فى تغير مستمر ، وتبدل لا ينقطع لم يغفلوا عن حقيقة ذات بال ، وهى ان الانسان لا يمكن نسيانه أو التغاضى عنه مهما كانت الحال ، وتغيرت الأوضاع .

فغايتنا نحن مثقفى اليوم ، لو صدقنا القول ، هى القرب بالانسان من انسانيته باستمرار وذلك باشراكه فى كل ما يثرى طبيعته ، والمطالبة بتيسير الظروف المواتية له كى تتفتح فيه قدراته المتنوعة ، وتزدهر عنده مواهبه المختلفة ، وما كان ذلك لينسينا ان عليه ان يعمل بانتظام ، وبكد باستمرار ، ويجاهد على الدوام ، كى يجعل من قوى الطبيعة سلاحا من أسلحة تحرره، وأنه انما يعيش دائما فى بيئة اجتماعية وتاريخية معينة ، وانه ان اراد تحقيق غاية من الغايات ، فلا بد له أن يأخذ بعين الاعتبار هذا الواقع في جملته ، كي يصلحه ليصلح شأنه هو أيضا - والسبيل الى ذلك لا يكون الا يجعل الانسان قادرا على أداء هذا المجهود الفردى الخلاق ، الذى سمح له بتنمية كل ما كمن فيه من مدارك ومواهب - ولا نعنى بذلك شيئا آخر غير فتح باب التعلم والتثقيف والاجتهاد أمامه واسعا فى كل منهج من مناهج الحياة.

لقد كان الفلاسفة اليونان ينظرون الى العالم نظرة علماء الفيزياء ، أما مثقفو العصور الوسطى فانهم كانوا يجعلون من الله قطب دائرة الوجود ، ولم يتفطن المفكرون الى دور الانسان الرئيسى فى هذه الحياة الا منذ قليل . كان ارسطو يبحث عن العلة الاولى ، وكان الفقهاء عند المسلمين يرون  أن كل ما فى العالم فيض من الله ، وأن هذه الموجودات ليست الا دلالة عليه - أما مفكر و العصر الحديث فهم ينظرون الى كل المشاكل من وجهة نظر انسانية بحتة ، سواء تحدثوا عن الكون ، أو عن الاخلاق ، أو حتى عن الديانة .

ولقد آمن الناس جميعا بضرورة العمل على تقدم الانسان ورقيه ، يحفزهم فى ذلك ، عند الامم الراقية ما توصلوا اليه من نجاح تقني ، فتح أمامهم امكانيات مادية وأدبية لم تكن فى متناول أحد من قبل ، وعند الشعوب النامية ما يرجع الى احساسها بالنقص عند رؤية ما يتمتع به الافراد والجماعات في الأمم المتقدمة ، ماديا وثقافيا - فهم يرون أن وضعهم هذا لا يمكن أن يستمر، وانه لا بد لهم من التخلص من الفاقة والجهل ، وان ذلك ليس من المستحيل ، بل هو واجب وضرورة تقتضيهما ظروف العصر ؛ ولم تعد الفكرة الفردية هى المتحكمة وحدها فى مصير الافراد والجماعات - لاحظ تر أن كل تقدم فردى ، انما هو فى الواقع مرتبط باطار تاريخي معين لجماعة من الجماعات التى ينتمى اليها الفرد ، والتى لها من المستوى المادى والأدبي بوجه عام مالها فى ظرف تاريخي بذاته . فقد أصبحت الفردية المتطرفة حلما من الاحلام الكاذبة إذ انه لا يمكن اليوم ان نتصور الفرد بمعزل عن الجماعة ، سواء كان ذلك فى احتياجاته المادية ، أو الثقافية أو الاخلاقية ، أو الدينية أيضا - فمن منا لا يعلم اليوم أننا أخذنا البحر على ظهر سفينة واحدة ، وأن ما يصيب هذه السفينة من عطب يضر بالمجموعة بأكملها ، وانه لا ناصر لنا الا ترابطنا، وانسجامنا ، وعملنا لفائدة بعضنا البعض كي يصل بنا المركب الى شاطئ السلامة الذى نريد ، وما الشاطئ الا هذا الامل المتجدد الذى لا يخيو فى نفس الانسان ما دامت هنالك انسانية متحفزة الى التقدم والحياة . وليس الفرد فى حد ذاته شيئا يذكر فى تاريخ هذه المجموعة الهائلة التى لا تنى عن السير . والواقع أن الخطر يتهددنا ان نحن رجعنا الى الوراء ، وأحجمنا عن التقدم ، أو ان نحن انكمشنا على أنفسنا ، ولم ننظر الى أمامنا ، وحوالينا ، وان كانت هذه الاستعارة تصح فى مستوى البلد الواحد ، فهي في طريقها الى أن تصير حقيقة عالمية .

بدأ هذا التضامن يظهر بين بنى البشر فى كل مكان ، فى مقاومتهم للعنصرية، واستنكارهم للعدوان ، واسراعهم لنجدة المنكوبين من المرضى ، أو الذين قست عليهم الطبيعة ، أو كانوا ضحية التعصب ، والاضطهاد ، والاستغلال، من طرف بعض اخوانهم فى الانسانية ، ألا يدلنا كل ذلك على أنه من المستحيل علينا الان أن نغالى فى التعلق بأنانيتنا الفردية أو القومية ؟ ألا ترى وكأن العالم تضيق رقعته يوما بعد يوم ، فيجد الناس مترابطين بحكم ذلك الضيق فى السراء والضراء ؟ فما يصيب الانسان فى أقصى المشرق ، لا يمكن اليوم أن لا يؤثر فى ما جريات الحوادث فى أقاصى بلاد المغرب على كل صعيد ماديا كان ، أو اقتصاديا ، أو أدبيا ، أو اجتماعيا .

ومن هنا نتبين أن " الانسانية " هى بالنسبة لنا اليوم واجب كالصحة وكالحياة .

ولنلاحظ في هذا السياق ايضا أن جميعنا يؤمن بأن كل ما فى العالم يتطور ويتغير بخطى سريعة ، وان ليس هنالك استقرار حتى للمثل العليا التى تتطور هى بدورها مع التطور العام للمجتمع - فعالم اليوم هو عالم الامكان الذى لا يحد ولكنه ايضا عالم الواقعية والتدرج نحو تحقيق الغايات الانسانية.

ان الارتباط الكامل بين الانسان ومحيطه ، وتاثير كل منهما على صاحبه غدا اليوم بديهة كارتباط العلم بالعمل ، فى ظل هذا المفهوم المتطور الحى للثقافة ؛ ان لهذه الاكتشافات العلمية لاثرا فعالا ، دائما ، فى تقدم الافراد والشعوب - حقيقة فتحت أمامنا ابواب التصميم ، وأعانتنا على تنفيذ الكثير مما نصبو اليه - أعطت مناقشاتنا أساسا من التجربة والواقع صميما .. وجعلت قدرتنا على الحكم أقرب الى الصواب - فلا يمكن والحالة هذه أن نتخوف من التقدم العلمي والتقنى ، اذ أنه مرتبط برقينا الانسانى الاصيل فى حركة جدلية مستمرة تعتبر أن تغيير الاوضاع بواسطة العلم يزيد من تفتح الانسان نحو كماله الموعود ، ومن رغبته الملحة فى الوصول الى الحقيقة المنشودة ، وبذلك يتم التجاوب بينه وبين محيطه خيره المقصود.

فأى الاستنتاجات يمكن لنا ان نستخلص من هذا التحليل العام لمظاهر الحياة الانسانية العصرية ، بالنسبة للثقافة والمثقفين ؟ علينا أن نؤمن أولا بأن المثقف هو هذا الرجل العملى الذي يريد أن يصل إلى تحقيق ما يرى أنه جدير بانسانيته ؛ فهو وان آمن بتغير الاحوال التاريخية المستمر للانسان، فانه لا يغرب عن باله نزوع الافراد والجماعات الى العدل والحرية والسلام، وهذه الميول الغريزية المتسامية هى التى يرتكز عليها فى محاسبة نفسه ، ومجتمعه وأولى الامر فيه ، ان هم ابتعدوا عما يمكن أن يقودنا الى تحقيق ذلك الهدف من وسائل - فهو الشاهد على مجتمعه يفضح سيئاته ، ويشيد بحسناته، ولا يرضى له البتة ان يكون قانعا بنفسه . وهذا المجتمع مركب تجره خيول جامحة ، ماكرة ، لا تتبع الطريق الا بقيادته الصارمة ، ولا تتابع السير الا اذا الهبت جلدها سياطه - لذلك فهو يخزها دوما لكى لا تتوقف عن سيرها الحثيث - وليس فى ايمانه بالحرية ، والعدل ، والسلام ما يجعله يتعصب تعصبا أعمى لفكرة معينة ، أو لايدولوجية بذاتها ، فغايته ليست الافكار فى

حد ذاتها ، وانما ما تقود اليه هذه الافكار من نفع عملى ، واصلاح للاوضاع العامة فى حياة الانسان التاريخية ، فى ظرف ما ، وفي بيئة ما ، ومراده هو النفع أولا وآخرا ، وليس الاستسلام لاغراء النظريات والخيالات من ميزاته.

ومن هنا نلاحظ ايضا ان لكل ثقافة عصرية أبعادا سياسية ، وما نعنيه بالسياسة انما هو التفكير فى الوسائل العملية ، الكفيلة بتحقيق غاية من الغايات الانسانية ، فى اطار واقع تاريخي ، متكامل ، بعينه ، والمثقف هو الذى يصوغ اختياراته بطريقة تجعلها صالحة لتكون نقطة البدء لبرامج عملية من الممكن تحقيقها بالتدريج - هذا هو معنى السياسة فى هذا السياق.

ان هذا الايمان بالتغير المستمر ، والتبدل السريع ، ربما ينقص من قيمة المثل العليا التى يتوخى مثقف اليوم تحقيقها ، لان بعضهم يظن انها متغيرة لا تستقر ، وبذلك فهى تبعث على الشك بدل الايمان والاطمئنان . لكنهم مادروا ان ذلك يقرب هذه الثقافة من الحياة قربا بجعلها اوفر حظا من الفاعلية والجدوى فى اصلاح شؤون الانسان ، نظرا لما تتميز به من تفتح لكل الافكار والوسائل التى تعين على تقدم الانسان فى اصلاح نفسه واصلاح محيطه ، والتغلب على كل العقبات المعترضة لسبيله ، وعلى كل اصناف الجمود والسكون المثبطة لعزائمه ، وهذه هي ميزة الحياة الكبرى عند كل من يريد التفطن الى الحياة ومقتضياتها. ونريد ان نلح على ان التفهم عند المثقف لا يعنى الاستسلام ، وهو عندما يؤمن بان مستقبله من صنعه يكتبه بنفسه لنفسه ، فما ذلك منه تشدقا ، وليس هذا الاندفاع الخلاق الذي يقود خطاه فى كل ميادين الحياة الا ايمانا منه بان الانسان لا وجود له يذكر الا باعتماده على هذه القيم التى تحدو به الى الاطمئنان وترغمه ارغاما على متابعة السير فى طريق الكمال فى آن معا ، وذلك فى كل الظروف والاحوال ، مادام حيا .

اشترك في نشرتنا البريدية