انتهى بنا البحث فى الحلقة السابقة الى الإستنتاجات التالية :
1) لا يخضع (( غير العمودي والحر )) لمقاييس مضبوطة متحجرة من حيث موسيقاه التي تتبع من روح القصيدة والإحساس الذي يصبه فيها الشاعر .
2) كل قصيدة لها موسيقاها الخاصة بها وهذه الموسيقى لا يمكن النظر فيها بدون الإعتماد على مزاج الشاعر ونوع الموضوع الذي يختاره لقصيده ، ولقد لاحظنا اثناء تحليلنا للنغمة الموسيقية التي تتضمنها قصيدة (( أرض الايام الآتية )) لمحمد الحبيب الزناد استغلال هذا الشاعر لبعض المقاطع الصوتية المغلقة المستمدة من الشعر الشعبي وجعلها تقوم مقام الايقاع في نهاية كل بيت . كما أننا عثرنا على نفس الظاهرة في قصيدة (( أتذكر )) لفضيلة الشابي . ولا يخفى ان تطعيم الكمية الصوتية لكل بيت بمثل هذه الايقاعات الجديدة يساعد على تمطيط النغمة وإكسابها قوة متجددة متحررة من ذلك التكرار الممل الذي يفرضه التزام قافية واحدة في كل قصيدة فالحرف الساكن هو بمثابة النافذة المفتوحة التي تنطلق منها النغمة لتعانق اللانهاية وهو وان يتوقف البيت عند حده فليس نقطة انتهاء بل تنحصر مهمته في دفع النغمة الى الامام فتنداح متموجة وبسرعة فائقة نحو أقصى نقطة في الفضاء . وما من شك ان هذه الايقاعات النابعة من المحيط الصوتي الذى يعيش فيه الكاتب تساعد الشعر العربي على تخطي تلك الاسوار العروضية السميكة الشاهقة التي تحول دون اندماجه في كل بيئة ما دامت
النغمات والايقاعات التى تتضمنها البحور الخليلية مستوحاة من المحيط الصوتي بالجاهلية فلا بأس اذن اذا تعلقت همة الشاعر التونسي الجديد شاعر سنة 1970 بتطويع الموسيقى الشعرية العربية قصد التعبير عن معطيات الحياة الجديدة . وعلى الرغم من كل ما يقال عن الشعر الخليلي من انه شعر أصيل فان هذه الاصالة فى نظرنا ليست الا أصالة جاهلية وهذا ما يحملنا على الاعجاب بالشعر الجاهلي واستساغته والاعتراف بما لاصحابه من عبقرية ونبوغ . إذ انهم استطاعوا ان يوفقوا بين النغمات الموسيقية التي تحتوي عليها بحورهم الستة عشر أو تزيد وبين المحيط الصوتي في بيئتهم وعصرهم وانت لو فحصت بعض البحور جيدا كالمتقارب والمتدارك والهزج لذكرتك النغمات الموسيقية التي فيها بدق الطبول أو مشية الناقة وما الى ذلك ...
فالتوفيق بين موسيقى الشعر وبين ما تستسيغه الجماهير من ايقاعات وأنغام هو الهدف الذي ينبغي ان يصبو اليه كل شاعر حق ..
ولقد وفق أجدادنا في خلق موسيقى شعرية معبرة عن روح عصرهم . فلماذا يمنعوننا نحن في هذا القرن الذي شاهد ولا يزال يشاهد ثورات عارمة في شتى الميادين الفنية بما فيها الشعر والموسيقى والمعمارية والرسم والنحت ... الخ ... قلنا كيف يمنعوننا من خلق موسيقى شعرية متطورة تكون نسخ العصر وصورة لتحرك الزمان ؟ ...
الا ان الاصالة العربية لا تعني الرجعية والتمسك بكل ما هو قديم على أساس انه خالد خلود الدهر ولكن الاصالة الحقيقية هي التسلسل الهيكلي اللامتناهي الذي يربط بين الماضى والحاضر والمستقبل بوشائج طبيعية لا يتكلفها المرء وانما يرسم معالمها الزمن فتبرز للعيان كلما تتابعت الايام وتلاحقت الاجيال ... في كل لحظة تتحطم هياكل قديمة لتحل محلها هياكل جديدة ... وهكذا يتطور الفن تطورا مسترسلا بصورة تلقائية مجانية والشاعر الشاعر من أحس بهذا التطور وعقد العزم على خلق هياكل فنية
داخلية في كل قصيد من قصائده تكون ملخصا للهياكل الزمنية والاجتماعية
وما (( غير العمودي والحر )) الا نتيجة لا حساس مفاجىء بهذا التطور الهيكلي المتسلسل فاذا هو بمثابة رفض للماضي ودعوة الى القطيعة بين الاجيال في أعين التائهين في دروب التقهقر الذهني والايمان المسبق بالعجز بدعوى انه (( ليس في الإمكان أبدع مما كان )) الا ان هذا الشعر الجديد وان لم يستقم له بعد كيان قوي متماسك الاطراف فانه يمثل في نظرنا وفي نظر كل مفكر نزيه نواة لبناء شعر تونسي أصيل .
ونحن لا نعني قط بالاصالة التونسية الاقليمية الضيقة الحافزة على التعصب الاعمى والإنطواء البغيض على النفس فـ (( تونسي )) لا يتنافى في مفهومنا لهذه الكلمة مع (( عربي )) نحن تونسيون وعرب بل وافريقيون كذلك في آن واحد . ونتيجة لهذه الاسباب ينبغي ان يكون أدبنا حاملا لخصائص كل العناصر التي تدخل في تركيب شخصيتنا .
ولقد حاولنا ان ندرس (( في غير العمودي والحر )) على ضوء هذه الاعتبارات فتبين لنا بعد التحليل ان هذا النوع الجديد من الشعر قادر على التعبير عن مقومات الشخصية التونسية تعبيرا فنيا له باع ...
فهو شعر تونسي لانه يفتح ذراعيه لما فى التراث الشعبي من أنغام وايقاعات
وهو عربي لانه ولد في لغة شعرية عربية سليمة بناء ومعنى
وهو، أخيرا ، افريقي لانه يحمل بين طياته بعض المظاهر الموسيقية عند الفنانين الزنوج ولا سيما عازفي الجاز قديمه وحديثه على حد السواء . ولا مراء في ان الجاز يمثل حاليا ملتقى الحضارة الافريقية والحضارة الغربية . واعتماد على هذه النواحى
المختلفة يمكن في نظرنا تطوير هذا الشعر الجديد تطويرا يكون مطردا ومتماشيا مع البيئة والعصر ... فما هو وجه الشبه بين الجاز و (( غير العمودي والحر )) ؟
ان الجاز حسب تعريف الناقد الالماني ج. بيرند J. Berendt (( فن ، وهو فرع من فروع الموسيقى )) نشأ بالولايات المتحدة الامريكية اثر التقاء الزنوج بالموسيقى الغربية . ولئن استمد الجاز نظامه الايقاعي والهرموني Harmonique من الموسيقى الاروبية مثلما استمد من نفس الموسيقى آلات الطرب فان نظام الايقاعي ، ونظام - الفرازي - (1) phrasé ، والطريقة التي يعالج بها المادة الصوتية ، وبعض المظاهر الهرمونية للبلوز Blues ، مستمدة كلها من الموسيقى الافريقية ...
ويتميز الجاز عن الموسيقى الغربية بثلاث ميزات أساسية :
1) معالجة خاصة للوقت الموسيقى. 2) حيوية وتلقائية ابان الخلق . اذ تأخذ المقطوعة أشكالا عديدة منها الارتجال Improvisation . 3) طريقة معالجة المادة الصوتية ترتبط ارتباطا وثيقا بذاتية العازف .
هذه الميزات الثلاث تعمل على ايجاد توتر غير معهود فلن تجد في الجاز اقواسا تتسع طولا وعرضا لتدل على التوتر كما هو الشأن في الموسيقى الغربية وانما تجد عددا كبيرا من الوحدات القصيرة تعبر عن حالة التوتر التي تعقبها دائما انطلاقة مناسبة لها .
ولقد ينتج في المرحلة الاخيرة عن تتابع حالات التوتر ومجموعة الانطلاقات الاحتدام وهو ما اصطلحنا على تسميته في الحلقة الاولى من هذه الدراسة بـ ((الصدمة )) الموسيقية .
ونريد ان نلاحظ في خصوص الارتجال ان مفهومه في الجاز يختلف اختلافا جذريا عما نجده في الشعر العربي اذ ان الارتجال الجازي لا يعني على الاطلاق عدم التهيؤ ساعة الخلق فلا ينطلق الموسيقار حينما يزمع الارتجال من العدم بل يعتمد في ذلك على قطعة مكتوبة تكون اما :
1) على شكل البلوز الذي يحتوي على 12 مقياسا
2) أو على شكل (( السونق )) Song الذي يتضمن 32 مقياسا . والجدير بالذكر ان القطعة المبنية على الشكل الثاني تكون عادة مقسمة الى أربعة أجزاء كل جزء منها يحتوي على 8 مقاييس فيتناول الموسيقار في الجزء الاول الموضوع الرئيسي للقطعة ثم يعيده من جديد في الجزء الثاني اما في الجزء الثالث فانه يطرق موضوعا آخر يسمى في لغة الجاز بالقنطرة (( Bridje )) وأخيرا في الجزء الرابع يعيد العازف الموضوع الاول للمرة الثالثة .
واعتماد على هذا الهيكل العام للقطعة الجازية يقوم العازف باحدى العمليتين التاليتين :
1) اما ان يحتفظ بالخط الذي تسير فيه النغمة مع ادخال بعض التحويرات الخفيفة عليه وهو ما يسمى بـ (( البرافراز )) Paraphrase
2) أو يلجأ فضلا عن ذلك الى خلق خطوط جديدة للنغمة فلا يتقيد بالنغمة الاصلية على الاطلاق وهذه العملية تفتح أمام العازف مجالات واسعة النطاق للخلق . ولقد اصطلح على تسمية هذا النوع من الارتجال بـ Phrase-chorus
يتضح لنا بعد هذه اللمحة العاجلة على موسيقى الجاز ان القاسم المشترك بين العازف في هذا الفن وشاعر (( في غير العمودي والحر )) هو معالجة المادة الصوتية بطريقة شخصية ولقد أكدنا على هذه الظاهرة عندما تعرضنا الى بعض القصائد الجديدة بالنقد في
الحلقة السابقة من هذه الدراسة . فلكل من الزناد وفضيلة الشابي ومثلهما الطاهر الهمامي الذي سندرس بعض قصائده فيما بعد ، اسلوب خاص في تهذيب المادة الصوتية والتصرف فيها في كل بيت وكل قصيدة حسب ما يقتضيه الموضوع والحالة النفسية لدى الشاعر فيعبر عن احساسه الداخلي لا بالكلام والصور فحسب بل وبنغمة تتلاءم تلاؤما كاملا ومضمون القصيدة فتشارك الموسيقى الشعرية بذلك في تصوير عواطف الشاعر وتقريبها أكثر فأكثر من نفس القارىء الذي يجد في كل قصيدة عالما تنسجم في داخله الصور مع المشاعر والموسيقى ، عالما يمثل وحدة فنية متكاملة لا تنافر بين عناصرها ولا تضارب بين أجزائها المنصهرة ضمن (( كل )) لا انفصام فيه .
ولا يخفى ان هذا التلاؤم بين الموضوع والجو الموسيقي منعدم في الشعر العمودي وما يسمى بـ (( الحر )) ذلك ان الشاعر الذي يتقيد بالوزن ينطلق من نغم معين يصب فيه احساسه وعواطفه ، ومن موسيقى معينة يلبسها غصبا اختلاجاته ومشاعره فتكون القصيدة كأغنية وضع لحنها ثم نسجت على قده كلماتها . ومادامت الموسيقي هي السابقة للاحساس فهي التي تكيفه طبق نوعيتها حتى يضطر الشاعر اضطرارا الى كبت جزء من شعوره أو المبالغة في تصوير هذا الشعور .
اما في الشعر الجديد فالإحساس سابق والنغم لاحق اذ ان الشعور هو الذي يتطلب موسيقى معينة تلائم امتداده وحدته أو ضيقه وهدوءه .
اما النقطة الثانية التي يلتقي فيها (( غير العمودي والحر )) بموسيقى الجاز فهي الحيوية والتلقائية ابان الخلق فلا (( نظم )) أو تكلف للمعاني مراعاة لمقضيات الوزن ومتطلبات القافية وانما يفرض الشاعر عبقريته الخلاقة على كل ما هو موجود في عالمه الشعري من صور وأحاسيس وموسيقى .
اما الشاعر التقليدي المعاصر فهو شبيه في نظرنا بعازف في فرقة سمفونية لا يفهم أحيانا الابعاد والاغراض والمقاصد التي يرمي اليها بيتهوفن أو موزار بألحانهما وايقاعاتهما وكذا الشاعر الذي يتقيد بالوزن في عصرنا هذا فانه لا يفهم على الاطلاق الماورائيات التي نجدها وراء كل شكل فني .
فالإحساس اذن هو الذي يخلق الموسيقى الشعرية في الشعر التونسي الجديد فاذا بالنغمة داخل كل قصيد تسير في ذبذبة عادية كلما كان الشعور هادئا وتتكاثر في صلبها الصدمات بأنواعها كلما اعترت الشاعر حالات توتر .
وما من شك ان الناحية التي يختلف فيها الجاز الحديث عن (( غير العمودي والحر )) هي الارتجال فلا ينطلق الشعراء من مقاييس عامة ينظمون عليها اشعارهم بل لهم الحرية المطلقة في خلق النغمة التي تناسب احساسهم ولعل هذه الظاهرة هي التي تجعل (( غير العمودي والحر )) شبيها بالجاز القديم حيث كان هذا الفن فى خطواته الاولى فيقوم أولا وبالذات على الأصوات البشرية كالاغاني التي ينشدها السود سابقا في مزارع القطن والتي تسمى بـ (( أغاني العمل )) Wark-Song فلم يكن السود اذ ذاك يعرفون قراءة الموسيقى بل ويجهلون جهلا تاما السلم الموسيقي الغربي فجرهم هذا الى خلق موسيقى جديدة ، خارجة عن نطاق القواعد دون شك ولكنها مفعمة حيوية وصدقا .
ومهما يكن من أمر فان اختلاف الجاز الحديث عن (( في غير العمودي والحر )) من حيث الارتجال ناتج في نظرنا عن طبيعة الموسيقى الشعرية التي تكمن في المقاطع الصوتية للألفاظ في حين ان موسيقى الجاز تعتمد فى المقام الاول على الآلات
ونريد ان نلاحظ في نهاية هذه الحلقة ان موسيقى الشعر الجديد أخذت منذ حين تستفيد من الاغاني الفولكلورية وما يسمع في الشوارع والاسواق من أصوات الباعة المتجولين ودوي السيارات وشخير المحركات ، واننا لنجد هذه الظاهرة أو بعض آثارها في
قصيدة محمد الحبيب الزناد (( نداءات في صباح المدينة )) المنشورة بمجلة الفكر . السنة 15 العدد 3 ص 11 .
(( ... حوائج قديمة
وساقط متاع واشياء
فى أزقة مدينتي :
(( روبا فيك . روبا فيكا
با فيكا . فيكا ... فيك . فيك ))
(( مثقوب أنا . صدىء مثقوب
ألحمني . رممني
لا تخلني معطوب
ألحمني يا صباح
(( لحام ... لحام - حام - آآم
بومبييي ... بييي - مومبييي
ييي ييي !! ))
ولشد ما نتمنى ان يتمادى الشعراء الجدد في استغلال هذه الظاهرة الطريفة التي تخرج بالشعر من حصونه الحصينة الى الشوارع والمقاهي والاسواق فيزداد بذلك حيوية ويصبح أحسن معبر عن آمال الجماهير وأحلامها .
الحلقة القادمة : (( قصائد على السرير الأبيض ))

