٢
أما هذا الجسم الذي نخدمه ونهئ له وسائل الترف والنعيم فى الدنيا فهو محدود العمر ، يعيش الواحد منا الخمسين والآخر الستين من السنين ثم يترك هذا الجسم الى البرزخ ان هذا الجسد شئ مهين زائل ، خلق من شيئين ماء انجس من البول ، ودم الحيض ، ان الانسان اذا بال فلا يجب عليه أن يغتسل بكامله . أما إذا خرج منه الماء الذي يتكون منه الجسد فيجب أن يغتسل بكامله . والانسان اذا أحدث الحدث الاصغر يجوز له أن يقرأ القرآن عن ظهر قلب وان يدخل المساجد ، أما إذا خرج منه الماء المذكور حرم عليه ذلك مطلقا . هذا كله دليل على ان نجاسة المنى وقذارته بالغة ) خلق الانسان من ماء مهين ( . ثم انكم لو تفكرتم في قوت هذا الجسد المخلوق من الماء المهين لوجدتم اكثر غذائه يتكون أيضا من القاذورات والنجاسات . ان افضل الاغذية الحلوة عندنا العسل . والعسل قيئ الزنابير ، قيئ حيوان ، والقيئ قذر على كل حال فكيف إذا كان قيئ ذباب ؟ . فكيف إذا كان قيئ ذباب سام ؟ : وان من أفضل الروائح العطرية المسك والعنبر ، والمسك بعض دم الغزال ، والدم المسفوح نجس ، والعنبر حيوان بحرى ، وكذلك باقى الاغذية تصلح بالدهن ، والدهن نجس ، ومن دلائل امتهان الجسد انه اذا مات ابوك او ابنك تلقيه فى حفيرة من الارض ولا ترضي أن يمكث عندك ليلة واحدة . واذن فالعناية بالجميع وحده مفسدة عظيمة . والجسم عارية يلبسها الانسان ثم يخلعها غير مختار كالقميص
والعمامة . اننا خلقنا للخلود ، وان الروح تبقى بعد الجسد ثم يبعثه الله يدخل الانسان الجنة اذا كان مؤمنا ويخلد فيها ، والنار اذا كان كافرا ويخلد فيها ، ان هذه الروح انزلت على الجسد غير مختارة فحبست فى انتن مكان واهونه للابتلاء ان الله سحانه وتعالى ارسلنا الى هذه الدنيا ارسالا غير مختارين فيه . وقدم لنا النعم تلو النعم وجعلها لنا اختبارا ، فاذا عنينا بتهذيب الروح وبصالح الأعمال وبالأحسان فاننا نسعد اذن ، ونستحق المكافأة منه تعالى بالنعيم المقيم فى دار البقاء . أما إذا عصيناه وأطعنا الشهوات ونعمنا ابداننا وخدمناها واهملنا تقويم الروح فان عاقبتنا اذن للخسران المبين ؛ لأن الحربى من شانه انه اذا انعم على من رباه فشكره واطاعه ان يغدق عليه نعمه . أما إذا عصاه فمن حقه أن يهينه أشد الاهانة ، ولهذا خلق الله الدنيا دار امتحان وبلاء والآخرة دار جزاء ومكافاة . ان ابلد الحيوانات على ما نفهم هو الحمار وان اشرها هو الكلب . والحمار والكلب يطبعان مربيهما ويحترمانه . فالأنسان العاقل المركب فيه الروح العلوي احق بطاعة ربه الذي اسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة . ان الله خلق الانسان فى احسن تقويم ، وصيغه ) احسن ( صيغة تفضيل تدل على ان خلقة الانسان احسن من غيرها . وان هذه النعمة من حقها ان تقابل بالشكر والطاعة . ان تقديمنا اليوم للاعمال الصالحة وقيامنا بالعبادات كتقديم ميتة للسلطان .
فنحن ندخل مثلا فى الصلاة ونقف امام الرب ونقول ) إياك نعبد وإياك نستعين ( ونأتى باداة الحصر وقلوبنا فى ذلك الوقت نفسه مشغولة بامور البيت ، مشغولة بالدنيا مشغولة بالبيع والشراء . فهل هذه هى العبادة المرضية ؟ . ان الله احسن إلينا وأمرنا بالاحسان والاحسان ان تعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك . هذا الاحسان هو الذى امتدحه الله ، فى قوله ) للذين احسنوا الحسنى ( . ان الاسلام دين يعنى بالروح والجسد . أما المسيحية فليست كذلك ولقد توصل بها أهلها إلى الرهبانية التى ذمها الله فى قوله ) ورهبانية ابتدعوها ( أما الاسلام فدين روح وعمل ولهذا كان من دعائه : ) ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة .
لها بقية
