لو أحصيت ما كتب باللغة العربية فى هذا الموضوع قبل الحرب العالمية الاولى وبعدها لتعذر عليك الاحصاء كثرة ولعجبت لالحاح الكتاب بالاقطار العربية الاسلامية فى هذا الغرض دفاعا عن الشرق وانتصارا له وسخطا فى وجه الغرب وثورة عليه .
ولقد عنى اذاك " بالشرق " عامة تلك الممالك العربية الاسلامية من اقاصى بلاد فارس الى اطراف ارض مراكش وخاصة بلاد الشرق الادنى والاوسط ممالك ضعف شأنها وهان امرها مريضة لا قوة لها ولا حول .
ولقد عنى اذاك " بالغرب " عامة اقطار أوربا وخاصة فرنسا وانقلترا اقطار عظم شأنها وعلا امرها قوية لها صولة وشدة بأس .
ولطالما احتد الصراع اذاك بين ذاك الشرق وذاك الغرب صراع بين عالم أفل نجمه بعد اجيال من نور المدنية غزار ونزل به ظلام الجهل ويبس فيه الفكر وكاد يموت وعالم اشرقت آفاقه اثر نهضة علمية وصناعية عميقة اينعت ثمارها فازدهرت به الحضارة ونشط الفكر وانتشرت المعرفة وقامت سوق العلم .
وتجمدت صور هذا الصراع بين الشرق والغرب تجمدا فى نفوس كتاب العربية واتحدت فى قرائحهم فصارت صورة واحدة متماثلة الملامح متشابهة الالوان صورة قاتمة مرة قتامة القلب الحزين ومرارة المعذب يقاسى . واحتد اذاك النزاع - فى مقالاتهم ومؤلفاتهم - بين الشرق والغرب بين عالم مغلوب ذليل وعالم عات جبار نزاع بين رجاء الضعيف وصبره وقوة الروح وغزارة الايمان وبين هيمنة القوى وبطشه وقوة المادة وحب القهر والتفوق .
ولطالما هزت الشرق الذليل اذاك - فى كتبهم - عصفات الاباء تصبو به الى الكرامة المنشودة والعز الضائع ، ولطالما لعبت برأس الغرب المنتصر اذاك نشوة الظفر والغلب تدعوه الى التبجح بفضل مدنيته والمباهاة بازدهار مجتمعه وتقدم حياته . ولكم كتب كتاب العربية فى هذا الغرض والفوا ولكم لهجوا
بتفضيلهم الروح على المادة ولكم نوهوا بتمسكهم بالمثل العليا والقيم الطاهرة ولكم حمدوا سمو الروح وقداستها ومجدوا الشرق تمجيدا وطعنوا فى الغرب طعنا ولوثوا وجهه تلويثا وفضحوا عنده عبادة المادة وطغيانها عليه وتقلص الفضائل من داره وسلطان الالحاد فى ثقافته . ولكم اشادوا ببهجة حضارة الشرق الغابرة وبأبهتها ولكم استهجنوا مدنية الغرب القائمة وقالوا بقبحها وأشبعوها لعنة وذما .
انما هو موقف المستضعف المهان يرفض الذل والخنوع تحت كلكل الطاغية العاتى ويستمد من صفحات تاريخ السلف غذاء ليصمد ويستطيع الثبات ويتزود من ماثر الاجداد ومجدهم قوة على ضعفه واعتزازا على مهانته ويفاخر بماضيه مفاخرة ويباهى به مباهاة ولا يرى فى فخره شططا ولا عليه فى المباهاة حرجا .
انما هى وثبات المغلوب تأخذه هزة الحماس وينتشى بنفحات الثورة فيغلو فى التنويه بما كان له من الشأن ولايبالى ويجازف فى التنديد بخصمه ولا يجد فى الجزاف شينا ولا فى الاجحاف بالحق عارا .
تلك هى صورة معركة الشرق للغرب اجمالا عند كتاب العربية اذاك الا ان بعضهم قد وقف اثناء ذلك الصراع مواقف حاسمة دفعت الشرق ما بين الحرب العالمية الاولى والثانية - دفعا الى التطور والتقدم وحفزته تحفيزا الى سلوك مسالك الاصلاح ليتخلص من عقاله وينفض عنه غباره فيستقيم حاله ويصير مع الغرب ندا مع ند . ولقد اثمرت حركة الاصلاح اذاك وكلل قادتها النجاح رغم عراقيل اهل الجمود وشوكة الاستعمار واستطاع رجال الحزب الاصلاحى ان يعبدوا للشرق سبل الشفاء ووطدوا العزم منذ قيام جمال الدين الافغانى الى موت رشيد رضا على ان يفتحوا له ابواب البعث والتجدد . ولقد تظافرت طيلة ذلك العهد جهود دعاة الاصلاح من رجال الدين ومساعى زعماء الوطنية والقومية مع ما ميز بينهم من تباين فى المذاهب واختلاف فى السبل والوسائل ولقد تمخضت حركتهم قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها مع ما فرق بينهم من تضارب التيارات وتفاوت الاتجاهات حتى استقام الشرق ورفع رأسه ووقف امام الغرب وجها لوجه وتطامح الى كيان ككيانه وتسامى الى وجود لا يقل عن وجوده شأوا وعزة حال .
الا ان هذه الحرب العالمية الاخيرة كانما غيرت مفهوم الشرق والغرب واحدثت فى القيم تحولا جدد الموضوع تجديدا ووضع المشاكل وضعا آخر طريفا . فاليوم الصراع قائم بين " الشرق والغرب " والحرب " الباردة " بينهما ضروس حامية النار الا انه يعنى " بالشرق " لا العالم العربى الاسلامى بل شرق اوربا بلاد روسيا السوفياتية وما التف حولها من دول دانت مثلها بالمذهبية الشيوعية وتحزبت بحزبها ويعنى " بالغرب " لا اوربا الاستعمارية بل الولايات المتحدة وما التف حولها من دول غرب اوربا تمذهبت بمذهبيتها وتسمت معها " بالعالم الحر " .
ولكم احتد النزاع اليوم بين هذا الشرق وهذا الغرب لا قبل لاحدهما بالآخر لما بلغا معا من هول القوة وخطر البأس فأصبحا فى القدرة على الغلب على حد السواء فاما ان يتعايشا واما ان يتلفا . واما الممالك العربية الاسلامية المستعمرة بالامس فقد صارت اليوم بعد فوزها باستقلالها من هذه الدول التى تدعى " متخلفة " يتجاذبها هذان العالمان فيستهوى بعضها العالم الشيوعى " بماركسيته " ومودته ومساعدته ويستهوى البعض الاخر " العالم الحر " " بحريته " ورؤوس أمواله .
ويسير هذان التياران بالاقطار العربية الاسلامية مسيرا عسيرا قد اخذاها منذ سنين اخذا ورداها ردا حتى تضاريت بها الاتجاهات واشكلت فيها المواقف والتوت عليها المناهج واضطربت منها الاوضاع . ثم انها لتتخاصم ولتتهاجر حتى ليشتد بينها الشجار ويتمكن بين قادتها الجفاء حتى تحتار النفوس وتنزعج القلوب ثم لاتلبث السحب ان تجرى بها الرياح ويسترجع الجو صحوه وتنسى الشتائم وتتصافح ايدى الصفا والمودة وتبتسم شفاه الاخوة .
ولقد يندهش بعضهم لمثل هذا التصافى يعود سريعا ويذهبون فى تأويله المذاهب ولكن لا سحر فى ذلك ولا لون من الشعوذة وليس هو من باب المناورة ولا الدهاء . انما هذه الاقطار العربية الاسلامية وان توخت سبلا تتفاوت فى اللين والشدة واختارت مواقف متخالفة متناقضة لا بد لها ان تهدف الى هدف واحد مع تعارض سياستها وليس لها ان تسعى الا الى غاية واحدة مع تنوع
اساليبها الى تحقيق مواهبها وتوفير امكانيات نهضتها وتنمية وسائل تقدمها . وانه لا فلاح للعالم العربى الاسلامى اليوم الا باخلاصه لنفسه ولا نجاة له اليوم بين القوتين المتصارعتين الا بالتمسك بذاته يتطور كما هو ليكون كما هو لا يمسخه ماسخ ولا يشوهه مشوه .
واننا فى بلادنا - هذا العضو من اعضاء العالم العربى الاسلامى - نشعر شعورا حارا بما لنا من اركان شرقية هى دعامة كياننا واصول عريقة تغذينا بروحها وترضعنا درها . كما اننا ندرك ادراكا حادا حاجتنا الى التشبع من نور المدنية العصرية لا نأخذ منها الا ما يلائم مزاجنا وما يزينها من قيم انسانية خالدة وما يقتضيه تطور الحياة .
وقديما كانت ارضنا جسرا بين الحضارات ووعاء تمخضت فيه تياراتها المتنوعة وأزبدت زبدة انسانية شهية فأدت رسالتها البشرية اداء مذكورا . فلا بد ان نوطد اليوم سعينا لتبقى سبيلنا واضحة متصلة المراحل بين ماضينا النير الحn ومصيرنا النير الحn ونظل على عهدنا ثابتين ولانفسنا مخلصين وبماهيتنا مؤمنين ومن رسالتنا واعين .
