الشعر اولا حال قبل أن يكون غناء أو مقالا . حال موحدة الجوهر متعددة المظاهر حتى لا يكاد يخلو وجه من وجوه حياتنا من الشعر . انه من اكثر الاشياء شيوعا بين الناس ، على اختلاف شؤونهم وطبقاتهم ، وانما مثل الناس فى اقتسامهم اياه والاشتراك فيه ، احساسا ووجدانا ، كمثل البلدى المتنبل يقول النثر ولا يدرى معنى النثر .
الشعر ملتصق بذاتك لا تفقده حتى فى أوج عملك الكادح وفورة نشاطك المحتدم ، انما أمقت أعدائه العمل الالى والحركة الرتيبة والسلوك الاجوف .
انه فى الصميم من عيشك ، فى وحدتك وأنسك ، فى يقظتك وحلمك فى اشراق بصيرتك وغمرة ذهولك ، فى ذروة كدحك الظافر الجسور ، وفى قرارة فراغك الوادع الهانئ ، فى عزك وخوفك ، فى أمنك وجزعك .
انه فى حنانك الحار الشغوف ، وقسوتك الصارمة اللدود ، فى شهوانيتك العارمة الظماى وفي روحانيتك المجنحة العزوف . انه في كبريائك المتخايل وفي تواضعك المستكين ، انه فى لمعة صفائك وطهرك وهو فى حمأة فسقك وتعهرك .
منذ المهد يلزمك ويحيا وينمو بحياتك ونموك ... صنوا لنفسك ظلالها ورسما ، ويصحبك فى سرائك وضرائك وفيا أمينا حتى ساعتك الاخيرة .
لا يغيب طيفه عنك ، ولا يكاد يخلو يوم من أيامك السائرة من لمحة منه وان عابرة ، أو ومضة أو نفحة وان كزة شحيحة .
وهل خذلك الشعر أو خانك يوما ! ؟ صور منه عليك تترى فى صبحك والمساء وألوان من الاحاسيس شتى تصبغ حياتك صبغة بدعا . .
ان مجرد احساسك المتجدد بمنحة الوجود يزف اليك فى كل صباح حالما تفتح عينيك . . هذه الدهشة اللذيذة التى يقصر عنها الوصف . .
الوجود نعمة ! الوجود بهجة ! يا سبحان الله ! أفى كل يوم ولادة حديدة ! ؟ ان هذا الاحساس البسيط الجليل الاقرب اليك من حبل الوريد لهو من أروع الشعر وأنفسه .
وقس على هذا حسنات الشعر اليك وعظم أياديه عندك .
انك لتستطيع ، ان انت أصغيت الى الجمال وأمكنته من نفسك ، أن تجنى منه ، وأنت على عفو سجيتك ، كل يوم باقة تلتقط زهراتها من هنا وهناك . . .
هذه بسمة غريرة عذبة تجتليها على وجه طفل صغير فيقتات منها قلبك ويهش ويستبشر ، واذا كيانك - فى طرفة العين - يزكو ويتفتح ، واذا أنت بهذا الزاد القليل اليسير تنتعش وتخصب وتزداد ايمانا بالحياة والانسان . .
وهذه الشمس الدافئة اللطيفة تداعب جبهتك وخدك فى يوم ربيع ، انك لتجد في حرارتها دغدغة لذيذة ولذعا شهيا محببا الى نفسك فتستزيده وتسكن اليه ، وتحس وأنت في هذه اللذة الغريبة طعم الغزل على شفاه قلبك . انها عشيقتك الشمس .
أرأيت هذا الجمال المبذول الكثير وهذه المسرات الجمة تمنحها مجانا على غير انتظار ! ؟
والموت ، ضد الحياة بل صنوها الخفى ! أليس هو مادة للشعر لا تنفد ؟ وهل أقرب الينا من الموت ؟
هذا الجسد المصمت الكثيف الذى اكتنز وتصلب مرمرا عجيبا منكرا . . لقد انغلق الى الابد . لقد لفظته حياتنا لفظ النواة ونفضنا منه أيدينا كأن لم يكن . ومع ذلك فانه لا يزال يحفر فى قلوبنا وينبش ويغور ويعلو وينبسط نقطة استفهام هائلة كالهوة لا قرار لها ترتعد فرائصك منها وان لم ترسل نظرك اليها .
على أننا ، وهنا العجب ، قد نأنس الى هذه الغيبوبة المحض ونطمئن الى هذه الغربة المطلقة وتتشهى نفوسنا طعم العدم ، استسلاما بريئا ورضا منها وطاعة حكمة .
وانك ترى ظل الموت أو طيفه فى الورقة الذابلة ، وفى التربة المقرحة العطشي بل حتى فى وحشة هذا الغروب وكآبته الحلوة كأنه بشفقه البديع النضرة الجياش الحمرة وداع الاحبة . وبعض الفراق موت .
الشعر فينا ومنا ، فكيف بعدت الشقة بيننا وبينه !؟
انـما غلطنا فى أمر الشعر وأفسد نظرنا اليه مفهوم زائف تحدر الينا من العصور القاحلة ، فكرة خاطئة عنه ، فهو فى نظر شيوخنا ومحافظينا حلية مترفة ، زينة فاخرة لم يكتب لكل أحد أن يقتنيها ويعرف قدرها ويقف على مدى الحسن فيها . هى ميزة للخواص بها امتازوا على سائر خلق الله من العامة والطغام .
كذا توهموا الشعر والادب والفن كله زخرفا وبهرجا لا غذاء يوميا ، قوتا نافعا لا غنى للنفس عنه ، وهل تنقطع حاجتنا الى الموسيقى وتنضب شهوتنا الى الرسم وتملى سحر الاشكال والالوان !؟
ان الجمال يا هذا لشئ يؤكل ويهضم وليس يذاق - حسوا - بأطراف الشفاه فحسب !
ان أيسر نظرة الى أمهات الادب كالاغاني مثلا أو البيان والتبين تقفنا على ما كان - منذ فجر التاريخ الادبى عند العرب - من نسبة حميمة ولحمة متينة بين الشعر والحياة .
كان الشعر شغل الجميع وبعضا من حياة الجميع يترنم به الصغير والكبير ويتدارسه الشيوخ والفتيان وتطرب اليه الصبايا والنساء .
كان ذلك فى الجاهلية ، وكان ذلك فى العهود الاولى من الاسلام الى غاية العصر العباسى الاول . ثم كانت القطيعة .
فمن منا لا يذكر فتنة الناس كافة ولهجهم بشعر عمر بن ربيعة وجميل وقيس بن الملوح وجرير وبشار وأبى العتاهية وأبى نواس وغيرهم وغيرهم .
ان الشعر فى تلك الحقب الزاهية مدينة مفتوحة للجميع يغدون اليها ويروحون . وان أكبر دليل على حظوة الشعر اذ ذاك واتصاله بالناس سنة الاسواق فى الجاهلية والاسلام (١) ثم ما كان من صلة وثيقة وتفاعل حى مثمر بين الشعر والغناء حتى لكأن الغناء مقياس سيرورة الشعر وسلاسته وخفته وطلاوته وماله من قابلية الذيوع والانتشار .
كذلك كان الشعر فى عهوده الزاهرة الحية . . سهلا قريبا ، مألوف سمحا فى سراوته وفخامته وامتيازه . ولن تقدر له رجعة ولن يبعث ثانيا الا بأن يعود الى سنته الاولى وفطرته الاصيلة ، فيقترب من الشعب ويلتحم به ليسمو بروحه ومداركه ويصح فيه ما يصح فى كل فن صميم : أن تذوقه وتطرب اليه العامة ، وترضاه وتسكن اليه الخاصة .
