الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

بين الصحافة والأدب

Share

ليس هذا المقال موضوعا لمفاضلة بين الصحافة والادب ، وانما هو بيان لدور الصحافة في ازدهار الادب ، وحديث عن العلاقة بينهما .

طلب مني الاستاذ الفاضل مدير " الفكر " ان اكتب في موضوع طريف وهام وهو " ادباء في الصحافة . . . وصحافيون في الادب "

وحينما اردت ان اصدع بالامر نازعتني افكار اخرى الى جانب هذه الفكرة وكلها تتصل بموضوع واحد هو العلاقة بين الصحافة والادب .

وتواردت هذه الافكار وتلك . . . كل منهما تريد ان تسبق الى الظهور على صفحات " الفكر " فتحظى بفضل " السبق " وهو عنصر هام من عناصر الصحافة الناجحة ، وبفضل التسجيل الموضوعي ، والابراز المادي والتصوير القلمي ، وهي عناصر اساسية في الادب الجيد . ولم يكن هناك بد من ان اطرق الموضوع كله بافكاره المتعددة ، وجوانبه المختلفة حتى تكون الصورة متكاملة امام القارىء ، وحتى يكون البحث وافيا .

قبل الصحافة

ولنبدأ من النقطة الاولى وهي كيف بدأت العلاقة بين الصحافة والادب ؟ لقد كان الادب - اقصد الادب العربي - قبل وجود الصحافة ، يعمد الى وسائل محدودة في نشره بين الناس ، وكان التفاعل الادبي بين الادب او الاديب منحصرا في نطاق يكاد يكون محليا .

ففي العصر الجاهلي كان نشر الانتاج الادبي يعتمد على الرواة وعلى اسواق العرب كعكاظ وغيره وهي وسائل فردية ومحدودة .

وزادت وسائل انتشار الانتاج الادبي بعض الشيء في العهدين الاموي والعباسي وذلك بكثرة الندوات الادبية وكتابة الكتب والدواوين الشعرية وتسجيلها وقيام النقد الادبي والدراسات الادبية ، وحتى ذلك كان في نطاق محدود .

وفي العهود التي توالت لم يكن نشر الادب وتدوينه يزيد الا بمقدار ما يزيد عدد المدونين والناقدين والولوعين بتذوق الادب وروايته .

الادب للجميع

الى ان جاء عصر الصحافة والمطبعة او جاءت فترة انتشار الادب على نطاق واسع بين الجماهير وهي الفترة التي يصح ان نسميها " فترة الادب للجميع " .

لان الانتاج الادبي في عهد ما قبل المطبعة والصحافة كان قاصرا تداوله ومعرفته ودراسته وتعلمه على مئات محدودة من الناس انصرفت همتهم الى ذلك ، ودفعتهم هوايتهم الى العناية به .

وحينما برزت الصحافة كان اول ما عنيت به هو الادب بل ان اكثر الصحف التي ظهرت كانت في بداية عهد الصحافة ادبية اكثر منها اخبارية ، وكانت تحرص على ان تسجل تحت عنوانها انها صحيفة او مجلة ادبية ، وابرز ما كان فيها هو الانتاج او الدراسات الادبية واذا رجعنا الى الصحف القديمة حتى الرسمية منها سواء منها " الاهرام " او " الوقائع المصرية " في مصر ومثيلاتها في القدم بالبلاد العربية الاخرى نجد ان اعدادها الاولى عامرة بالانتاج الادبي ودراساته ونقده وزاخرة بالمقالات والمساجلات الادبية ، حتى الناحية الخبرية فيها كانت تكتب باسلوب الادب لذلك العهد .

مرآة الادب

وظلت الصحافة العربية مرآة للادب وانعكاسا لصوره تنشره بين الناس وتتيح لكل قارىء ان يتذوقه ، ويتعرف عليه واصبح الادب للجميع لا لفئة خاصة من الناس يرتادون الندوات الادبية او يحضرون مجالس الادب والسمر ، في قصور الخلفاء والامراء .

واصبح الكاتب او الشاعر او الناقد يكتب للالاف من الناس الذين يقرأون الصحف ويطالعون المجلات مما ساعد بلا شك على الاجادة وعلى تكوين الملكات

الادبية وتنميتها وعلى ابراز المواهب واذاعتها ، وعلى قيام المساجلات بين عدد كبير من الادباء والناقدين لا بين فردين فقط كما كان يحدث من قبل بين شاعرين او كاتبين فحسب .

وفي الربع الثاني من القرن الذي نعيش فيه ازدهرت الصحافة الادبية او على الاصح ازدهر الادب في الصحافة فرأينا المجلات الاسبوعية طافحة بالالوان الادبية من انتاج ودراسة ونقد ، وكان الاسلوب الادبي هو المستعمل حتى في المسائل السياسية مما ساعد على ظهور وتكوين عدد كبير من الكتاب والشعراء والنقاد اصبحوا طليعة الادباء فى عهدنا الحاضر .

عهد التخصص

ولئن كان عهد التخصص الذي نعيش فيه قد دفع الى ظهور الصحافة الادبية والصحافة الاخبارية فان ذلك لم يؤثر على استمرار علاقة الادب بالصحافة ووثوقها بل انه كان عاملا جديدا من عوامل زيادة انتشار الادب وذيوعه ، فلم يمنع ظهور الصحافة الادبية من ان تخصص الصحافة الاخبارية جانبا منها للادب ظهر في شكل صفحات ادبية او مقالات للادباء او نقد ادبي او انتاج قصصي او شعري بل ان للصحافة فضل انتشار القصة الطويلة او القصيرة في الادب العربي الحديث حتى اصبحت مادة ثابتة من المواد التي تقدمها الصحيفة او المجلة الاخبارية لقرائها .

الآثار العالمية

كما كان للصحافة فضل ايجاد التقارب والتعارف والاتصال والاقتباس بين الادب العربى والآداب العالمية في كل بلد فلم تكن الترجمة عن الاداب الاخرى سائدة قبل ان تقوم الصحافة بذلك اللهم الا في نطاق محدود كأن يعجب اديب ما باثر من الآثار الادبية فينقله الى العربية ، اما اليوم فقد اصبحنا نطالع آثارا ادبية من الاداب العالمية تنقلها الصحف في اسلوب جيد وعرض حديث ، وحتى اخبار الادب والانتاج العالمي اصبحت بفضل الصحافة تعرف في حينها للمهتمين بالادب وغير المهتمين به على السواء .

وهذا الدور الكبير الذي قامت به الصحافة من ناحية نقل آثار الاداب

العالمية والعناية بربط الصلات بين ادبنا العربي او الآداب الاخرى كانت له آثار كبيرة في تطوير الادب العربي وسد نواحي النقص فيه ، وايجاد مجالات جديدة واغراض حديثة لم تكن له من قبل ، ولا اكون مبالغا اذا قلت ان الصحافة قد احدثت ثورة في الادب العربي فغيرت من مفاهيمه القديمة وجددت شابه , ووجهته الى الطريق الذي سارت فيه الاداب الناهضة ، وجعلته يتطور لان يكون ادبا للحياة  ومن سار على الدرب وصل .

تجديد اللغة

ومن الناحية اللغوية من تجديد للغة وتطوير لاساليبها وجعلها مسايرة للعصر الذي نعيش فيه ، مؤدية للاغراض والمفاهيم الجديدة . . فان الصحافة قد ساهمت في ذلك مساهمة كبرى فاقت مساهمة المجامع اللغوية التي استحدثت لهذا الغرض فلقد واكبت الصحافة سير الاحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلمية فضلا عن الثقافية ، وكان لها الفضل في تعريب مصطلحاتها - وكلها اجنبية - او على الاقل جعلتها كلمات عربية مستعملة يعرفها الخاص والعام .

وقد برزت مجهودات الصحافة في هذا الميدان : ميدان تجديد اللغة ومسايرتها للعصر وتأديتها لمطالبه . . اقول برزت هذه المجهودات خاصة منذ الحرب العالمية الاخيرة حتى الآن .

فلقد كانت هذه الحرب تخرج على الناس كل يوم بالجديد من الاساليب والوسائل ، وكانت بلاغاتها اليومية - وكلها بلغات اجنبية - تتضمن احداثا واصطلاحات وتعبيرات خاصة ، كان على الصحف ان تترجمها في الحال وان تخرج على الناس في نفس اليوم بما يقابلها من الالفاظ والمصطلحات العربية ، وتلك لعمري مهمة شاقة .

فالمجامع اللغوية الآن تقضي الاشهر والاعوام لتتابع ما نشرته الصحافة من مصطلحات في سائر نواحي الحياة وتضع له من الالفاظ والجمل والتعابير ما هو عربي محض - في رأيها - ولكن الصحافة قد قامت - وتقوم - بهذه المهمة في الحين , بل ان الالفاظ والتعبيرات او الجمل والمصطلحات التي قدمتها للجمهور لما استحدث في سائر نواحي الحياة قد اصبحت مستعملة على نطاق واسع ، ولا اكون

مغاليا اذا قلت انها كانت اكثر سلاسة من مصطلحات المجامع العلمية اللغوية واقرب الى المعبر عنه .

ولن أنسى - واعتقد ان كثيرين مثلي لن ينسوا كذلك - تلك التعبيرات والمصطلحات التي كانت تخرج بها الصحف طيلة ايام الحرب العالمية الاخيرة وما بعدها وهي لو جمعت لاصبحت معاجم وقواميس . . ومن منا لا يذكر كيف اصبحت كلمة " القنبلة الذرية " و " الامم المتحدة " و " ميثاق حقوق الانسان " و " الصواريخ " و " المساعي الحميدة " و " الهدنة " و " الصلح " و " مؤتمر الاقطاب " وغير ذلك من مئات المصطلحات العلمية والسياسية والعسكرية والقانونية والاجتماعية - كلنا يذكر ان هذه المصطلحات العربية المعبرة تمام التعبيرعن مقابلها باللغات الاجنبية - وهو الاصل - تعبيرا جزلا ، اصبحت في متناول كل قارىء وكاتب ، ولولا الصحافة لانتظرنا السنين الطوال حتى تجتمع مجامع اللغة وتقرر - لو اتفقت - تعبيرات عربية لها !

ألم يكن للصحافة في هذا الباب فضل واي فضل ؟

تجديد الادب

واذا انتقلنا من ميدان تجديد اللغة وفضل الصحافة فيه فاننا نتتقل الى ميدان آخر هو تجديد الادب نفسه وللصحافة فيه دور عظيم فاق دور الكتب أو المحاضرات او غير ذلك من الوسائل .

فلقت جددت الصحافة الادب العربي وطورته حتى اصبح يضاهي غيره - ان لم يفق في بعض النواحي - من الاداب العالمية الاخرى العريقة في الوانها واتجاهاتها .

لقد نقلت الاداب الاخرى اول ما نقلت عن طريق الصحافة وقد نوقشت اتجاهاتها ومفاهيمها فيها ، وقد تطور الانتاج الادبي العربي على نمطها في الصحافة ايضا .

ولقد ظهر الشعر الحر اول ما ظهر في الصحافة ثم اخذ طريقه الى الكتب والدواوين .

والاساليب الفنية المختلفة ظهرت في ميدان الادب عن طريق الصحافة .

والصراع بين الادب القديم والادب الحديث الذي تولد عنه تفاعل وتطور في كليهما . . كان ميدانه الصحافة . واتصال الادب العربي بالفنون الاخرى سواء منها التمثيل او السينما او التصوير او النحت او الرسم وتفاعله معها وانتاجه من اجلها ولها . . هل كان بطريق آخر غير طريق الصحافة التي نشرت الروايات وترجمت المسرحيات وابررزت القصص ، واوردت النقد الفني لهذه الفنون حتى استوت او كادت . .

ان المتتبع لالوان الادب العربي واغراضه وأساليبه ووسائله واهدافه ليجد فرقا هائلا فيه بين عصور ما قبل الصحافة وعصر ما بعدها ، وانه لواجد فيه تطورا عظيما وتنوعا كبيرا وتجددا ضخما على يدي الصحافة .

واذا كانت الصحافة لها هذا الاثر الكبير في ميادين تطوير اللغة وتجديد الأدب ونشره وتوثيق صلته بالاداب العالمية الاخرى وتنويع مذاهبه وافكاره ، فان لها دورا كبيرا في التاريخ للادب نفسه بحيث قد اصبحت مرجعا يكاد يكون أساسيا لدراسة الادب ، وتاريخ الادباء في عصرنا الحديث ، لان الآثار الخالدة لهم والصور المتعددة لشخصياتهم كان للصحافة الفضل الكبير في ابرازها وحفظها في نفس الوقت للزمن وللتاريخ .

وان للصحافة لدورا آخر بالنسبة للتاريخ العام للامة العربية في العصر الحديث فهي التي سجلت ادواره واطواره وهي التي اشتملت على معالمه ، واحداثه ، بالرغم من كل ما عانته ، وبالرغم من وقوعها في كثير من الاحيان تحت نير الضغط والاكراه ومحاولات قلب الحقائق بالقوة .

دور الادب في الصحافة

ولرب قائل يقول : ما بالك قد أسرفت في التغني بفضل الصحافة على الادب حتى انك كدت تخرج عن الاطار الذي رسمته لهدف مقالك منذ البداية ، ثم لماذا نسيت دور الادباء في تطوير الصحافة نفسها بل في خلقها ونشأتها .

الم يكن اوائل المشتغلين بالصحافة من الادباء ؟ والم يكن رواج الصحافة سببه كتابات الادباء وافكارهم وانتاجهم ؟

اليس للادباء المبرزين الفضل جل الفضل ان لم يكن كله في سبيل انتشار الصحف وتلهف القراء عليها ؟

هل كان الناس في مصر مثلا يقبلون على الصحافة في بدء نشأتها لولا كتابات وانتاج الرواد من الادباء الصحفيين ؟

هل نسيت دور على يوسف والمنفلوطي وشوقي وحافظ ابراهيم وطه حسين ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم والمازني وغيرهم . . . وغيرهم كثيرون من الادباء الذين اشتغلوا بالصحافة او انشأوها او ساهموا فيها حتى اصبح القراء يترقبون الصحف ليطلعوا على انتاجهم فيها وبالتالي على غير ذلك مما تحتويه وهل نسيت انه لولا وجود الادباء المتضلعين في اللغات وفي اللغة العربية لم يكن من السهل نقل الآثار والاداب العالمية وتعريب المصطلحات المختلفة الى اللغة العربية ؟

وهل نسيت ايضا انك اذا اردت ان تؤرخ للصحافة العربية فانك ستجد للادباء الدور الاكبر في نشأتها وفي تطورها ونهضتها وانتشارها ؟

ولكنني لن انسى ذلك او غيره من دور الادباء في الصحافة كما انني لم انس دور الصحافة في الادب

وانما الذي دفعني الى ما ذكرت هو ان قوما من الادباء قد غلبت عليهم النزعة الانطوائية ، فراحوا يقولون عن الصحافة - من ابراجهم العاجية - انها بسطت اللغة والادب حتى امتهنتهما وانها قربت مفاهيمها الى الرجل العادي حتى ابتذلتهما وان الشكل والصنعة قد غلبت عليها حتى اصبح ذلك جوهرها وانها قد اوشكت ان تكون خطرا على الناشئة الذين يلتمسون فيها العون لتنمية افكارهم ومواهبهم الادبية بما تخرج فيه من لغة مفككة وأساليب مهلهلة .

وقد يكون فى حديثهم هذا بعض من الصحة والصدق . . . ولكن ليس الذنب ذنب الصحافة ولا المشتغلين بها وانما الذنب هو ذنب الادباء انفسهم الذين قبعوا من ابراجهم العاجية واكتفوا بقصيد او كتابة خافتة يرددونها بين اربعة جدران بينهم وبين انفسهم او بينهم وبين من هم على طريقتهم من الادباء او المتآدبين او المسامرين فخافوا الا ينزلوا الى ميدان الصحافة او يساهموا في نهضتها وترقية اساليبها واوجسوا في انفسهم خيفة من ان يجر اليهم الاشتغال بها المتاعب وهي مهنة البحث عن المتاعب فلم يحققوا للمجتمع ادبا راقيا ولم يعملوا على ترقية الصحافة واساليبها ، وهكذا اصبحوا في معزل عن الصحافة وسلكت الصحافة كل الطرق اليهم فلم توصلها بهم .

لقد ازدهرت الصحافة او بدأت على الاصح تشق طريق ازدهارها منذ ان كان فيها الادباء مساهمين وازدهر الادب وشق طريقه في ميدان الصحافة . فعودوا اليها ايها الادباء " العاجيون " وتفاعلوا معها وتطوروا كما تطورت صناعتها تزدهر بكم وتلمعوا بها ويتطور الادب ويعظم قدره ! .

اشترك في نشرتنا البريدية