الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "المنهل"

بين الصحافة والاذاعة

Share

هذا موضوع أريد ان اثيره والقيه على بساط البحث ليشترك فيه قراء المنهل الغراء ولا يمنعهم حكمى للصحافة او عليها ان يتخذ كل واحد مذهبا خاصا يرتضيه لنفسه ويدافع عن اتجاهه ورأيه حتى يثبت بالحج والمنطق المعقول .

ان لكل شئ غالبا محاسن ومساوئ وبقدر تفاوت المحاسن وقلة المساوئ ينشأ التفاضل وعلى هذا الاساس ننظر الى الصحافة والاذاعة نظرة فحص وتعقب متجردين عن اى تعصب او تحيز باحثين عن خدماتهما للمجتمع ومدى استفادة الشعب من هذه الخدمات .. فاننا بالمقارنة نستطيع ان يحكم على بينة ، حكما ترتاح اليه النفس ويقنعها بالامر الواقع ولا شك ان للاذاعة ما لا ينكر من المحاسن والفوائد ، ليست شبكة اتصال تلتقى فيها انباء العالم و تمد الشعب بهذه الانباء كما تغذيه بالاغانى الزجلية الحلوة والحفلات المسرحية التى تعالج بها مشاكل الشعب لاجتماعية والاقتصادية والثقافية باسلوب خلاب ويتلقفها الشعب من فمها وهي طرية فتؤثر فى مشاعره وتسري فى عواطفه وتنعش معنوياته وكل هذا من غير تكلف فى الفهم والقراءة " علاوة على القرآن الكريم والاحاديث الدينية التى تسمو بالنفس وترتفع بها الى عالم الروح الصافى "

واما الصحافة او صاحبة الجلالة كما يسمونها فحدث عنها ولا حرج والحديث عنها حلو ممتع تعشقه النفس ويفتح امام العقل مجال الفكر لينطلق فى فضاء النور يسبح فيه ويجمع الدرر والجواهر فى سلك منظم مرصع يقدمه الى صاحبة الجلالة وهى بدورها تقدمه الى الشعب لياخذ كل فرد كفايته من هذه الجواهر مع رخص ثمنها وسهولة تناولها وانتشارها فى كل مكان ، وفى استطاعة الانسان ان يحتفظ بها على مر الايام وتعاقب الازمان فهى سجل حافل بما يمر على الناس من الحوادث يحتفظ به صاحبه لوقت الحاجة اليه .

وعندي ان للصحافة من المزايا والخصائص ما يجعلها صاحبة الكفة الراجحة فى هذا المضمار من غير محاباة ولا تفضيل ولا تزكية وقد عرفت الانسانية الصحافة الحرة وعظمتها وعرفتها الشعوب قائدة فى كل ميدان ، ميدان السياسة والفكر والبحوث الادبية المختلفة وتوجيه الرأى العام فشغفت بها ولقبتها بصاحبة الجلالة وهى جديرة حقا وخليقة بهذا الاسم ، وفى كل صباح ومساء واسبوع وشهر تطلع علينا الصحف والمجلات وهى تحمل بين طياتها كل ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين ، فكل انسان يبحث عن شهيته واجد هذه الشهية .

فرجل السياسة يتناول الصحيفة لينظر ماذا فعل قادة العالم فيجد هذا بعد تكييف وتمحيص وتوجيه وتخمين ايضا يلقى الاضواء على لغة هؤلاء القوم اذ لهم لغة مذبذبة لا هى معربة ولا مبنية تحتاج الى تثبيت والى كشف غطاء ، ويتناولها الأديب فيرى عصارة الفكر وملتقى العقول ومعترك الآراء ومجرى الاتجاهات والأفهام تشع منها الأنوار فتضئ ذهنه الى الأفق فيجول فى زوايا الكون تارة يعود به إلى الوراء فى خلال انقاض الماضى الغابر وتارة يلتف حول الزمن الحاضر يفتش محتوياته كأنه فقير او تاجر جشع سقطت منه قطعة نقد ثمينة فى رمل ، ومرة يتجه باضوائه الكاشفة الى الاشباح القادمة : اشباح المستقبل يجوس خلالها ويحاول بذهنه ان يحكم عليها فربما اصاب فى بعض الاوقات فتكون حلوة او اخطأ فتغفر له الزلة ( ولكل مجتهد نصيب ) وهذا كله يحصل وهو قاعد على مكتبه او مستلق فى سريره كأن الزمن شبكة من الخيوط يمسك باصولها ويجذبها فتعود اليه بفروعها فاذا هى بين يديه وهو لم يتحرك فى مكانه .. وتتعقب الصحافة الحكومة وتقف لها بالمرصاد ترقب اعمالها وتفحصها بدقة واعتناء ليتبين الصالح منها من الفاسد حتى يكون الشعب على بينة من غدر الغادرين وذبذبة المنافقين كما يبين اخلاص المخلصين ونية الوطنيين الصادقين فيحكم على الفريق الاول بما يستحق من الاهانة والنصف الثانى ويحمله على الاكتاف والرؤس ويخلد ذكره للاجيال القادمة ومن عمل صالحا فلنفسه ومن اساء فعليها

هذه هي الصحافة التى اعنيها والتى يقول فى اداتها قيصر روسيا الاخير : " جميل انت ايها القلم ولكنك اقبح من الشيطان فى مملكتى " ويقول فيها مانويل ملك البرتغال المخلوع يخاطب الصحفيين : ( أنتم سبب سقوطى ) ويقول فيها كاسترو رئيس جمهورية فنزويلا : ( لا اخاف بوابة جهنم اذا افتحت امامى ولكنى ارتعش من صرير قلم الصحافى ) ويأخذ التاجر الصحيفة فيجد فيها البضائع واثمانها المختلفة ثم يختار لنفسه الثمن الذى يروق فى عينيه من غير ان يتكلف بحثا كثيرا ، ويأخذها طالب الوظيفة فيحد فى الوظائف المعلن عليها ما يوافق هواه

وقرأت اخيرا لمدير المخابرات المصرية انهم كثيرا ما استناروا باعلان بسيط فى بعض الجرائد فى كشف الجواسيس او المتآمرين ضد الوطن ، وكثيرا ما اهتدت الحكومة الى الحوادث وعرفت مكانها وتاريخها بفضل الصحافة

وبعد هذا الكلام نستطيع ان نقول ان الصحافة مدرسة جامعة وتاريخ حافل والذي يحاول حصر فوائدها او يقارن بينها وبين الاذاعة انما يسير فى طريق يؤدى به الى الفشل .

القاهرة

اشترك في نشرتنا البريدية