الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10الرجوع إلى "الفكر"

بين الصحة والمرض

Share

لقد هز هيكل (( العلوم الانسانية )) منهاج البحث عند المفكر المعاصر هزا عنيفا ، فغير ماهيته وسار به فى مجابهة جديدة متجددة للقضايا البشرية العامة . فبعد أن كان الفيلسوف - فى مفهومه الكلاسيكى - يهيم فى تجريداته الذهنية ويغيب فى تخميناته النظرية أصبح العالم الانسانى يغوص على مادة ملموسة ، فيحلل ويقيم الاحصائيات ويقارن (I) . فقضية الحرية مثلا كانت توضع موضعا ميتافيزيكيا بحتا ، فتضيع فى (( مفارقات الفلاسفة )) . فأصبحت الآن تعالج على ضوء الضغوط البيولوجية والنفسية والاجتماعية التى تعتمل فى الانسان والتى يمكن استشفافها بطريقة علمية . وطبعا لا نقصد بما سبق أن الفلسفة قبرت وأن العلم (( تربع على عرشها )) . ولكن اردنا بذلك أن الفيلسوف المعاصر أصبح فى مواقفه الفكرية العامة يعتمد الحصاد العلمى                                                                                            المعاصر له . فالفلسفة الحديثة يجب أن تكون على حد تعبير الفيلسوف الفرنسى Georges Gusdorf  توحيدا وتعميقا لما يصل اليه الانسان فى معرفته العلمية للكائن فى شتى مظاهره ( 2 ) . وقد حركت (( العلوم الانسانية )) فيما حركت قضية الاختلال العقلى وجعلت لها جذورا عميقة سنحاول فى هذه الخواطر الوقوف على بعضها .

من المتعارف أن المجتمعات الاسطورية جعلت من المختل (( مجنونا )) (3) ، فهو شخص تخلت عنه آلهة الخير ، فانقضت عليه عناصر الشر وأفسدت

عليه حياته . فهو سجين إرادتها ، أسير عبثها . وتبعا لذلك وقفت هذه المجتمعات الاسطورية من المريض موقفا صارما أساسه الخوف والرفض . فكان الخوف من أن يتحول غضب الآلهة من (( المجنون )) إلى سائر القوم ، وكان رفض (( المجنون )) اتقاء لعدوى ممكنة خاصة أن كيان المريض مشحون قوة سحرية غامضة . فكان (( المجنون )) فى هذه المجتمعات يحتل منزلة مزدوحة : فهو ملفوظ (( اعتزله قومه )) ، ولكنه مع ذلك طريف لعلاقته - السلبية طبعا - بالآلهة (I)  . واذا ما انتقلنا الى الحضارة الاوروبية نلاحظ أن تحديد الاختلال هو أساسا تحديد اجتماعى مرتبط بزمان ومكان معينين ، فيقول العالم الاجتماعى (( دوركهايم )) فى هذا الصدد :                                                                                                 [ إذا ما اتفقنا أن نسمى نمطا متوسطا الكائن الذي نؤلفه فى جمعنا خاصيات النوع الاجتماعى الاكثر حدوثا ، يمكن أن نقول إن كل بعد عن هذا التعبير للصحة يعتبر مظهرا مرضيا ، فالحدث الاجتماعى لا يعتبر عاديا بالنسبة لمجتمع معين إلا فى نطاق مرحلة مضبوطة من تطوره ] (2) وهكذا نرى أن تحديد الاختلال ليس مطلقا بل له قيمة وظيفية ، فالمجتمع مضطر اذا أراد لكيانه الالتئام والاستمرارية أن يوجد نمطا معينا يتجه اليه أفراده . فالاجتماع البشرى يستمد كيانه من الخاصيات المعنوية العامة الجامعة بين مختلف الافراد ( 3 ) فيلفظ المختل إذ أنه يكون خطرا على المجتمع فى سلوكه  (( الشاذ عن القاعدة )) . ويمكن أن نحدد أسبابا أخرى تفسر المكانة الهامشية التى نجد عليها المختل فى غالب المجتمعات . فهناك ارتباط ماس ببروز (( المجتمعات )) الرأسمالية ( 4 ) . فهذه المجتمعات تجعل من العمل المثمر الدعامة الاولى ، فالمختل بخروجه - عن اضطرار أو عن رغبة - عن بوتقة الانتاج والاستهلاك يكون تهديدا لأسس المجتمعات الرأسمالية . لذلك وجب لفظه والسخرية منه حتى لا يكون نمطا يحتذى ، ويمكن أن نرجع فى تحديد منزلة المختل الى بعض معطيات علم النفس التحليلى ، فلفظ المختل والسخرية منه والتطاول عليه ، كل ذلك مرجعه الى (( عملية تعويضية )) يقوم بها الانسان

لا شعوريا حتى يتناسى نقصا مؤلما . فنحن نلاحظ مثلا أن لكل قرية مختلها يتعاقب عليه قوم القرية سخرية وضربا فيشعرون الى حين بقوة خيالية وينسون الى حين بؤسهم وضحالتهم ( 1 ) . فالمختل بهذا القياس يؤدى وظيفة اجتماعيه إذ انه يمكن بعض الأزمات من الانفراج وبعض الطاقات المخنوقة من التنفس .

إن هذه الخواطر حول الاختلال العقلى يمكن أن تساعدنا على فهم اتجاه جديد فى التطبيب العقلى برز فى الستينات على أيدى رواد نذكر من بينهم البريطانى D . Cooper والامريكيين Lang أو Esterson والفرنسى R.Gentis حاولت هذه الحركة مجابهة الاختلال العقلى مجابهة ثورية فى تحديدها للظاهرة المرضية وفى محاولة تجاوزها ( 2 ) تحاول هذه الحركة الخروج عن أساليب الطب العقلى الكلاسيكى . فالاطباء الكلاسيكيون نتيجة تربيتهم والاتحاء الذى جعلوا فيه لا يهدفون الى اصلاح حقيقى للمختل و (( لم شعثه )) ، بل يجعلون يتوغل فى هامشيته ، فيواصلون فى ذلك عمل القوى الاجتماعية الخانقة . فالطب العقلى الكلاسيكى يؤدى وظيفة اجتماعية مرتبطة بأوضاع بتحتم الحفاظ عليها ، وهو يقوم بترضية نفسية لا باصلاح جوهرى عميق ، فالمريض بشعر بأنه ينظر فى أمره بدون أن يؤخذ منفذ الى الجذور الحقيقية للمرض . فهذه الحركة الجديدة تقوم على مبادئ أساسية سنحاول ضبط بعض ملامحها .

إن الاختلال لا يمكن أن يحصر فى شخص المريض ، بل يكتسى علامة اجتماعيه . فهو (( نبى )) بأن تراكيب المجتمع وعلاقات أفراده مقامة على أسس مرضيه . فالمجتمع المريض فى تركيبه الاقتصادى والاجتماعي والثقافي يقود الى كبت أفراده ، وكل كبت الى التأزم فالاختلال . فاصلاح المختلف يرجع بنا أساسا الى النظر فى شؤون المجتمع لاصلاح جذوره ( 3 ) وترى هذه الحركة

الجديدة أن التجربة المرضية لا يجب خنقها وإسدال ستار حديدى عليها . فهي مع كونها تقوم على انبتات عميق وعدم ائتلاف بالوسط المجاور تحمل آفاقا من الثراء والخصوبة ولقد ترك لنا التاريخ آثارا خلقت فى تجارب مرضية نذكر منها على سبيل المثال آثار  Nerval و Artaud و Nietsche (I) وإن هذه الملاحظات حول طبيعة الاختلال تحتم علاجا مؤاتيا . فالمختل عوض أن يكبت فيخنق يحب التفتح اليه والحوار معه . فالحوار فى نطاق احترام خصوصية تجربة المختل كفيل بأن يعمل عمله فى جذور المرض . ففاعليه الطب تكمن فى اعادة ربط المريض بالمجتمع لا فى فصله عنه . وعمليه قطع الفرد عن المجتمع بدعو اصلاحه تقوم على محض عبث . إذ يبقى المختل فى (( منفاه )) يدور حول نفسه ، فتزيد هواجسه ويتعاظم انبتاته ( 2 ) .

وهكذا حاولنا أن نلقى بعض الاضواء على طبيعة التجربة المرضية ، فرأينا انها مظهر اجتماعى لا ينفصم عن جذور موضوعية . ورأينا خاصة أن الطب العقلى فى هذا الاتجاه الجديد لا يربط مريضا (( سفيها بائسا )) بطبيب (( رشيد )) يحمل مفتاح أمهات المشاكل ، بل ينبنى على جدليةخصبة بين مريض يجب قطع انبتاته وطبيب يمكن أن يستشف من تجربة الآخر آفاقا جديدة ( 3 ) .

اشترك في نشرتنا البريدية