الى صاحب (( الحب مع تأجيل التنفيذ ))*
قد يلتقى المرء بطفولته .. فجأة .
قد يلتقى بها ، فى هذه المحطة أو تلك ، من محطات الزمن ، فيربت على كتفها ، أو يرسم قبلة على جبينها الصغير ، أو يضع باقة زهور بين يديها ..
ثم يرحل وهى تتلاشى كحلقات دخان فوق سيكارة تحترق بهدوء ..
أما هذا الكائن الذى يلازمك مثل ظلك ، يقف باستمرار بينك وبين المرآة وجها لوجه ، مراقبا حركاتك وسكناتك ، فكثيرا ما كان لقاؤه بطفولته متمثلا فى رفعها الى راحته ، دون أن يربت على كتفها ، ودون أن يرسم قبلة على جبينها ، ودون أن يضع باقة زهور بين يديها ودون أن يبتسم لها وهى تتلاشى كحلقات دخان فوق سيكارة تحترق .. بهدوء
وبعد أن يرفع طفولته الى راحته .. وكأنها برعم أخفى عطره فى الاكمام . خوفا من العاصفة ، أجدني أفتح عينى - نصف انتفتاحة - ثم أرنو إلى طفولتى - البرعم فاذا بها قد تحولت الى طائر من تلك الطيور المهاجرة التى تتلاشى كحلقات دخان ..فوق سيكارة تحترق . بهدوء
وبخفقة جناح ..مفاجئة ..
وبخفقة جناح مفاجئة قد تحمل الطفولة .. الى مرابع صباك ، فاذا بك .. مع لعبك تلهو ، أو مع أترابك تسابق الريح ، فتصعد الى ركح البراءة ، أو تبقى فى الكواليس ، تنخرط فى زمن الدهشة ، أو تبقى مترجلا على رصيف حاضر أيامك الماضية والمقبلة ، تتوحد مع شاطئ المبتدإ .. أو تبقى جمعا بصيغة المفرد ..
أما هذا الكائن الذى انتحل هويتك وبصمات أناملك ، مراقبا حركاتك وسكناتك ، فان خفقة الجناح . . لا تحمله الا الى تلك المدينة ( 1 ) المعلقة على ظهر ربوة ، عروس الشمال ، ذات التاج والعرش والصولجان ..
وبعد ان توقفه طفولته فى حضرة المدينة العروس ، على مرمى زرابى الخضرة والسنابل ، أجدنى أفتح عينى - نصف انفتاحة - ثم أرنو إلى طفولتى فاذا بالآلة الجهنمية للحرب الكوتية الماضية .. تزرع الرعب والدمار .. فى حقول الحلم والذكريات ، وفي أشياء الطفولة والصفاء .. ولحظات البراءة
.. وأن تكون طفولة المرء ..
وأن تكون طفولة المرء ، التى يلتقى بها فجأة ، فى هذه المحطة أو تلك ، من محطات الزمن ، مجرد دعوة الى المدينة المعلقة على ظهر ربوة .. بالشمال ، أو مجرد استعادة ((لديكور)) درامى محاصر بالرعب والدمار ، فهذا قد لا يعنى بالضرورة . أن فقدان الكون البراءة ، فى تلك الفترة أو فى غيرها ، قد أفقدك تماما قدرتك على الحلم ، وعلى اعادة خلق (( الجنة الضائعة )) .. من الهوى ومن الجنون .
انظر الى هذا الكائن الذى لم يطلق يديك قط ، في العلانية والسر ، مراقبا حركاتك وسكناتك ، فهو ما زال يخلط كالمعتاد .. بين طفولته ووجه أمه (( الراحلة بلا ميعاد )) ، ويخلط كالمعتاد .. بين طفولته .. وتلك المدينة المعلقة على ظهر ربوة .. بشمال الخضراء ، كما تخلط أنت .. بين طفولتك ..ووجه
ابنتك (( ملاك )). أو بين لعبك الصغيرة الضائعة .. وحطام طائرات الحرب .. المتناثرة .. فى الحقول المخضرة والسنابل .
وبينما تلغى المسافة والبعد بين الأزمنة الثلاثة فى اللحظة الواحدة ، أجدنى أمام طفولتى ابا حنونا يحتضن كل أطفال العالم مثلما يهفو الشاعر الى قصيدته التى لم تكتب بعد آه .. يا طفولتى التى لم تكن .. يا أنت !
