المشهد الأول فى المدينة المنورة
" قريظة "حانقة على العرب والأسلام ، تبذل أقصى جهودها للقضاء على هذه القوة الروحية الخارقة وتنشب معركة " الخندق " الهائلة نتيجة لمساعى يهود . وتدخل " المدينة " فى حصار رهيب يضاعفه شتاء كارب ، ووحدة وانفراد وتختلف الاحزاب فيما بينما اخر الأمر ؛ وتتقوض اطناب الحصار فى ساعة متأخرة من ليلة عاصفة ، ويصبح المسلمون ، ويلمسون لطف الله بهم ، فيؤبون إلى بلدهم مبتهجين ، بتأييد الله لدينه الحنيف ، واذا بجبريل عليه السلام يهبط على الرسول صلى الله عليه وسلم فى منتصف النهار ليقول له :
أقد وضعت السلاح يا رسول الله ؟ الرسول - نعم جبريل - فان الملائكة ما وضعت السلاح . إن الله يا مركب يا محمد ، بالسير الى بني قريظة وانا عامد اليهم .
ويأتمر الرسول بأمر ربه ، فيبعث مناديا ينادى فى الناس : - من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا فى بني قريظة . ويبتدر الصحابة اسلحتهم لمناجزة عدوهم عدو الانسانية جمعاء وهم يهتفون : - لبيك ، لبيك سمعا وطاعة لداعى الله !
ويطوق المسلمون اليهود في عقر دارهم بحصار كارب شديد ، واذا باليهود تستسلم لحكم محمد صلى الله عليه وسلم واذا بهم يركنون الى سعد بن معاذ الانصاري حليفهم بالجاهلية ، لقد ارتضوه حكما لتحنوه اليهم عاطفة ، ولكن الأسد الجريح عازم على ان يكون حكمه فى كفة العدل والاصلاح ويحضر سعد الى مجلس الرسول فيقول له الرسول :
- أحكم فيهم ! سعد - فأنى احكم فيهم الى تقتل مقاتلتهم ، وان تسمى ذراريهم ونساؤهم وان تقسم اموالهم .
ويعجب الرسول بقوة ايمان سعد ، وسمو منطقه ، وبعد تفكيره ، فيقول له : - لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة
وفي صحوة يوم سافر ، وفى ساحة سوق المدينة " المناخة " المعروفة لليوم أمر الرسول باحتفار عدة خنادق للأئمة المجرمين زهاء تسعمائة محارب - فضربت رؤوسهم وجندلوا فى تلك الخنادق ، واعلى الله كلمته برغم اليهود ونصر دينه ، بين هتاف التكبير والحمد والتهليل
المشهد الثاني فى القدس بعد خمسمائة عام
" فلسطين " فى يد الصليبيين ، لقد مكثوا يحكمونها تسعين عاما ، وخيلت لهم ظنونهم انهم فيها خالدن ، وان الاسلام والعرب ناما نومتهم الآبدية . وفى ذلك الظرف القاتم يقيض الله صلاح الدين الأيوبي ، ليعيد فلسطين الى حمى المسلمين ونبضم ثالث الحرمين الى حظيرة زميليه المقدسين ، ويعقد الحزم على الجهاد ، ونجيش به الخواطر ، ويستسلم لهم ثقيل . . لا بد من انقاذ فلسطين وديار الشام من الغاصبين ، والغاصبون يومذاك في قوة عارمة وبأس
شديد ، والمسلمون فى وهن وتفكك عظيم ، ولكنه اخر الامر يجمع امره على ما ليس منه بد . . الى الجهاد ، الى الجهاد ، فيستدعي القواد وكبار الاجناد ويكون تشاور وتحاور ، وتأتشب الآراء ، وينبري قائد متحمس حنيف فيقول بصوت مدو مجلجل :
- أيها السلطان الموفق ! أدع جموع العرب والمسلمين واستفرهم الى الجهاد ، فانهم منثالون اليك زرافات ووحدانا . انهم وان انغمسوا فى ملذات الدنيا فان بارواحهم قبسا من حماسة النور الخالد ، ولن يتقاعس من في قلبه ذرة من عروبة وإيمان عن الاقدام فى هذا اليوم الحاسم . إرم اعداء الله باعدائهم المؤمنين ، فلن يفتت الصخرة الصلدة إلا الحديد الصلب . ان الايمان اقوى من المادة ، وان الروح القوية هي التى تسيطر آخر الامر . " ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم " .
ويعجب السلطان بالرأى ، ويعلن النفير العام فى سبيل الله أرسلها صرخة مدوية فى ارجاء الجزيرة العربية ، وفي آفاق الشام ، وفي واحات المغرب وفي مصر ، وفي العراق ، وفيما وراء النهر من ديار الأسلام ، واذا بالدساكر والعساكر تتدفق صوب ميدان الشرف من كل فج عميق ، من كل شاب أبي طامح ، ومن كل كهل جلد ثابت ، ومن كل شيخ فتى الروح
ويطمئن صلاح الدين الى معنوية جيوشه الكثيفة التى باعت نفسها لله فيتقدم صوب فلسطين ، يفتتح حصونها حصنا فحصنا ، ويستخلص مدنها وقراها مدينة مدينة ، وقرية قرية ، حتى تجتثم تلك الاسود الفواتك على أبواب بيت المقدس ، فيتم افتتاحها بعد حصار شديد ، وجلاد رهيب .
كان ذلك مشهدا رائعا من مشاهد الرواية التاريخية ، القى فيه اولئك الأسلاف أباة الضيم بالمحتلين الى اسياف البحر المتوسط ، وخلص الله فلسطين وما حول فلسطين بين هتاف التكبير والحمد والتهليل (*)
المشهد الثالث فى القدس بعد ثمانمائة عام
لقد عاد العرب الى الخمود والركود ، وقامت الحرب العالمية الأولى وحاولوا استرداد بعض امجادهم وكانت اجنحتهم مهيضة بالتفكك والجهل والفقر واحتل المحتلون فلسطين وركزوا بنودهم فوق صخور بيت المقدس ، وزعم قائدهم ان رواية الحروب الصليبية انتهت بذلك الفتح المزعوم ، وفتحت سياستهم باب الهجرة لليهود ، واجتثوا لهم من حديقة الموت وعد بلفور المشؤوم وتطاولت اعناق يهود للمجد المروم ، وليوث العرب تزأر في انين من الضعف والانفكاك ، وألقى جل حمل المقاومة على عرب فلسطين وحدهم وكانت منهم فورات تلتها ثورات شدت من آزر العرب المجاورين فهبوا يساعدون بالقول كثيرا وبالعمل قليلا ، وتقوم الحرب العالمية الثانية وتنتهي واذا باليهود قوة تؤازرها قوى دول كبيرة ، وتعلن هذه الدول تقسيم اراضى فلسطين فالخصب الجيد منها لليهود الدخلاء ، والجدب القاحل منها للعرب الأصلاء ، قسمة ضيزي لم يرضها العرب وما كان لهم ان يرضوها ، وقد انشئت جامعتهم على اساس من الاتحاد والعزيمة الصادقة ، لقد حان دور الفصل الأخير من هذه الرواية . انه مسك الختام " فسيحاصر العرب اليهود في فلسطين التى تحيط بها البلاد العربية من كل جهة . وسيسوقون اليهود من فلسطين الى البحر الابيض المتوسط كما فعل صلاح الدين الأيوبي إن هذا الفصل الأخير قد أشاد الرسول عليه السلام حينما قال :
" لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون ، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر ، فيقول الحجر والشجر : يا مسلم يا عبد الله ! هذا يهودى خلفي فاقتله ( ١ ) صدق رسول الله : صدق رسول الله ويوم يتحقق هذا المشهد الاخير كما تنبئ عنه الارهاصات الحاضرة يومئذ يفرح المؤمنون بنصرالله ، وتتحقق آمال العروبة والاسلام ، بالقضاء الاخير المبرم على الصهيونية والصهيونيين بين هتاف التكبير والحمد والتهليل ( ١ )

