الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

بين العروض والايقاع

Share

" واذا سلمنا بان العروض علم فلا بد أن يكون خاضعا الى الضبط العلمى قانون العصر "

( أصداء الفكر ص 1/10 أكتوبر 1977 )

تلك جملة فرأتها فى مجلة الفكر جاءت تخبر عن فكرة اخذت كل يوم تتبلور ، من اعتقاد كل يوم يزداد رسوخا ، بل عن اتجاه فكرى اخذ يتخلص من كابوس القرون الماضية متمثل فى تقديس كل ما ورثناه عنها الى درجة التسليم به بلا نقاش ولا جدال لينعتق نحو سماء البحث والمراجعة والمقارنة وضبط العلة وبنت العلة والسبب والمسبب والكنه والكون .

تلك جملة جاءت تخبر عن كل ذلك وان اندرجت ضمن خبر عن بحث فى العروض نشره الدكتور ابراهيم انيس فى مجلة " الشعر " يناير 77 من ص 17 الى ص25 تحت عنوان " فاعلاتن " يذكر فى نفس الوقت قراء الفكر وادباء العالم العربى بكتاب الاستاذ الاديب البشير بن سلامة : " اللغة العربية ومشاكل الكتابة " الذى تعرض فيه صاحبه الى قضية العروض ، ذلك الكائن الحى الذى اشتى قرونا طوالا فى تفاعيل الخليل ودوائره بين اسبابه واوتاده وعلاوته زحافاته الذى اوجب - اذ اخذ شعراء الضاد ينفرون البحور وامواجها المتلاطية بين فاعلن ومستفعلن ومفاعيلن - البحث فى كيفية تطويره .. وترويضه ..." وجعله يتقمص من عصرنا الذات المميزة لنا . نحن ابناء السرعة التحركة . ويذكرنا صاحب الخبر بما نادى به الاستاذ البشير بن سلامة من " ان العروض العربى يجب ان يقاس بصورة أدق علميا وان يترك ما خلقته عبقرية الخليل من أحمد فى ظروف لم تكن فيها الآلة متطورة ، فاستنبط

مقاييس تقريبية ادت خدمة كبيرة ولكنها لا يمكن أن تصمد اليوم امام الدقة العلمية "

نعم ، شرعت فى الصائفة المنصرمة فى قراءة " نظرية ايقاع الشعر العربى " للاستاذ محمد العياشى . ولكنى لم انه منه ما يقارب الخمسين أو المائة صفحة حتى تركته يسقط من يدى وتخاذلت عنه . لماذا ؟ أمن أجل الطبعة التى دق خطها وطالت صفحاتها وتداخلت الرسوم والاشارات بين اسطرها فأعيت العين عند تصفحها وأعيت الذهن عند تدبرها ؟ أمن أجل الفصل وحرارته والاتعاب التى أرهقت الذهن طيلة سنة مدرسية فاسترخت الاعصاب وغلب الكرى الاجفان واخلد الخيال الى لذائذ الاحلام وحلو الاخيلة ورائق التصورات واذ لم يكن الكتاب من فصيلة الف ليلة وليلة ، وانى راحلة ، وزقاق المدق ، فعسر على الانتباه ان يصمد ؟ أم لان شهر الصيام قد قرب ، فتاقت النفس أن تخلد الى التعبد والاعتكاف ، فلم تر فى تعقب اخطاء الخليل ما يخلصها من ادرانها التى قد تكون تردت فيها احقابا ، ولم تجد فى تغير النظرة التى تعودت ان تنظر بها الى موازين الشعر ما يقربها من الله باريها ولم تكشف بين " الدم والتاك " اللذين عوضا الاسباب خفيفها وثقيلها وبين الاهتضام والتعويض اللذين حلا محل العلة والزحاف السلوك الذى يؤهلها الى الجنة ويقيها عذاب النار ؟

كل ما اعلم انى تخليت عن مواصلة الاطلاع عن هذا الكتاب وأقلعت عنه اقلاعا وقضيت عطلتى أقرأ كتاب الله المرة تلو الاخرى وأتدبره وأتحسسه واتحسس ابعاده لا اتركه الا لقضاء حاجة لا بد منها او لصلاة اصليها حتى كان هذا العدد من مجلة الفكر وكانت هذه الجمل القصيرة البليغة الواردة بين الاهلة والمقتبسة من " أصداء الفكر " . فاذا بى أجد فيها الحافز لى حتى انهض من غفوتى واعود ثانية إلى كتاب " النظرية " بنظرة جديدة يحدونى العزم فى هذه المرة لاقرأه بتمعن وتثبت من أوله لآخره . فاذا هو كما شاء له مؤلفه فى جوهره استجابه لمثل هذه الحاجة الملحة التى اصبحت تفرض نفسها فى هذه العصور التى اخذ فيها ظل العمودى يتقلص وجرس الروى يخفت وحركة الايقاع تفتر وتتضاءل حتى لكأنك أمام " فى غير العمودى والحر " تطلع على احلام النيام او ما يطفو من وعى المخدرين من خيالات لا بداية لها ولا نهاية ارجلها أيديها ورأسها بطنها تتلاحق أشلاؤها بين نقاط التتابع والتعجب والاستفهام ودوامات الدخان الضبابية ، كل ذلك نفورا من التفاعيل الخليلية

المضنة ومتاهات دوائره المذهلة ومغامرات زحافاته التى يجب تحاشيها فرارا القبح ، والاستقباح ، ومن العنت الذى نفرضه على كل مريد تجنح به عاطفته الى اقتراض القريض . او ليس الشعر الى العاطفة والحساسية الاحلام والخيال السابح فى عوالم ما بين اليقظة والنوم أقرب ؟ لم لا تتدفق أخيلة الشاعر وافكاره بصاحبها خارج قيود الوزن والايقاع والرتابة التى يسميها زبانية العروض نظاما ؟ ان الفكر المتطور والاحاسيس المتطوره والعاطفة المتطورة تحتاج كلها الى لغة متطورة لا تندرج بسهولة فى اطار يفرص تواتر المقاطع الصوتية مقصورها وممدودها على نمط يجعل منها ايقاعا تطرب  له النفس وترقص له الفرائص ...

قلت انه كان لى فى هذه الجملة الحافز لى . . لان مثل هذا الكتاب فى حجمه الكبير إذ هو يحتوى على ثلاثين وثلاثمائة صفحة من عيار واحد وعشرين على سبعة وعشرين ، فى غزارة مادته ، اذ هو الى جانب دحض نظريات الخليل بن احمد والمستشرقين أمثال ستانسلاس قويار والغربيين بصفة عامة يبسط فيه صاحبه نظرية مكتملة لتدارس الايقاعات الشعرية تقتضى بادئ ذى بدء التخلى عن كل ما تعودته النفس فى هذه القضية من عادات ومفاهيم ونظريات وطرائق وأساليب الى جانب ما اشتمل عليه من دقة فى بسط التعاريف وعمق فى التحاليل والتعاليل والمقارنات والمضاربات ، لا يتسنى للمطالع العادى ان يقرأه بنفس الشغف من صفحته الاولى الى صفحته الاخيرة الذى يطالع به رواية بوليسية احكمت مواطن الاثارة فيها او قصة عاطفية نفرغ فيها حساسيتنا الكامنة ونفرج بين أضلعها عن كوابتنا ومكبلاتنا . اللهم الا اذا كان دافع الرغبة فى الاستنارة بآخر ما وصل اليه العلم قويا ، أو كما وقع لى اذا وجد للحديث صدى فى نفس يعقوب بصفة يصبح معها الوجد قويا ، عنيفا يحمل صاحبه على القراءة بتؤدة فيقف عند كل فقرة يسبر أغوارها ويتدبر أبعادها ويستوعب دقائقها ، يرتوى من فيضها الدفاق المتدفق ومنهلها الرقراق العذب السلاف ... ولن تدرك الماء القراح ما لم تدم قدميك صخور الاوعار .

ولم يكن الاستاذ محمد العياشى واضع هذا الكتاب ، الذى عرفناه قبل هذا راضيا رشيقا وشاعرا ظريفا وهاويا للموسيقى ولوعا يجهل هذه الحقيقة التى يتسم بها هذا الطود العلمى الذى أناخ بكلكله وأردف أعجازه على تفاعيل الخليل ودوائر وعلله وزحافاته واسبابه واوتاده وفواصله وخزله وخبله وخبنه فمحقها جميعها وسحقها سحقا ونفثها غبارا منثورا فى أدمغة المتشبثين

بالاخلاق والاخراق والارتاق ، أولئك الذين لا يتذوقون من الاطعمة الا ما حمض لا يتزينون من الحلل الا ما بلى ، ولا يطربون الى الافكار الا ما اخنى الدهر عليه وتجاوزته الاحداث . أوليس هو بذاته القائل فى حق كتابه ( ص 51 ) :

" وأنا أتوقع ما سيجده الطالب من العنت والمشقة قبل ان يخرج من هذا الكتاب ببعض ما يريد " .

اذن هو كتاب دسم ، دق خطه حتى انك لا تستطيع ان تقرأه بسرعة تتجاوز العشرين صفحة فى الساعة ، تلمس فيه من السطر الأول الاديب الضيع الذى ملأ وطابه من مناهل ابن المففع وعبد الحميد الكاتب والجاحظ والكندى وابن رشيق وابن خلدون واساطين النثر الفنى وأعلام الفكر والفن العربى حتى روى وحذق اساليب التعبير وادغال الحجة فكان ذلك الذى اخذ من كل شئ بطرف وتعمق فيما اخذه من اطراف علما وفلسفة وقوة لغة ، ودقة برهان ، ووضوحا فى الجدل والمجادلة فهو وان كان فى جزالة لفظه ومتانة تركيبه وطرافة حجته وسلامة تعبيره يذكرك بفطاحل الاقلام من عهد هارونو الرشيد والمأمون . تعجبنى فيه نظرته المستقبلية التى يخالف فيها القدامى اذ لم يكن فى أى موقف من مواقف كتابه من القائلين :

" بانه ليس فى الامكان أحسن مما كان "

بل كان الداعية المتحمس للمتأخرين يحكم لهم بالتفوق على المتقدمين ، وان كانوا للمتقدمين فى نظره فضل فانه لا يتجاوز ان يكون فضل الاكتشاف والاختراع بالنسبة لازمنتهم .

فاذا كتابه الى جانب ما زخر به بحره من علم وحكمة ، صرخة فى الاجيال الحاضرة والقادمة كى ينفضوا عن بصيرتهم وادمغتهم غبار الاحقاب البالية فيأخذ كما حسب مواهبه واختصاصاته فى مراجعة كل ما ورثوه عن العصور القديمة ونفض الغبار عنه وتجليته واجلائه حتى يكونوا بحق :

" حملة للعلم ، خدمة للفن ، سدنة للادب " ، واذا كتابه فى تنكره للخليل بن احمد واتباع الخليل وفى محاولته لتدارس الايقاع الشعرى العربى من زوايا غير التى نظر منها الخليل وورثته ، مثال حى لما يقدر ان يقوم به ضمير حى ، يجد فى نفسه الشجاعة ليفترض غير ما اعتاد الناس افتراضه ، قبل ان يكون بسيطا لطريقة ادماج الطرق والوسائل العلمية والتقنية المعاصرة فى  الابحاث التى اعتاد العروض ان يتناولها بالتحليل والتقنين :

" فتمنيت لو اراجع كل شئ ولكن هيهات وليس لى من المواهب ما يتهيأ لذلك ولا من العمر ما يتسع له . والحوض لا يستوعب اللجة . فكيف يستوعب البحر . فعزمت على تنفيذ الخطة وتطبيق المبدأ فى ما هو من اختصاصاتى وفى حدود امكاناتى ، فانكببت على ايقاع الشعر العربى ادرسه وانفض عنه غبار الاوهام وأزيح عنه حجب الظلام على ان اهيب بالمجموعة البشرية كى تؤمن بهذا المبدأ وتعمل على تطبيقه فى كل النطاقات وجميع المجالات بتجنيد كل القوى وتسخير كل الطاقات كى يراجعوا كل شئ من اصوله بالعمل الجماعى والبحث الاختصاصى وان تقاصرت الاعمار عن بلوغ الغايات - وما اخاله الا كذلك - فلتتصافح الاجيال ولتتوارث الرسالات ابا عن جد ومن يد ليد لينهض رجال مخلصون لا تلهيهم تجارة ولا بيع ولا يأخذهم كبرياء ولا زهو ، أقصى أمانيهم أن يكونوا حملة للعلم ، خدمة للفن ، سدنة للادب " .    واذا الكتاب يخرج علينا مثالا يحتذى فى طول النفس والصبر على الصعاب وتجشم المشاق وتحمل العنت والارهاق فى سبيل انارة الحقيقة وادراك المعرفة وارواء الظما وبلوغ الهدف الشريف والمقصد النظيف ، واذا هو المثل الذى يقتدى به فى الشجاعة الادبية التى يجب ان يتصف بها كل مؤمن برسالته تترجم عنها افتراضاته الجذرية التى يتخذها قاعدة لعمله التجديدى ، ومواقفه الجريئة من كل ما هو متعارف موروث من القيم المثالية ، مواقف يؤيدها ما وقف عليه من القيم الاحصائية ، وصراحته فيما يعتقد انه الحق :

" واعلم انى قد انفقت من عمرى ما يناهز العقدين وانا ادرس ايقاع الشعر العربى ظللت خلالها أسأل وامحص وابحث واتفحص .. حتى اذا حزبنى الام واعترانى الوهن واعيتنى السبيل الى الغاية لذت بالخليل استنصره وبعلم العروض اعتصم به فلا أمنى الا بالخذلان ولا أحظى الا بالحرمان " .

عشرون سنة من البحث والكد والارهاق يتخللها بين الحين والحين شعور بالضيق ، ووهن فى السعى وخذلان وحرمان وفشل ، لكن العزم اذا صدق والقلب اذا اخلص والهمة اذا تعلقت بالمقصد الشريف فان اليأس لا يجد الى مثل هذه النفوس الكريمة منفذا ، فلا يقع فى يدها . فاذا استاذنا يثابر ويواصل البحث هو الذى جعل من حياته كلها النغم المسترسل والايقاع الذى لا يسلك النشاز الى صفائه واستقامته سبيلا ، ايقاع فى الشعر العمودى المتين وايقاع فى حركاته الرياضية لما كان البطل العالمى فى حراسة المرمة ، (*) وايقاع فى تعاطيه الموسيقى التى حذقها ، حتى فتح الله عليه ووفقه الى

" نظريته " فى الايقاع ، فملأ بها فراغا كم ناشد أهل الفكر والفن والادب أهل المواهب الصابرين المؤمنين لاملائه ، فبادر بالتوثق لنفسه من حق مجادلة الخليل بن احمد ، اذ ليس من السهل ان يقلب امرؤ ظهر المجن الى نظريات سادت العالم لمدة تجاوزت العشر قرون ، فبسط نظرياته فى العقل وعدالة الله فى توزيعه بالتساوى بين الامم ، وفى عفوية الفن ومطابقته للفطرة والعاطفة والحساسية وحدة الحدس ، وفى النظريات واسباب فسادها وتناقصها وغموضها وفى علاقة الفكر بالفن :

" وانما اردت ان ابدأ بما بدأت به ارادة التوثيق لنفسى من حق مجادلة الخليل بن احمد . "

وكيف لا يتوثق لنفسه ولا يحتاج لها ، ولا يحتاج للنظريات الجديدة التى يريد بسطها وجعلها منطلقا مستقبليا لكل دارس لايقاع الشعر العربى ، ولا يحتاج للمثال الذى يريد ان يكون فى حملته الدعائية الى ضرورة مراجعة كل ما ورثناه من تراث دون أفكار مسبقة ولا تحيز اعمى ؟ كيف لا يتوثق لنفسه وهو مقبل على معركة ضارية ان فتح الله عليه فيها بالنصر كان الفتح لكل من سيسلك من بعده مسلكه ؟ كيف لا يتوثق لنفسه وهو سيشنها حربا لا هوادة فيها على نظريات الف الناس التقيد بها منذ القرن الثانى للهجرة ، قد تحجرت فى قوالب وضعها عالم فى النحو ، دارس للفلسفة . لا يمت الى ميادين الايقاع من شعر وغناء ورقص باى صلة من الصلات ؟ كيف لا يتوثق لنفسه وقد الف المتذاكرون فى هذا الباب وان جهلوا حقائقه ودقائقه وكوامنه وخرافيه ان يعترضوا على ذوى العزم واهل الرأى والذكر كلما حاولوا التساؤل عن الحقيقة فى مجال البحث قائلين : " هكذا قال الخليل " .

" كان القرون لم تحدث بمرها شيئا من التطور فى العقليات والنفسيات والاتجاهات والمبادىء ؟ "

كيف لا يتوثق لنفسه وهو يعتقد ان الخليل كان فيما وضعه من علم مخطئا بل محرما فى حق الشعر والايقاع والفكر ، اذ لم يكن له من المؤهلات والمعدات الضرورية ما يؤهله للنهوض بمثل المسؤولية التى اسندها لنفسه اعتباطا فى حين انه ليس اهلا لها ، مسؤولية وضع علم العروض :

" فتورط فى الخطا وورط من بعده فى الجهل اذ امتنعوا عن تعقب كلامه بالنقد والمراجعة لاستبعادهم ان يكون استاذ سيبويه مخطئا كأن لو كان النحو والايقاع شيئا واحدا " .

واذا الكتاب الى جانب النظرية فى الايقاع التى هى موضوعه وهدفه ، كله ثورة ، ثورة على الخليل بن احمد الذى تفطن بعقله منذ عشرة قرون الى  وجود قوانين يخضع لها فن الشعر الذى كان ماضيا فى طريقه ينمو ويتطور بالاعتماد على الفطرة والحدس الباطنى فاذا هو يتناوله بالبحث والشرح مسلطا عليه ما استفاده من طرق علم النحو والصرف واساليبه ، فيخضعه الى نظريات واحكام وبحور وموازين ، فكان علم العروض الذى اخرجه للناس متناولا فيه الايقاعات الشعرية وحركاتها ونظامها فصبها فى شكل صيغ صرفية ودوائر هندسية تمسخ الايقاع وتشوهه وتعنت الموازين وتحرفها فتطمس الاحاسيس وتذهل الحس والحدس لكثرة ما استصحبها من مصطلحات يضيع فى تعدادها رشد كل مريد :

" ان الخليل بعد ان قسم الكلام فى الشعر الى تفاعيل عمد الى تلك التفاعيل فقسمها بدورها وزعم انها مؤلفة من اسباب واوتاد وفواصل فاحدث بذلك بلبلة فى الافكار وشغبا ومحنة لا تطاق .. فروع العقول بمسائل الخزل والخيل والخبس والخبط وغير ذلك من الامور التى لو حاولت فهمها او حفظها لاختبلت لانها مما لا تقوم بحفظه حافظة ولا تضطلع بذكره ذاكرة " .

انها ثورة على علم العروض لما احتوى عليه من مسائل تقريبية كان يرضاها الذوق ويكتفى باشارتها اهل الفن لاعتمادهم بالدرجة الاولى على حسهم وحدسهم فيما ينظمونه من اشعار واصبح استاذنا وغيره من اهل الرأى يعتبرونها بالنظر الى ما وصل اليه علم الايقاع والاصوات والترقيم من الاغلاط التى مرت القرون وتعاقبت الاجيال دون ان ينهض الى تصويبها او يتجرأ على الكشف عنها احد ، وكذلك ثورة على ما انتاب العروض وانتاب متعاطيه من جمود فى التفكير وسلبية فى التحليل ، فاذا الجمل التى تكيل للعروض وخليله ومن لف لفه من الصفات ما يحرقهم فى نظر كل راغب فيهم تترى حتى ترغب عنهم كل ذى عزيمة صادقة :

" فعلم العروض قائم على اسس واهية متداعية ، وهو بمثابة مجموعة للاغلاط ومنوعة للعيوب لم يجتمع منها فى مؤلفات العلماء ما اجتمع فيها على وجه الدهر .. ان علم العروض شغل الناس واقعدهم عن طلب الصواب اذ سحر عيونهم وسد آذانهم وأذهلهم عن السبيل . واما مساويه فكثيرة نكتفى منها بالاهم وهى التفاعيل والدوائر والزحافات والعلل .. وكيف تكون التفعيلة ميزانا لغيرها وهى غير موزونة مع نفسها لا فى اوقاتها ولا فى حركتها ؟.. ولو

اصررنا على الاستمرار فى استعمال طريقة الخليل لكنا كمن يؤثر استعمال الحفنة والذراع للكيل على الرطل والمتر . ولو فعلنا لكنا كالمتشبثين بركوب الجمال والحمير فى عصر تجاوزت فيه سرعة وسائل النقل الحديث سرعة الصوت وعجبى لهذا العلم كيف قام طيلة مئات السنين على شفا جرف هار من غير ان يتداعى او ينهار ...

سامح الله الخليل فكم اعشى من بصر واذهل من عقل وأذهب من صواب بما ابتدعه من بدع الزحافات ذات الخبن والقبض والوقص والنقص والعقل والشكل وغير ذلك من الترهات ..

فما بالنا نلتزم التقيد بنظريات القرون الوسطى كأن القرون لم تحدث بمرها شيئا من التطور فى العقليات والنفسيات والاتجاهات والمبادئ . "

وكذا يثور صاحب " النظرية " فيلقى الخليل بن احمد وستانسلاس قويار ومن لف لفهما من اهل الشرق والغرب ممن تدارس علم العروض او يدارسه دون ان يكون مهيئا لذلك . ويستفحل خلافه معهم ويتفاقم شكه فيهم وتعقب ثقته بهم ريبة ولم يكن ذلك منه لانه يمقت النظريات او يستخف باهل العلم او يكفر بالاعمال الفكرية التى يستنبطها العقل والمنطق او يترفع عن التقيد بالنظم والقوانين التى من شأنها ان تحد من الحرية الشخصية والفوضى الجماعية :

" انى لا أثور على النظريات من حيث هى نظريات مفيدة ولست انكسر ان الاعمال الفكرية من القواعد والنظريات مفيدة للعلوم والفنون اذ فيها حرز لها من التلف والضياع والاهمال وحماية من الخطأ والخلط بما تحفظ من اصوله وتضبط من مبادئها التى لا مفر فيها من الضبط والتقنين . والعالم بما فيه من كائنات وافلاك يسير حسب قانون ونظام ، والفرار من التقنين وقوع فى الفوضى وليست الفوضى كالنظام .

واما اعتبارها شيئا رسميا وعملا نهائيا فخطأ فادح لا تقدر مضرته لان النظرية بمثابة القانون للفن لان القانون تحديد وتقييد . والفن لا يسمح ان تحده الحدود او تقيده القيود ."

اذن بات من الطبيعى ان توضع النظريات الجديدة لتقنين الفنون كلما تطورت العقليات حتى يمكن للفن ان يتجدد ويتطور ، ومن أجل هذا ينسى

شاعرنا وباحثنا التسامح الرياضى او يتناساه فينكر على الخليل جميله ويحمله مسؤولية جمود فكر لم يكن هو من الدعاة اليه ويحمله مسؤولية عدم الكشف عن اكتشافات وقعت فى العالم الغربى فى القرن الخامس والسادس للهجرة وحتى القرن الثانى عشر ، فلم يكن عقليا ولا تاريخيا مهيئا للكشف عنها . ومن اجل ذلك ينكر عليه حق تناول الايقاع الشعرى بالبحث والتحليل والتقنين بالاعتماد على الوسائل التكنولوجية التى كان يضعها القرن الثانى للهجرة بين ايدى الالسنيين . ومن اجل ذلك يشنها حربا عوانا ، شعواء عليه هو الميت الذى ليس له سلطان على الاحياء يمنعهم بقوته وبطشه من مواصلة استجلاء ميدان ومن البحث كان السابق اليه هو الميت منذ ما يناهز الاثنى عشر قرنا ، لا لشئ الا لان العرب اكتفوا طيلة هذه المدة بالعلم المنقوص الذى وضع لبنته الاولى بحدس عجيب ولم يقدر الله ان يطيل فى عمره حتى يستوفى أركانه بما يتماشى وتقنيات القرن العشرين !. فلماذا ينقم على الخليل يا ترى ؟

يقول صاحب النظرية :

" اعرضت عن كل ما جاء به علم العروض وعن كل ما ورثناه عن الاقدمين مما يمت الى الايقاع بسبب من قريب او بعيد والغيت كل ذلك وزهدت فيه وجعلته وراء اذنى . "

اذن ان الخلاف لعميق وعميق جدا بين صاحب " النظرية " والقدامى ومن اقتدى بالقدامى وانتمى الى مذاهب القدامى فى كل ما يتعلق بالايقاع الشعرى لقد استفحل الخلاف مع العروض والعروضيين الى درجة القطيعة . فآل الامر بصاحب " النظرية " إلى رفض كل امر اهتدوا اليه واقروه واقرته الاجيال المتعاقبة من بعدهم اذ رآه الجميع جديرا بان يحفظ لهم ، الى ان يرث الله الارض ومن عليها ، تراثا يعتبره الجميع العمود الفقرى للحضارة العربية واعنى بذلك الموازين الشعرية . ترى ماذا اصاب التفاعل من علة ، او ماذا اقترفته فى حق الشعر والشعراء من جريرة حتى استحقت مثل هذه القساوة فى الحكم ومثل هذا البوار ؟

تلك التفاعيل التى كانت الحصن الحصين الذى لاذت به الايقاعات الشعرية فحماها وحمى الشعر من التلاشى والذوبان والتحريف إلى يوم الناس هذا ؟ أى جرم ارتكبه الخليل بن احمد واتباعه المتعاقبون على مر العصور حتى يضرب صفحا عن كل ما نسجوه من القواعد والافانين والقوانين ؟

يقول صاحب النظرية فى جملة ما ورد فى كتابه من معللات قطيعته ما نصه :

" وعلى حين كنت اتحسس أشكالا صوتية كان يتدبر أشكالا بصرية وعلى حين كنت اسمع باذنى كان يلاحظ بعينه ويقدر بفكره فاخطأ التوفيق وحاد عن الطريق " .

اذن ان اصل الخلاف اختلاف فى المنهاجية . لئن كان الهدف واحدا واعنى بذلك ضبط الايقاع الشعرى العربى بموازين يرجع اليها كل مريد او ناقد ، فان الطريق التى توخاها الخليل لبلوغ الهدف غير الطريق التى سلكها خصمه الاستاذ محمد العياشى .

الهدف واحد ، اذ ادرك كل من الاثنين ان للشعر العربى رونقا يطرب له السامع فتهتز مشاعره ، وادرك كل ان هذا الرونق ماتاه الاساسى الى جانب ثوبه اللغوى . فن الفنان الذى فطر عليه ، وادرك كل ان هذا الرونق الفنى منبثق عن نظام فى ترتيب الاصوات ممدودها ومقصورها ينبثق عنه ايقاع ، وادرك كل انه لا بد من ابتداع طريقة لضبط هذا الايقاع وتدوينه بكيفية تسهل على المريد بادىء ذى بدء الوقوف عليه فى شئ من اليسر ، ثم حذقه بثناياه وتضاريسه ومنعرجاته وتجاعيده وخفاياه وخباياه . فاذا الاثنان قد ادركا ضرورة وضع نظرية فى الايقاع الشعرى العربى .

ولكن كيف البلوغ الى هذا الهدف الواضح الجلى الذى شخص بكلياته وجزئياته امام الضميرين اليقظين ، المتقدين حماسا وتحمسا ؟

ويرى الاستاذ محمد العياشى ان الخليل فى منهاجيته لم يكن يتدبر الاشكال الصوتية التى يتألف منها الايقاع الشعرى ، بل لم يكن يستمع الى الشعر ويتذوق ايقاعاته فوقع من اجل ذلك فى الخلط والخبط والخطا واوقع كل من أخذ عنه واقتدى به فيما وقع .

ان السؤال الذى يطرح نفسه هنا هو :

الى اى مدى يكون الاستاذ محمد العياشى مصيبا فى حق الخليل والى اى مدى يكون مخطئا ؟

ان من يطالع كتاب محمد العياشى : " نظرية ايقاع الشعر العربى " :

أول ما يباغت به هو اختلافه مع الخليل فى الاصطلاحات المستعملة وان كان المسمى فى اغلب الاحيان واحدا .

انطلق الاثنان من المقطع الصوتى وان كان الخليل نظرا لمعطيات عصره لم لكن في امكانه ان يسمى المقطع مقطعا فسماه حرفا . ولاحظ الاثنان ان هذا المقطع يكون ممدودا او مقصورا ، ويرى الخليل ان الحرف يمتد بالساكن الذى بعده الذى قد يكون سكونا ميتا ان كان حرف مد وسكونا حيا ان كان حرفا ساكنا . واما صاحب النظرية فانه يرى المقطع يمتد بسكون الاستغراق عوضا عن السكون الميت وبسكون التركيز عوضا عن السكون الحى . ويقيس الاستاذ محمد العياشى المقاطع الممدودة والمقصورة بفضل الاجهزة العصرية التى وضعها العلم تحت تصرفه من مترونوم وسوناقراف فاذا هو يكتشف ان الممدود له ضعف دوام المقصور فى الزمن وانه قد يصيب القصير مد او تقصير فى مدته على حساب المقاطع التى تليه . فيكشف بذلك عن التسهيل بنوعيه تسهيل المعاوضة وتسهيل الاهتضام . اما الخليل فليس له ليقيس مدد الممدود والمقصور الا الاوزان الصرفية فكانت فعولن ومفاعلتن ومستفعلن ومفاعيلن وغيرها واهتدى هو الاخر بفضل هذه الطريقة الى ما يصيب الممدود من تقصير فى مدته الزمنية فكان الزحاف ، او ليس التسهيل هو الزحاف بعينه وان تعددت الاسماء ؟

وحيث ان صاحب النظرية اخذ عن الموسيقى آلات قيسها من مترونوم فانه اهتدى الى الامكانيات التى توفرها له الموسيقى برموزها لو استعملها فى تحليل الايقاع الشعرى واخذ هكذا عن الموسيقى دمها وتكها وساكتها واصطلح على ان يكون بصفة عامة ، الا فى حالة تسهيل الاهتضام ، كل ممدود ثقيل متبوع بوحدة قيمة ساكنة اسمه " د م " متبوعة بسكوت فاذا هى طريقة بصرية اوضح فى الدلالة من التفاعيل ، واصطلح ان يكون كل مقصور خفيفا اسمه " تاك " وكل من عرف الدربكة يعرف منها موقع الدم والتك . وهكذا يؤلف الاستاذ محمد العياشى بين المقاطع الشعرية ونقرات آلات النقر الموسيقية . أما الخليل فانه لاحظ نفس الظاهرة وحيث انصرف من البداية الى القيس بالموازين الصرفية فانه لم يهتد الى نقرات آلات النقر وان اشتهر العرب بالدف والطبل وراح يسمى المقاطع الصوتية بما كان أهل النظم يسمونها مستعملين فى ذلك مسميات تطلق عادة على ما يثبت به بيت الشعر فى رمال الصحراء من حبال ومواثيق وغيرها فكانت الاسباب والاوتاد . ولا ادل على صحة ما ادعيه من تفريقه بين الاسباب

الثقيلة التى تجمع بين مقطعين خفيفين . او لم يقل لنا الاستاذ محمد العياشى ان الوحدة الايقاعية الثقيلة تساوى وحدتين ايقاعيتين خفيفتين من حيث الزمن ؟ او لم يرجع بنا الى مثل هذه النظرية ليشرح لنا التسهيل بالمعاوضة ؟ يقارن الخليل تفاعيله بعضها ببعض ويحاول ان يستخرج قاعدة رياضية منها تشرح كيفية توليد الايقاعات وتسهل على المريد حفظ البحور فكانت دوائر الخليل . ويقارن الاستاذ محمد العياشى الايقاعات بعضها ببعض ويعمل فيها بصره وفكره وسمعه وحساسيته وحذقه الآلات الموسيقية ودرايته بالجداول الحسابية التى حذقها حين درس الرياضيات من مثلث باسكال وغيرها فكانت أهرامها الايقاعية .

ومن الطبيعى ان يكون الاتفاق فى شأن هذه الظواهر حاصلا وان اختلفت اللغة لان المدروس واحد ، وخصائصه القارة التى تبرز مهما كانت طريقة التحليل واحدة . ومن الطبيعى ان يكون ما وصل اليه صاحب " النظرية " أدق واضبط والا فما فضل المتأخرين على القدامى ان لم يكن زيادة فى الضبط واقتصادا فى المجهود ، وتصحيحا للمعلومات وتصويبا للاخطاء . الا ان استاذنا شنها حربا لا هوادة فيها على الخليل ، لا يترك مناسبة فى كتابه تمر دون ان يكيل فيها اليه نقيصة كانما يريد ان ينفرد وحده بعلم الايقاع من دونه او كانما يريد بذلك ان يستأصله من اذهاننا ويغير من موقفنا ازاءه وما يتسم به من تعظيم وتبجيل وان لم نكن نحترم فيه استاذ سيبويه كما يدعى استاذنا اعتباطا وانما نجل فيه العبقرى الفذ الذى لم يكن ليهدأ له بال حتى يكشف عن مكنون ويجلى عن مغمور . ولعل هذه الظاهرة كانت بارزة لدى محبيه منذ ان كان حيا فيهم " . كما نستفيد ذلك من قول الناظم :

علم الخليل رحمة الله عليه     سببه ميل الورى لسيبويه..

فزاده علم العروض فانتشر    بين الورى فاقبل له البشر

لو نترك الكلمة فى هذا الشأن الى صاحب النظرية ، لعلنا نظفر من وراء ذلك بضالتنا : فهو يقول :

" ان النظريات الخاصة بميزان الشعر لم تأت على ايدى شعراء ولكن على يد نحاة او فلاسفة ، وما ابعد النحو والفلسفة عن ميزان الشعر ولقد اضر الخليل بن احمد بعلم الايقاع الشعرى عند العرب كما اضر من قبل فلاسفة اليونان بالايقاع الشعرى عند اليونان .."

فنحمد الخليل على ما بذل من الجهود فى خدمة العربية باهتمامه بالنحو  واللغة ونلومه على اعتراضه للايقاع الشعرى اذ نهض الى دراسته ولم تكن له المؤهلات والمعدات الضرورية لذلك حتى تورط فى الخطا وورط من بعده فى الجهل اذ امتنعوا عن تعقب كلامه بالنقد والمراجعة . لاستبعادهم ان يكون استاذ سيبويه مخطئا كأن لو كان النحو والايقاع شيئا واحدا ..

ويقول ايضا :

" ان علم العروض شغل الناس واقعدهم عن طلب الصواب اذ سحر عيونهم وسد آذانهم وأذهلهم عن السبيل . واما مساويه فكثيرة نكتفى منها بالاهم وهى التفاعيل والدوائر والزحافات والعلل ".

ويقول ... ويقول ... ولكن كل من درس الصرف يعلم ان ميزان " فعولن " يقاس به غضوب وطروب وولوع ولا يقاس به صواب ووديع وسهاد ومنير ووصال وتحاشى وتجافى وقوافى ورواسى بينما كل هذه الصيغ التى جمعت بين صيغ المبالغة ومنتهى الجموع والمصادر والصفات المشبهة واسماء الفاعل والافعال وغيرهما كلها تقاس فى العروض بميزان " فعولن " الذى يزن فى نفس الوقت العبارات التالية :

ملأتم - سكرنا - ورحنا - وداد - وكل من درس الصرف يعلم ان ميزان " مفاعيلن " يقاس به مفاتيح ، مصابيح ومحاريث ومواعيد ، ولا يقاس به أكاليل وصهاريج ، وقناديل بينما كل هذه الصيغ فى العروض ميزانها " مفاعيلن " الذى يزن فى نفس الوقت هذه العبارات : - على المرء - وعن قولى - وفى دار - الى السفلى - لترعانا - بلا كيل - تريدونا - اما ميزان " فعولن مفاعيلن " فانه لا تستقيم له فى العربية مفردة واحدة من حيث صيغتها الصرفية بينما تجد فيه العبارات التالية وزنها :

سلام على الحب هنيئا لك العيد اذا المرء لم يدنس

فعولن ؟

من العروضيين من يرقمها بطريقة عصرية هكذا : --  o - o أو - oo ومنهم من يرقمها هكذا : - ـا ــا

وهى فى اصطلاح صاحب " النظرية " تكون على حسب الترقيم الموسيقى . أفلا . توافقوننى فى ان طريقة الخليل فى عصر لم يكتشف بعد الترقيم الموسيقى

ولم يهتد بعد الى تجزئة الكلمة فى جلاء الى مقاطع صوتية ، كانت طريقة فى حد ذاتها وأدت خدماتها ؟ ألا ترون فى ذلك سر نجاح هذا المنهج وبقائه قائما كل هذه القرون الطوال ؟ اذ هو يعتمد الاحرف المكتوبة فاذا الترقيم فى متناول الخاص والعام بينما الصيغ الثلاثة الاخرى وان كانت اضبط واوضح للعين فانها لا يقوى على قراءتها الا خبير . وان الالحان العربية القديمة انما اندرست لان ابا الفرج واضرابه لم يهتدوا الى مثل ما اهتدى اليه الخليل ؟ ألا ترون معى فى هذه الظاهرة شرحا كافيا شافيا لديمومة المنهج الخليلى وردا على استاذنا حين تعجب قائلا :

" عجبى لهذا العلم كيف قام طيلة مئات السنين على شفا جرف هار من غير ان يتداعى او ينهار "

او حين قال . " الا ليست التفاعيل صيغ صرفية والخليل من علماء اللغة متأثر بالطريقة المعمول بها فى النحو والصرف "

أو حين قال : " فما بالنا نلتزم بنظريات القرون الوسطى كأن القرون لم تحدث بمرها شيئا من التطور فى العقليات والنفسيات والاتجاهات والمبادىء " .

لست اعنى بهذا انى افضل الترقيم الخليلى لان 4 سواء كتبت هكذا او هكذا lV تبقى دوما 4 ، ولكن الترقيم الخليلى فرض نفسه وما زال يفرض نفسه لاحقاب اخرى من الزمن لان استعماله لا يتجاوز التعرف على المقصور والممدود من الحروف حسب اصطلاح النحويين القدمى والمقاطع حسب المحدثين ، فكان يسيرا حتى على الذين يتهجؤون الكتابة والقراءة ، لا يحتاج المريد لادراكه الى التعرف على وحدة القيمة الايقاعية وما خف وما ثقل من عناصر الايقاع تلك العناصر التى تغذى بها ذوقه منذ نشأته الاولى .

يقول صاحب النظرية : " ان النظريات الخاصة بميزان الشعر لم تأت على ايدى شعراء ولكن على يد نجاة او فلاسفة ، وما ابعد النحو والفلسفة عن ميزان الشعر . "

اذن حسب رأيه ، هناك نظرية فيمن يكون له حق تدارس الشعر . ترى ماذا يجب ان يتوفر فى المرء حتى يكون قادرا على استخراج الايقاعات الملازمة للشعر ووضع النظريات الضابطة لها ؟ لنترك الكلمة فى هذا الموضوع لصاحب " النظرية " اليس القائم بالامر بأصدق من الراوى !

- يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية