في الثالث عشر من اكتوبر ١٩٣٢ مات الشاعر المصري الذي اشتهر بلقب " امير الشعراء " : احمد شوقى .
وفي شهر اكتوبر المنصرم ( ٥٧ ) عنيت بعض الاوساط الادبية بذكراه الخامسة والعشرين ، تنويها بشاعريته من جديد ، وابرازا لمكانته بين ادباء عصره من العرب خاصة .
وقد كان لابد من هذه العناية بعد ان اقيمت منذ اشهر ذكرى حافلة لحافظ ابراهيم فالشاعران عاشا ما عاشا فرسي رهان ؛ وماتا حين وافاهما الحمام في سنة واحدة .
ولعل من اهم ما يلفت اليه الادباء في ذكرى شوقى مقالة الاستاذ عباس محمود العقاد في " الهلال " : ( شوقى في الميزان " بعد خمس وعشرين سنة " )
ذلك ان تاريخ الادب كتب عن جيل العقاد وشوقي صفحة قوامها ادب ونقد ، انتجهما انصار شوقي ومحبوه من جهة ، ورجال " الديوان " : ( العقاد وابراهيم عبد القادر المازنى ) وانصارهما ، ممن حاولوا رفع راية التجديد في الشعر وفى طليعتهم ميخائيل نعيمة صاحب الغربال من الجهة المقابلة .
كان رأي العقاد في شوقي وهو حي انه لا يصلح لتمثيل الشعر فى عصره . . رأيه فيه وفي ادبه انه :
اضعف من صاغ مدي حا في القصيد او شتم
يرعى ذوي الباس ولا يرعى العهود والذمم
ما قال : " لا " قط ، ولا يصدق ان قال : " نعم " (١ )
كان هذا رأي العقاد في شوقى وشاعريته امس ؛ ولكن ما رأيه فيه اليوم وقد مضت خمس وعشرون سنة بعد وفاة شوقي رحمه الله . . . غيرت من نظرات
القراء . كما غيرت من شعورهم وموازين ثقافتهم ، فهم اليوم اقرب الى الحدود الواضحة في مسائل الادب ، التي كانت ملتبسة الحدود قبل جيل او جيلين " كما يقول العقاد نفسه ؟
هل اختلفت نظرة العقاد الى شوقي باختلاف الايام ، واستحالت احكامه بحؤول المقاييس النقدية ؟ هل تقدم ادب شوقى فى نظر العقاد خطوة او تأخر ، فى ضوء هذه المقاييس الجديدة ، وما حدث من تمازج قوى بين الآداب العالمية ، وما كان من تطورات طرأت على الانتاج الادبى ، فغضت من شأن بعض اصنافه ورفعت راية غيره ، وابدعت صنوفا جديدة في مجال الشعر خاصة ؟
كاد العقاد يقول اليوم فى شوقي ما قاله فيه من قبل : " لم يكن شوقي من المقلدين الآليين الذين يلتزمون حدود المحاكاة الشكلية ولا يزيدون .
ولم يكن من المجددين الذين يعطون من عندهم كل ما اعطوه من معنى وتعبير .
ولكنه كان يقلد ويتصرف ، كان تصرفه يخرجه من زمرة الناقلين الناسخين ولأنه لا يسلكه في عداد المبدعين المخالفين ، الذين تنطبع لهم " ملامح نفس مميزة " على كل ما صاغوه من منظوم ومنثور "
ولا يستثني العقاد لشوقي غير باب واحد يعترف له فيه بالمزية ، " ذلك هو باب القصائد الفكاهية التي كان ينظمها شوقى ويطويها " كقصائده " المحجوبيات " والعقاد لا ينهي مقاله حتى يعلن عن رأيه صريحا ، وينتصر فيه لما كان له في شوقي من آراء على الجملة وما كان عليه من مواقف ، فيقول :
" ورأينا في ادب شوقي بعد خمس وعشرين سنة من وفاته رحمه الله ، انه خير مصداق لموازين النقد التى اتخذناها لتصحيح الآراء فى تلك الفترة فليس من الحق ان يقال ان الشاعر كان مقلدا كمن سبقه من المقلدين ، ولا انه كان مجددا مستقل القريحة واضح الاستقلال بملامحه الشخصية ، ولكنه كان في مرحلة التقليد المنصرف إماما يحمل العلم ويسبق كثيرا من المبتكرين فى ميدانه ، وهو ميدان الصناعة المتجددة على نهج السلف القديم " .
لقد خطر لي بادىء الامر ان أتساءل كما تساءل " الهلال " اترى تتجدد
المعارك بين العقاد وانصار شوقي ، او بين انصار الرجلين ، بمثل هذا المقال ؟ .
ولكن بدا لي بعد ذلك . . فاطمأننت إلى ان هذه المعارك لن تتجدد ، واذا كتب لها ان تتجدد فلن تكون الا فاترة هادئة ، لان العقاد قد شاخ ، واعتاض بفورة شبابه الثائر برد الرصانة وتعقل الشيوخ . . ولو أن كل ذلك لم ينل من حيويته الادبية منالا يذكر . . ولان خصمه قد طواه العدم من اجيال ، فما عاد ينفع احدا ممن ينتصرون له . او يضر احدا ممن يكونون عليه إلبا . . ولان الذين ينتصرون لشوقي إحقاقا للحق وحده قد قالوا في شوقي وادبه ما ينبغى لهم ان يقولوا ، له او عليه .
وراودني فيما اطمأننت إليه شك كاد يفجعنى في طمأنينتى . قلت للنفس المطمئنة : " لو تملكت العقاد رصانة الشيوخ حقا ، لما كتب ما كتب فى الهلال عن شوقي بعد خمس وعشرين سنة من وفاته ، او لما اصر على ما كان له فيه وفى ادبه من رأي . رغم اعترافه بأن هذا الامد الطويل قد غير مقاييس الادب والنقد , وموازين الثقافة على وجه العموم : إن اقل ما فى هذه الكتابة انها تطبع احكام العقاد بالجور ، وتصمها بالتحجر والجمود ، اذ هى لا تتأثر بما اختلف من ازمان , ولا تتطور مع تطور المعايير النقدية في العالم . . "
وأجابت النفس . . : " لا جمود ولا تحجر ولا جور . . فليس حقا ان من مستلزمات الرصانة في الشيوخ ان يتنكروا لما اقتنعوا به يوما من الآراء ، وليس من مستتبعات تداول الاجيال واختلاف الايام والاعوام ان تختلف الحقائق ، فيصبح قويا ما كان يعد بالامس ضعيفا ، وحسنا ما كان ينعت في الماضي بالقبح , ويلمز بالسوء .
تعمل الايام عملها في كل شىء فيقوى او يضعف ويعلو او ينزل ويتقدم او يتأخر ، ولكن الحق يبقى هو الحق دائما لا يختلف .. فالذى يتغير إنما هو ما عن يتلبس بالحق من الاباطيل ، وما كان يشتبه بالصواب من الاخطاء ، وما كان يتسم بالعدالة من الاحكام الجائرة . . الذي يتغير هو ما كان يمسه العقل ولا يوغل فيه ، فاذا هو عاطفة محض او شوب من عاطفة وعقل . .
لا ينبغي اذن ان نطالب العقاد بالتخلي عما كان له في شوقي وادبه من الاراء لان الزمان قد طال عليها ، او لان المقاييس قد تغيرت دونها ، أو لان الحياة قد استجدت فيها ضروب من الانتاج تغير من نظرات الناس الى ما كان قبل موجودا من ضروبه . . . ولكن قد نطالب العقاد بتعديل نظرته الى شوقي ، والى استخدام ما جد من مقاييس النقد فى تعيير ادب شوقي ، وبالاخص إلى ان يخفف الوطء على الرجل الذي طواه العدم منذ ربع قرن عندما يتناوله بالحديث او الكتابة . . . "
قلت لنفسى : هنا . اريد ان نعود الى ما كتب العقاد لنرى ما اذا عملت هذه الايام الطوال والاعوام عملها فى نفسه ، فلطفت من وقع ما يرمي به خصمه القديم . .
اجل ! كان الظن بتلك العوامل التي حدثت خلال خمس وعشرين سنة ان تقوى على نزع ما في نفس العقاد من موجدة على شوقي ، وان تفثأ من حدة نقده له ، وتعدل من رأيه فيه وفى ادبه ؛ ولكنها لم تقو على شئ من ذلك , وهي في الاصح لم تقو إلا على الجانب الهين منه . فازاحت عن نفس العقاد من الاحن حظا لم ينس بزواله ان يترحم على شوقى اكثر من مرة فى مقاله . . . !! " قالت النفس :
" سيعجب بعض ابناء الجيل من هذا الكلام ، وان كان صحيحا ، وسيقولون : ما لهذا الحديث يتنزل بالادباء الى الدرك الاسفل من المعاملات ، فيعتبر ان معركة أدبية بين رجلين ، قد زرعت من الاحقاد والاحن فى نفسيهما او فى نفس احدهما ، ما يظن معه ان ينسى الترحم على الآخر اذا ما ذكره او كتب عنه بعد ربع قرن من وفاته . . لكن ان يعجب هؤلاء فعجب ألا يحدث ما منه يعجبون . . فالحق ان المعركة بين العقاد وشوقى لم تكن هادئة تمس الانتاج الادبي ، وتمر بأشخاص منتجيه وقضاياهم الذاتية بسلام ، انها كانت معركة صاخبة تصدر عن اختلاف جوهري بين الاديبين ، ولو ان الناس لم يسمعوا من صخبها الا صوت العقاد وحده ، اما شوقى فقد اعتصم بالصمت ، ولعل حياته الارستقراطية كانت تشجعه على ان لا يعبأ بما يقوله فيه العقاد وصحبه من ابناء الشعب . . بل لعل شوقى كان كلما اغلظ له العقاد واشتد معه ، عد ذلك منه تطاولا على مقامه الرفيع ، واستنجد
ببعض ما كان ابناء جيله والذين تقدموهم يستنجدون به من الكلمات اذا كانوا فى مثل موقفه . . لعل شوقى كان يشفي غليله بمثل ما يشفى به كثير ممن يتكلفون الاستعلاء ، او يتوخون الرصانة والتعقل ، عندما يتحكك بهم الذين لا يؤبه لهم في نظرهم فيقولون :
اذا نطق السفيه فلا تجبه فيخير من إجابته السكوت
او لعله فعل بصاحبه فعلهم اذ يتنزلون بمناوئيهم عن مرتبة سفهاء البشر الى ما دونها فيرددون :
لو كل كلب عوى القمته حجرا اذن لاصبح مثقال بدينار
يوشك الموقف بين الرجلين ان يكون فى هذا المستوى ، لانه انزلق من المجال الادبى الخالص الى مجالات اخرى ، تظلها السياسة ، وتصطرع الانوية فيها اصطراعا ، ولكنها لم تتخل مع كل ذلك عن مكانتها الادبية فى الانتاج , ولا ضحت بالمذهب الادبي - الذي كان من بذور المعركة - على مذبح الذات او السياسة قربانا .
