الفرد والدولة فيما يبدو يمثلان قطبين كان بينهما تنافرا حتى لا نرى مجتمعا من المجتمعات يلغى الفرد ولا يعطيه اية قيمة فى ذاته ويعتبره فقط مرحلة عابرة فى سياق شامل هو سياق التطور الذى يهدف الى ايجاد الدولة المنظمة تنظيما مثاليا . كما نرى مجتمعا آخر على العكس من ذلك يجعل من الفرد الحقيقة المطلقة وما عداه فليس الا وسائل تخدم اغراضه . فكل شئ وجد من اجله وليست الا من بين هذه الوسائل التى تخدم اغراضه ومطالبه .
ان مجتمعين تتمثل فيهما هاتان النظرتان ليس من شك يبدوان على طرفى نقيض ان من حيث التشريع وان من حيث العمل فى كل ما يتصل بمظاهر الحياة الاجتماعية عامة . لكن بالرغم من التقابل النظرى الا انه من الناحية العملية نقف على المحاولة ما امكن فى ايجاد التناسق والارتباط بين الانسان باعتباره فردا يحقق امكانيات شخصية من ناحية وباعتباره كما مهملا فى سلسلة التطور البشرى العام اى بين الكون الفرد له كيان وبين كونه امكانية تقدم حضارى تشير الى تعقيد العلاقات بين الافراد والتى بمقتضاها يفنى الفرد اما عن طريق هضم ثقافى واما عن طريق القوة .
ان الثقافة فى الواقع نمط من التفكير يندمج فيه الشخص اندماجا كليا بحيث نصبح جميع اعماله خاضعة لموازينه بعد تمثيل يكون الزمن جزءا منه . بمعنى ان الثقافة تكتسب شيئا فشيئا فتكون المعيار لجميع الاحكام التى نطلقها والاعمال التى نقوم بها . وبالرغم من انها ليست الا التعبير عن الاتجاه العام فى السلوك فانها لم تكن لتجد مكانا فى الجماعة الا عن طريق التربية التى يكون التقمص اهم عملياتها .
اما القوة فهى ايضا ضرب من الوسائل عن طريقها يحدث تغيير هام جوهرى فى حياة الانسان الا ان فكرة السلطان والسيادة هى الفكرة الموجهة فيها .
ان الثقافة والقوة عاملان موجهان فى تاريخ المجتمعات البشرية تصبغان الحياة بروح تخضع لها الجماعة لكن روح الفرد المتمردة ابدا لا تفتا تنظر الى القيم نظرة ازدراء وحقارة وبالتالى تخلق لنفسها قيما جديدة وعلى هذه الصورة تتحقق امكانيات بشرية كانت فى حيز الامكان فانتقلت الى عالم الوجود . ان هذه
العملية عملية خروج الفرد من ذاته ليتحقق فى الخارج لهى العملية التى تتقدم بالبشرية فى الوجود باستمرار .
ان هذه العملية المتمثلة فى الخروج والانطلاق لا تعنى فى الوقت نفسه الخروج المطلق والتحرر المطلق وانما بقدر ما يتم التحرر يتم فى الوقت نفسه التقيد بالدخول فى اطار آخر . وان شئت فقل التقييد بنوع من التفكير تفترضه الحياة جنبا الى جنب . وهذا يبين لنا الى اى حد يكون الارتباط بين الفرد والمجتمع ، الفرد باعتباره امكانية متعينة والمجتمع باعتباره امكانية غير محدودة . واذن فلا مجال لان نتحدث عن الفرد ونهمل المجتمع او ان نتحدث عن المجتمع ونلغى الفرد فهما امكانيتان يعجز التصور عن ادراك كل منفصل عن الآخر الشئ الذي ينشأ عنه عدم اتخاذ الفرد مبدأ للتشريع مستقل عن كل شئ ولا المجتمع هو ايضا مبدأ للتشريع مسلوب منه الوحدات التى تكونه .
ان العلاقة بين الفرد والمجتمع علاقة معقدة غير قابلة للتحليل وان كل عمل من شانه محاولة ارجاع التعقيد الى البسائط فى هذا المجال محاولة تقصر دون النظر الى الواقع نظرة صحيحة . ان الفكر يحاول دائما ارجاع المركب الى البسيط وقلما يستطيع العمل الا بهذه الطريقة حتى فى المجالات التى يكون فيها التحليل غير ممكن ، واعتبار الفرد او المجتمع مبدأ للتشريع انما هو من قبيل التبسيط لتنظيم الحياة الاجتماعية على اساس نقطة انطلاق غير مسلم بها لانها ناشئة عن التفكيك والتقطيع للعلاقة بين الفرد والمجتمع . لكن هذا التنظيم فى ناحيتيه يخفى حقيقة الفرد وحقيقة المجتمع بحسبان كل عند قوم اصلا يجب الاستناد اليه فى التشريع .
الواقع ان هناك ثلاث نظريات يستند اليها فى التشريع اولاها اصبحت فكرة ليس لها من التطبيق شيئا وهى النظرية اللاهوتية التى تستند عند كل تشريع الى الله . فالله هو المشرع اى انه مصدر التشريع وان اى اصلاح واى تنظيم يتصل بالفرد والجماعة لا يكون الا باسمه ، وتوضيح ذلك فيما يتصل باهم مشكلة يتعرض لها الفكر المعاصر فى تنظيم حياته وهى مشكلة التنظيم الاقتصادى نرى الدين واللاهوت يقيمونها على اساس قاعدة ان الملك هو ملك الله وان الملكية ملكيته لكن استخلف فى هذه عباده واقام عليهم اولى الامر الذين ينظمون حياة الافراد ويسهرون عليهم وبالتالى فهم الذين يختارون النظام اللائق الذى تصلح به حال جماعتهم اجتماعيا واقتصاديا بمراعاة الاحكام الدينية وبما يتوافق وطبيعة الدين .
والنظرية الثانية هى النظرية التى اقامها الفكر الغربى الذى اعتبر الفرد
هو الاصل وهو مبدأ التشريع اما المجتمع فليس الا وسيلة تتحقق بها اغراض الافراد وليس المجتمع مجتمعا الا بما يقدم للفرد من مصالح لذلك كان الفرد هو المحور الذى تدور فى فلكه التشريعات . وقد كانت هذه النظرية اساسا لفلسفات متعددة كفلسفة القوة لنيتشه وفلسفة الغاية تبرر الوسائل ولنزعات اخرى مختلفة .
اما النظرية الاخيرة فهى النظرية الاشتراكية التى تجعل الجماعة مبدأ وتعتبر الفرد كما مهملا فهى تؤمن بالنظام ولا تؤمن بالافراد . ولا ترى هذه النظرية حرجا فى استعارة بعض الفلسفات وليدة النزعة الفردية كمثل الغاية تبرر الوسيلة لمكيافللى لذلك فهى دائما على استعداد لكى تضحى بالافراد من اجل الدولة ومن اجل مستقبل النظام الاشتراكى وهي ايضا تستعير منها فلسفة القوة فقد رد ماركس على نيشة : " سنتقوى وننتصر عليكم " ومعنى هذا انه اذا كان نيتشه يدعو الى ديكتاتورية الفرد وتاليهه فان ماركس يعمد الى اقامة الدكتاتور الجديد وفرض الهه الجديد الا وهو سيطرة القوى العمالية .
ويبدو اذن ان مفهوم الحياة باعتبارها سيطرة وكفاحا مستمرا ليس من مبادئ الماركسية وحدها كما نسمع عادة وانما هو ايضا المضمون والمحتوى فى النزعة الفردية .
والتفاتة الى عالمنا تبين لنا ان سيطرة الدكتاتورية العمالية فى النظام الاشتراكى " المتطرف " ظاهرة اساسية وان السيطرة الاستعمارية ظاهرة اساسية فى الروح الغربية . لكن هذه الاخيرة تتهيأ لها الآن ظروف تطورية تعمل على قلبها راسا وابدا لها بروح ديموقراطية بين الشعوب ، اما فى العالم الاشتراكى فلم تستيقظ بعد الروح الديموقراطية ولا بد من انتفاضات عديدة حتى تتهيا لها فرص التغيير .
ان السبب فى ان الروح الغربية بدأت تتغير لصالح الديموقراطية انها استنفدت كل امكانيات النزعة الاستعمارية بينما الروح الديكتاتورية فى الاشتراكية المتطرفة لم تحقق بعد كل امكانياتها فى السيطرة على الاقل فى مجال الفكر وحالما تتحقق يزول كل شىء وتزول النظريات والمبادئ .
ان العالم لا يعترف بالنظريات ولا يقوم على الثبات ولا يؤمن بالمبادىء والتمذهب . ان المبادىء تزول وما يبقى هو الانسان . الانسان كفكرة كلية وكمقولة جوهرية متطوره . لقد اعتنقت البشرية فى تاريخها الطويل نظريات ومبادئ ولم تستمر معه وستعتنق مبادىء ونظريات اخرى لكن ما سيبقى ابدا هو
الانسان . الانسان فى مجتمع الانسان فى علاقة مع الآخرين . الانسان المتقيد بالآخرين المتحرر منهم . الانسان فى حالة مد وجزر بين عالمه وعالم الآخرين اى باعتباره فردا مستقلا وباعتباره وحدة لا تتسنى لها الحياة الا ضمن الوحدات الاخرى .
انه فى الانسان توجد طبيعتان ، طبيعة فردية وطبيعة اجتماعية فللفرد طبيعة خاصة محدودة بامكانيات وهذه الامكانيات تتطلب التحقيق لكنه ليس تحقيقا مطلقا لانه يراعى فيه شرائط ، وظروف اتصالها بالآخرين من ناحية ومن ناحية اخرى ليست الجماعة الا وسيلة هذا التحقيق . وهذه هى نفسها الطبيعة الاجتماعية فى الفرد . فتحقيق الفرد لفرديته امكانية ذاتية ترتبط ارتباطا كليا بامكانية ضرورية هى امكانية التجمع لهذا كان الاجتماع ضرورة انسانية
لذلك يلزم ان لا يكون الفرد محورا للتشريع ولا الجماعة معزولة عن الافراد هى كذلك محورا للتشريع اذ يلزم ان يشتبك الفرد والجماعة فى ايجاد هذا المحور حيث يكون التوافق بينهما . هذا ما يجب ان يراعى فى خلق المجتمع السليم المتوافق . واننا فى حياتنا وفى اتصالنا بالناس لا نحتاج الى اكثر من التوافق .
