لا أريد في هذا البحث أن اسلك طريقة قدماء اليونان الذين ينظرون الى الجمال كشئ علوى ذى طابع ميتا فيزيقى ، ليس بينه وبين الارض صلة الا بمقدار ، فيعرفون الجمال بأنه كمال المعرفة الحسية مجردة عن أية فكرة ، كما ان نقص المعرفة هو القبح ، وحسب هذا المذهب لا بد أن نستبعد جمال الاشياء والمادة عن الأرض ، وأن لا نبحث عن الشئ الجميل فى ما يوجد حولنا من أشياء ، وسوف لا أسلك كذلك مسلك جاريت الذي عرف الجمال بقوله : الجمال هو علاقة الاشياء بعقولنا أو بأغراضنا (1) ، ولكنني سأحاول في بحثى هذا ايجاد جواب للسؤال التالى :
- كيف يمكن أن ننظر الى الاشياء القبيحة فى عالمنا بصورة جميلة ؟ ؟
ان الجواب الصحيح على هذا السؤال هو الذي يبين لنا أهمية الجمال ودوره فى حياة الانسان ، لا فقط كقوة تجذب الانسان وتدفعه الى التشبث بالحياة ، بل كذلك كقوة خفية تشعر الانسان بمعنى الحياة وجدواها ، وما ينتج عن هذا الشعور من خلق وابداع فى كل ميادين الحياة .
والواقع أن الذى يمنعنا من التفكير فى الاشياء القبيحة بصورة جميلة ، هى أن أفكارنا تقع تحت تأثير انفعالات منحرفة تثيرها فى أعماقنا ظروف سيئة . فيرى الفرد منا الاشياء حزينة عندما يكون حزينا ، وبالعكس يرى العالم المحيط به عندما يغمر البشر أعماقه ، ومن الموانع التى تمنعنا من التفكير فى الاشياء تفكيرا جماليا بعيدا عن التأثيرات الانفعالية : تفكيرنا الاستسلامى ، أى اننا نفكر بطريقة الاستسلام (2) كما عبر عن ذلك الدكتور محمود البسيوبى ، فتنع هذه الطريقة الاستسلامية (3) الانسان من التفكير فى الأشياء بصورة جميلة ، وذلك لأنه يستسلم لما فكر فيه من سبقه
من الناس بصورة قبيحة ، فيأخذ ذلك دون تمحيصه والنظر فيه بمنظار النقد فالانسان اذا ما اتخذ طريقة الاستسلام أساسا لايمانه بالحقائق نجده عندئذ يتقبل ما له برهان وما لبس له برهان ، فايمانه فى هذه الحاله ، خليط من الحقائق والاراجيف ، ويتخلله كثير من الخرافات التى ليس لها أساس من الصحة " (1) وهذا من شأنه أن لا يجعل الانسان يطمئن الى الاشياء حوله نتيجه للهوس المسبق - في ذهنه - عنها ، والذي غرسته العادة فى ذاته . فينشأ من ثم الخوف والتهبب من العالم حولنا ، والذى من شأنه أن يمنعنا من التمتع لجمال الليل وسكونه مثلا ، ويهول أمامنا القوى الطبيعية : كالبروق والعواصف والرعود ، وهيجان البحر ، فنراها بصورة لا تتماشى مع حقيقتها في الواقع ، ونتيجة ذلك التهويل الذى أنشأته أحكام مسبقة فى نفوسنا يتولد احساس القبح في أعماقنا إزاء تلك الاشياء التى تخيفنا . وكذلك كثير من العادات التى أخذناها عن طريق التفكير الاستسلامى ، والتى من شأنها ان يشعرنا بالموت أو بالمصير المجهول - تلك الاشياء نخاف منها ولا نراها حملة ، فأنت لو درس لك الاستاذ درسا فى العلوم الطبيعية على هيكل الانسان ، فانك عندما تتأمل من المحجرين ، والانف الاقنى المتآكل ، تشعر ببشاعة ذلك الهيكل ، وشعورك بقبحه ناتج عن أنك تفكر فى تلك اللحظة التى تؤول فيها هيكلا عظميا كذلك الذى تشاهده وتدرسه ، وعلى العكس فانك عندما تشاهد هيكلا عظميا لحيوان فانه لا يثير فيك الشعور والاهتمام ، بل غالبا ما تراه شيئا عاديا لأنه لا يثير فيك الشعور بمصيرك ، كما أثاره فيك هيكل انسان من نوعك . وهذه الحالة فى الواقع هى انعكاس لحالات نفسة مطمئنة للماضى ، بعيدة عن الحوافز الجمالية التى تدفعنا الى التفكير فى الاشياء على أساس جميل ، لتأثير الانفعالات النفسية المسبقة ، التى أثارتها فينا عادات ومعلومات قبلية . بل أذهب الى ابعد من هذا لأقول : " ان استسلامنا للتفكير الآلى في الاشياء والكون ، الذي تمليه علينا عادات سابقة ، هو الذي يولد في ذواتنا الشعور بالعبث واللاجدوى ، فتفقد عندنا تلك الاشياء حيويتها ، وتنحدر فى اذهاننا الى مجموعات من الأشياء الخيالية التى لا تحمل معنى في ذاتها ، وبذلك لا نرى فيها قدرا معينا من الجمال الذي ينمى فى اذهاننا معناها المفقود ( الاشياء ) ، ومن ثم يكون شعور الفرد نحو العالم والأشياء شعورا وجوديا ، لأن رابطة " المعنى " بين الفكر والوجود منعدمة ومن ثم كذلك يكون حكمنا على الأشياء بالجمال او القبح متأثرا بوجود هذا المعنى أو انعدامه (2) . فانعدام المعنى كما قلنا يرجع للتفكير
الآلى ، والتفكير ينقسم الى قسمين : عادة التفكير الآلى ، وعادة التفكير المتجدد ، فعادة التفكير الآلى هى العائق الكبير فى سبيل فهمنا للأشياء بطريقة جمالية . والآلية تتغلغل فى الفرد فتصير كوظيفة طبيعية فيه ، وتعمل باستمرار على اضمحلال الجانب الذوقى والجمالى فيه حتى ينتهى الى درجة لا يستطيع فيها التمييز بين الجميل وغير الجميل ، أو بين الفنى وغير الفنى ، والواقع ان هذه الحالة ، كثيرا ما تعود الى عدم توفر التربية الفنية فى الفرد ، التى من شأنها أن تنمى شخصيته ، والتى بواسطتها يتحدى العوامل المتباينة فى البيئة ، أو اخضاعها لمشيئته - تلك العوامل التى قد يكون لها تأثير على التذوق الفردى ..
- التربية الفنية والجمال :
ان الاسئلة التى تتبادر الى اذهاننا ابان بحثنا فى هذا الجانب من الموضوع يمكن أن تكون على النحو التالى :
كيف يمكن أن توجه التربية الفنية تفكيرنا ، كى ننظر الى العالم والاشياء بطريقة جميلة ؟ وكيف نستطيع تجنب التفكير الآلى الذى يقتل فينا جانب الوعى ونفاذ الاحساس ؟
ثم ما هى الطرق التى يمكن أن نسلكها لهذه الاغراض ؟
ان هذه الاسئلة هى الكفيلة باعطائها الجواب . فلكي يتجنب الفرد الآلية المملة التى تسبب القلق بمعناه الوجودى ، لا بد أن يتخلى عن الاوضاع السابقة التى درج عليها ، وان يترك معلوماته وتصوراته السالفة للعالم والأشياء ، ثم يحاول أن ينظر الى كل شئ بمنظار جديد ، بمفعول ايحاءات واحساسات جمالية ، يستوحيها من ذاته أولا ، ومن عظمة الاشياء التى تطالعه ثانيا ، شريطة أن ينظر الى الطبيعة بوجهة نظره الخاصة ، وأن يحاول ايجاد معنى لتلك الاشياء ، حتى ولو كانت قليلة المعنى من الناحية الجمالية . ولكن للوصول الى هذا لا بد ان يكون التفكير والاحساس يسيران فى خطين متوازيين ، وبوجود هذين العنصرين لا بد ان يوجد بالضرورة الذوق الذى بنمو بنموهما (1) " وبالتأمل نشاهد ان التفكير فيما نحسه يقدمنا الى خبرات نذوقية من نوع أعمق ، والاحساس بما نفكر فيه يمكننا من التذوق نفسه " (2) لأن احساس الفرد بالاشياء ، ومعاناته لمشاكل الآخرين ، تجعله ملتصقا
بالمحيط الذي تربي فيه ، وتلك المعاناة ، وكذلك تلك الملازمة هى التى تجعل الفرد يخلق معنى جديدا للوسط الذى يعيش فيه ، وبالتالى يفكر فيه تفكيرا جماليا .
ولكن ألا توجد عوامل في الوسط (1) الذي يعيش فيه الانسان من شأنها أن تعمل على قتل الاحساس الجمالى فى ذاته ؟
وكيف يمكن للفرد أن يقاوم تلك العوامل ؟
أغلب ظني أن هناك قوى كثيرة تعمل على توجيه الانسان توجيها سلبيا ، تحاول أن تتركه فى نطاق السلبية وتبعده عن الجدية فى الحياة ، بمعنى ان لفرد يكون خارجا عن نطاق المجموعة ، خاصة إذا اصطدم الفرد الاجتماعى مواقع مغاير تماما لتصوراته . هذا من العوامل الاساسية التى تدفع الفرد الى للامبالاة . واللامبالاة معناها انعدام الذوق عند الفرد . واذا انعدم الذوق ، لا يحس الفرد بروعة الاشياء التى تحيط به ، وبالتالى فانه لا يحس بجمالها . ومن ثم تصير الاشياء غير مؤثرة على الفرد ، لأن روعتها ومعناها الجمالى مفقود ، وما دامت لا تؤثر عليه فانها لا تدخل فى نطاق تفكيره ، لذلك لا يمكن أن تكون هذه الأشياء بيئة حقيقية للفرد ، وبذلك يكون الشخص يشعر بغربة وجودية ، تجعله يحس بانفصاله عن العالم ، لأن ما يكون البيئة الحقيقية هو ما يؤثر فى ذات الفرد ، فيسبب ذلك التأثير استعدادا فنيا ، يقوى كلما ضعف الفقر الروحى لدى الفرد ، وكلما تناهى الفقر الروحى الى الصفر ، وارتفع الاحساس بالاشياء وبالاصالة الفنية فى الذات الفنانة ، ازدادت الاشاء قيمة فى تلك الذات ، وبالتالى ينمو الشعور الجمالى فيها ، وتصير الشخصية الفنانة فعالة مبتكرة . لأن لكل شئ مفعوله السحرى فى النفس الفنانة ، كما أن طرازا خاصا يتبوأ حيزا من فراغها ، وطراز الشئ أو صورته تتلون فى ميدان الفن بحسب تصور الفرد لمثله الخاصة ومثل الآخرين ، وهذا التصور يتسرب بطريقة لا شعورية فى الاشكال عن طريق العمل الفنى نفسه . لذلك نلاحظ ان اعمال الفنان الواحد ، كثيرا ما تتشابه كجملة غير مجزأة ، ولكنها لا تتشابه كأجزاء منفصلة ، لأن تأملات الفنان فيما حوله ، التى استلهم منها اجزاءه او عناصره الفنية ، كانت تحت تأثيرات مختلفة ، معني ذلك ان مظاهر الجمال فى الحالات الانفعالية المختلفة ، التى دفعت الفنان لخلق أثره ، كانت متباينة ، ومن ثم كانت آثاره متباينة بالضرورة مثلها .
ولكن لا تنس أن نظرتنا الى العالم والأشياء ، وتذوقنا لنسبها الجمالية يتناسبان تناسبا طرديا مع اغراضنا وغاياتنا ، وبمقدار سمو هاته الغايات تكون حساسيتنا لما حولنا أعمق ، وأبعد عن السطحية ، والنتيجة التى نحققها عن طريق استيعابنا " بالاحساس " لما حولنا ، هي الانسجام الذهنى مع محيطنا ، وبالتالى تحقق تعمقا فى الجوانب العديدة للشئ الواحد ، التى قد تكون حاوية على علاقات جمالية أو فنية تسترها عنا الظواهر المتشابهة فى ذلك الشئ وفى الاشياء التى من نوعه . وعلى هذا الاساس فان الاشكال الخارجية للاشياء يمكن ان نشكلها فى أذهاننا حسب مشيئتنا ، معنى ذلك أن شكل الشئ اذا كان قبيحا يمكن ان نتصوره فى اذهاننا جميلا ، أى اننا نصوغ له - فى ذواتنا - شكلا اجمل مما هو عليه فى الواقع ، عند ذلك يمكن أن نشعر بميل نحو ذلك الشئ والأشياء التى من نوعه ، وقياسا على ذلك يمكن أن نتصور العالم ، بحيث نخلق له صورة جديدة فى ذواتنا حتى نكون به أكثر اتصالا ، وحتى ننفى بذلك العبثية واللاجدوى التى تشوه امامنا الاشياء ، وذلك بأن تفقدها معناها .
فكل ما خلقته لنا الطبيعة وابتدعه الانسان يمكن ان نراه بصورة متجددة ، ويمكن أن نشاهد كذلك عالم الاشكال جميلا على الدوام بشرط أن نستأصل من أنفسنا الحقد والكراهية للعالم ، وأن نعوض ذلك يعطف ومحبة نحدب بهما ما يحيط بنا من كائنات وأشياء .
ان العالم المرئى - فى هذه الحالة - بالنسبة لشخص حساس يصبح قطعة فنية تبعث في أعماقه احساسا جماليا على الدوام ، وبذلك يمكن أن يكتسب الشخص : " صفة ملازمة ، وهي قدرته على رؤية العالم المحيط ، وهو مغمور بعلاقات ( فنية ) ، فاذا ما رآه كذلك ، وتأثر به ، أمكنه التعبير عما رأى وأحس ، بلغة الفن " : (1) فالتفاعل الذي يتولد فى أعماق الفنان من جراء اتصاله المتين بالعالم ، والنظر لما فيه بعين الفن ، هو الذي يولد فى نفسه المد والجزر ، أو ما استطيع أن أسميه " الأزمة الفنية " وهي ذلك التفاعل المفرط الذى ينشأ فى ذات الفنان ، أثناء معاناته لموضوعه ، والتى من شأنها ، أن تسبب النمو المطرد فى مواهب الفنان ، باعتبارها تتلقى تجارب من العالم الخارجى ، تصقلها وتهيئها باطراد للخلق ، لذلك فنحن نعجب بمهارة الفنان خاصة عندما يخلق اشخاصا يبدو وكأنهم يحيون ويتنفسون (2) وما اعجابنا هذا الا نتيجة عما لمسناه من صدق الفنان في التعبير عما اعتلج فى ذاته ،
والذى ضمنه لذلك الأثر الذى بين أيدينا ، وما هذا الصدق الفنى الا نتيجة مسبقة للتفاعل الصادق بين الفنان والعالم الخارجى ، والذى وقع بالضرورة نتيجة ايحاءات جمالية ، أثارت انتباه الفنان وانفعاله ، والمهارة فى الواقع هى الانفعال الذي يصاحب التنفيذ ، أثناء العملية الفنية ، فتكون خطوط الاشكال مصقولة تحمل تعبيرا خاصا ، يساير طبيعة الموضوع . أضف الى ذلك أن الانسجام الذي يشعر به الفنان بين الاشياء التى يعيش بينها ، هو الذي يجعل تلك الاشاء بالذات فى حوار دائم ، بينها وبين الذات الفنانة ، وبالتالى فان العالم أمام الفنان القدير مسرحية متناسقة حية متجددة ، تثير الشعور فى النفس الانسانية على الدوام ، وهاته المسرحية المتحركة المتطورة ، تحتاج الى مخرج قدير كي يصوغها حسب مقتضيات الفن الحديث ، بحيث تخرج على خشبة الحياة ، حاوية لمتطلبات الخلق الفني الكامل ، مصوغة حسب مقتضيات جمالية من شأنها أن تجعل الجمهور ، يحس احساس الفنان اثناء التأمل من الاثر ، وينفعل انفعاله ، وبذلك يكون : " الاثر الفنى حوارا بين الفنان وبين الجمهور " (1) .
- الخلق الفنى والجمال :
قلنا آنفا ان التربية الفنية تصقل احساس الفرد ، وتولد فيه استعدادات خاصة ، وحوافز كامنة ، يمكن أن تتفجر اذا لازم الفنان الناشىء الميدان الفنى الذي يريده ، معنى ذلك أن يتدرب باستمرار على العمل التطبيقى ، كأن يكون ذلك في ميدان النحت أو التصوير أو الموسيقى أو أى شئ آخر ، ولكن الاقتصار على هذه الناحية لا يخلق من الناشىء الفنان القدير ، الا اذا اعتبرنا امرين لا بد منهما فى ميدان الفن :
- أولا : الصدق فى التعبير عن طريق الموضوع بالذات ، والصدق الفنى عندى معناه تركيز حواس الفنان وطاقته العقلية والجسمية على موضوعه أثناء العمل الفنى ، معنى ذلك انه يترك التفكير في الناس والعالم ، ولا يفكر فقط الا فى موضوعه ، وذلك بتركيز انتباههه فى نطاق عمله الفنى ، ومن هنا يمكن أن يكون هذا الصدق عاملا أساسيا لتطوير تجربة الفنان ، وانماء الصلة المتينة بينه وبين العالم المحيط به ، والتى من شأنها أن تجعل له فى كل شئ مادة فنية دسممة ، بامكانه أن يخلق منها ما يناسب اتجاهه الفنى ومهاراته . ولئن كان الصدق عند الشاعر يولد فى قصيده العاطفة الصادقة والسبك اللفظى ، والالتحام المعنوى ، فان الصدق عند الفنان يولد فى موضوعه " قوة الايحاء " والنظرة الكلية للاشياء ، التى يستعملها كنقطة انطلاق لموضوعه .
- ثانيا : حسن استعمال المادة كاللون مثلا ، الذى يستعمله الفنان فى عمله ، اذ لا بد أن تكون هناك علاقة متينة بين الالوان على ارضية اللوحة ، ولا بد ان تكون تلك الالوان تحمل المعنى الاجتماعى أو الاخلاقي أو المذهبى الذى يريد الفنان التعبير عنه ، والا فانها تكون غير ذات معنى ، حتى ولو فرضنا أنها وضعت فى الأرضيه على أساس فنى . أضف الى ذلك أن الخطوط لا بد أن تكون هى أيضا معبرة عما يعتلج فى نفس الفنان ، وذلك بتماشها مع الموضوع . فاذا صور الفنان راقصة مثلا لا بد أن يكون فى الخطوط حركة وايقاع ، وحيويه توحى لنا بمضمون الموضوع ، لكن لا بد من تنظيم هاته الخطوط تنظيما يوحى لنا بالايقاع الموسيقى وبالتناسق الحركى . فلو فرضنا جدلا أن ( Degas ) فى لوحته الفنية ، التى تمثل راقصات البالية ، لم ينظم تجاهات الأذرع ، والارجل والاقدام والملابس ، وبقية عناصر الصورة تنظيما بتوفر فيه الايقاع الموسيقى المتوافق ، فاننا لا نستطيع أن نفهم - اذا كانت الحركات غير منظمة - هل أن النساء اللاتى نشاهدهن على أرضية اللوحة ، هن فى حاله رقص ، أم أنهن فى نوبة جنونية ، كذلك لا نستطيع أن نفهم هدف الفنان من وراء موضوعه الا بتوفر التناسق فيه ، لأنه هو الذى يوفر الجانب التعبيرى فى الفن .
وما أستطيع أن أسميه " بالتنغيم الفني " ليس الا مشاعر الفنان كامنة في الموضوع ، متبينة للجمهور عن طريق الخطوط والالوان . الا ان هذه التنغيمات الفنية تختلف باختلاف المذهب التأثرى أو التعبيرى أو التكعيبي أو الزخرفى ، كما يتباين تأثيرها كما هو الحال بين الفن التأثيرى والفن الوحشى ( fauvisme ) ولذلك كان الفن لاعتماده على الناحية التنظيمية ، كثيرا ما يصور أوهام الانسان ، التى تنشأ فى أعماقه بسبب ما يخيفة فى الكون ، وبسبب تفكيره فى مصيره ومصير الآخرين .
والتنغيم الذى نلمسه فى الفنون ، هو نتيجة ايحاءات او احساسات جمالية عاناها الفنان ، قبل الشروع فى موضوعه ، فأثارت فى نفسه احساسا أوليا بالتناسق بين أجزاء الموضوع ، أو قل الجانب التذوقى الذى دفعه لاختيار الموضوع والذى حرك فيه الجانب الابتكارى ، فكان موضوعه حسب اتجاه ما ، وطريقة ما ، وهذه العملية التى يتم فيها ابتكار الموضوع ، تتم حسب تتابع منطقى ، يكون الرمز فيه هو اللغه الوحيدة التى تحمل عقائد وأفكار الفنان واحساساته الى الآخرين ، وهذا يكون بصورة مختصرة ، لأن ميدان الفن لا بشبه ميدان الأدب فى هذه الناحية ، ففي الادب نستطيع أن نقول ما نشاء ، وان نعبر عما نشاء من خوالج نفوسنا بصورة مطولة ، بينما فى ميدان الفن ، تتحكم ارضية اللوحة فى الفنان ، بل تحتم عليه استعمال الرمز فى
لوحته ، كي يختزل أفكاره التى يريد تضمينها فى تلك اللوحة ، بل ان طبيعة عمله ذاته ، توجب عليه اختصار آرائه بواسطة الرموز ، فلقد صور احد الفنانين على أرضية بيضاء ، دائرة سوداء ، ولما سئل عن قصده بذلك ، أجاب أن اشار الى فناء العالم أو العدم ( Le neant ) . فأنت لو تصورت هذه اللوحة أو رأيتها أمامك دون أن يكون لك سابق خبرة بالفن ، لبدت لك شبيهة بعبث الاطفال ، وهذه ميزة من ميزات الفن ، فكثيرا ما تبدو الرموز ساذجة بسيطة ، تظهر وكأنها لا تحمل معنى في ذاتها ، الا ان صاحبها قد ضمنها معنى عميقا ، قد يتصل اتصالا متينا بمصير الانسان والعالم ، كما ان هذه الرموز هى التى تحمل القدر الجمالى الذى يريد الفنان ابرازه فى أثره . وكلما كان التعبير واضحا مع الاقتصار على الاشارة ، كان ذلك دليلا على مهارة الفنان وأصالته .
ولكى نستطيع التوصل الى كنه الموضوع وحقيقته ، وخصائصه الجمالية ، لا بد أن نبدأ فى تحليل المعنى من الموضوع حتى ننتهى الى الرمز ، معنى ذلك أننا نبدأ من الكل الى الجزء . وقد يقول قائل : لماذا لا نعكس الصورة فنبدأ فى تحليلنا للموضوع الفنى من الجزء الى الكل ؟ الجواب على هذا فى مضمون الجواب ، ذلك أن الجزء يحوى حقيقة جزئية من حقيقة الكل ، وادراكنا لحقيقة الرمز أو العلاقة بين الرموز التى من نوعه ، لا تؤدينا بالضرورة الى حقيقة الكل ، لأن الاجزاء فى الموضوع الفنى تحمل حقائق متباينة ، ومن هنا يأتى التنغيم الفني ، وبالتالى يتبين الجمال فى الأثر على أساس ذلك التنغيم . خذ مثلا لذلك لوحة انطون وكيلوباترة ( لليوبولو ) ، التى توحى للمتأمل بدلالات مختلفة - توحى له بالحب والخيانة ، وسوء التصرف في شؤون الأمة ، وهذه المعانى المختلفة التى يستوحيها الناظر ، هى ناتجة عن موضوع ذي رموز مختلفة الدلالات ، ولكن اختلافها يخدم موضوعا واحدا ، وتباين هذه الدلالات يكمل الجوانب المختلفة للموضوع .
نعود لنقول انه لفهم اللوحة نبدأ من الكل الى الجزء ، معنى ذلك اننا نبدأ من الموضوع ككل ، ونحلله الى الوان وأشكال ، وخطوط وعلامات ، ثم عندما نفهم معنى هذه الاجزاء نربط بين معانيها المختلفة فى أذهاننا لنفهم بذلك الموضوع الكامل مع حقيقته الفنية والجمالية .
- علاقة الفن بالجمال :
عندما ندرس الاجزاء فى الأثر الفنى منفصلا بعضها عن بعض ، فاننا سنصدر حكما على الأثر الفنى ككل ، وبالطبع سيكون حكمنا على قيمته بحسب تأثر بالنسب الجمالية فى ذلك الأثر ، ورضانا عن الأثر معناه أننا وجدنا فيه ما يلبى
رغبة الحاسة الجمالية فينا ، من هنا نستطيع أن نستنتج صلة الجمال بالفن - وعندما اتحدث عن الصلة ، لا أعني بذلك أن الجمال والفن كلاهما مستقل على الآخر ، بل أنهما - عندى - متكاملان لا انفصال بينهما ، ولهذه الصلة المتينة فان " الجمال هو نهاية تطور العمل الفنى أى ان الجمال هو المرحلة الاخيرة التى يستوفى فيها العمل الفنى الانسجام والتناسق ، ويستوعب فيها خبرة الفنان بصورة كاملة ، ولعل هذا ما عناه كروتشة بقوله : " الفنون جميعا هى ضرب من الكلام . فهى انما تعبر وتثبت وتظهر ما كان غامضا عابرا محسوسا . والجهد الجمالى اذن هو المرحلة الاولى للعقل ، أو المعرفة متميزة عن مجرد الاحساس ، وهو ادراك المرء لحالات نفسية مجسمة فى أشياء محسوسة ، حقيقة كانت أو متخلية " (1) .
فلو فرضنا جدلا ان الجمال يمكن فصله عن الفن ، فمعنى ذلك ان التمثال مثلا ، الذي يريد نحته الفنان ، سيبقى فى درجة معينة ، لا ترتفع به عن مستوى القبح ، لأن انفصال الجمال عن الأثر معناه عدم تطور العمل الفنى ، وبالتالى عدم تمامه ، أو توفر الخبرة الفنية فيه . لذلك فان هذا الأثر الذى لم تتوفر فيه الخبرة الفنية لا نشعر براحة عندما تتأمله . ولئن عمم ( Louis vax ) بأن كل الفنون يمكن أن نحس ازاءها احساسا غريبا في قوله : " انه من المؤكد أن كل الفنون بامكانها أن تبعث فينا قشعريرة غريبة " (2) .
لئن عمم هذا بالنسبة لكل الفنون ، فاننى اقصر هذا النوع من الغرابة التى بحسها الرائى على هذا النوع من الفن - أى الفن الذى لم يرتفع معيار الجمال فيه ، الى درجة تطغي على الجانب القبيح فى ذلك النوع الفني بالذات ، الشئ الذي لا يجعلنا نحس فى كثير من الأحيان " بنشوة الجمال " أثناء تأملنا للأثر الفنى ، والتى من شأنها أن تساعدنا على توسيع حدود ذواتنا الضيقة ، لأن السرور الجمالى أو الفنى : " هو عملية تأمل يتحرر فيها الانسان من عالم الواقع ، وما يربط به من قيود ، وينتشى فيها المستمع ، بالعلاقات التى
سجلها الفنان فى عمله الفنى ، وبجمال التعبير الذى استطاع أن يحصل علية " (1) .
والاستماع بالعلاقة الجمالية معناه ، ان الرائى دخل فى مرحلة نستطيع أن نسميها " مرحلة التقدير الجمالى " التى يشترك فى ابرازها الفنان والرائى معا . فلكى يبرز التقدير الجمالى ، لا بد للفنان أن ينقي منه كل الشوائب التى -قد تعوق الرائى عن التقدير الجمالى الصحيح ، ولا تجعله يغوص فى مفهوم الأثر دون واسطة خارجية ، وهذا يتطلب من الفنان التشذيب والتنقيح والتغيير - ان اقتضى الأمر - فى ذلك الأثر .
ولكى يحسن الرائى الاستمتاع بجمال الأثر ، لا بد أن يتجرد كشخص من التسرع فى الحكم ، وينبذ الشعور النفعى من نفسه ، وكذلك يتخلى عن الفكرة الأكادمية القديمة ، التى تطلب الغموض لذاته ، كعنصر اساسى لتوفير الجمال . ورأيى أنه للتعمق فى أغوار الأثر الفنى من طرف الرائى ، ولخلق أثر فنى تتم فيه شروط الاتقان من طرف الفنان ، لا بد ان يكون كلاهما شاعرا بما سماه الدكتور البسيوبى " بــ ـالايقاع " (2) وقد اعتبر الايقاع أساس نظام لوجود ، كما اعتبره أساسا جوهريا تقوم عليه سائر الفنون . وقد عرفه بأنه الترديد المتواصل لنظام معين(3) واذا توفر هذا الايقاع فى الانتاج كان ذلك دليلا على الصلة المتينة بين الفنان والكون ، وبالتالى يقوم شاهدا على توفير التنغيم الفنى في أثره .
كما أنه إذا صدر حكم من طرف الرائر كان ذلك برهانا على تخلصه من الاحكام الاعتباطية ، كما يدل ذلك ايضا على اتصاله المتين ، وشعوره العميق " بالايقاع " الكونى .
لكن توفر الايقاع فى الأثر يتوقف فى النهاية على مهارة الفنان التى تضمن صياغة الايقاعات فى الأثر صياغة فنية بحتة .
أضف الى ذلك ان : " الفنان هو الذي يكتشف الايقاعات الطبيعية فى عمله الفنى على أساس أن هذا العمل مبنى من مجموعة ايقاعات تتضمن الغوامق والفواتح ، التعامد ، والأفقية ، الطول والقصر ، القرب والبعد ، الالتقاء والافتراق ، التجمع والبعثرة ، الحركة والسكون ، التباين والتوافق - كل هذا بلغة الاشكال : لغة السطوح ، وألوانها ، على أن كل شئ يتوقف في النهاية على الصياغة الموحدة ، التى تحمل معانى هذه الايقاعات الى نفس الرائى " (1) .
الحقيقة أن قوة التعبير الفنى التى يمكن أن تؤثر على الرائى ، تتوقف على مهارة الفنان ، وقدرته على ترجمة الاشكال التى حوله فى الطبيعة - يترجمها الى خطوط وأشكال على أرضية لوحاته ، بحيث تربط بين هاته الخطوط والاشكال علاقات فنية تحمل فى ذاتها المغازى التى يهدف الى ابرازها الفنان بذلك الأثر (2) ومن ثم فانه يمكن القول بأن حقيقة الجمال فى الفن ، هى حقيقة التعبير ، أى مقدار دلالة الأثر على احساس الفنان (3) . ويحسب اتجاه الفنان الفردى ، تكون طبيعة التعبير . فاحساسات الفنان كانت قبل تجسيمها غير موضوعية ، معنى ذلك انها ذاتية بحتة ، ولكن الفنان يحاول بصورة واعية تجسيمها فى شكل فنى يكتسى بالصبغة الموضوعية ، بعد أن يقرر الموضوع الذى يمكن ان يبدع فيه ، ويجسم شعوره تجسيما كافيا (4) .
- غاية الفن تحقيق الجمال والخير :
ان غاية الفن كما يراها افلاطون هي تحقيق الاخلاق والفضيلة ، فلا يكفى ان يكون الشئ جميلا ، بل يجب ان يكون كذلك ، على جانب كبير من النيل (5) .
ويرى الدكتور البسيوبى أن الغاية من الفن هى إيجاد نظرة مشتركة بين المعبر والمستمتع ، من شأنها أن تجعلهما ينظران الى العالم المرئى ، على أساس
نوع موحد ، متجدد ، من النظام . ويذهب الى القول بأن هذه القيمه الأخيرة ذات صبغة اجتماعية ، لأنها توحد بين ميول الأفراد أو اتجاهاتهم ، كما أنها ترفع مستوى ذوقهم كمدنيين .
ان هذين القولين لا يوجد بينهما اختلاف ، فالغاية التى هدفا اليها واحدة ، وان اختلف اسلوب التعبير فرفع الفن للذوبان هو وجهة خيرة ، لان الذوق هو أساس تنمية الاحساس بمحبة الآخرين . لذلك فوجهة نظر الرجلين تتمثل فى تحقيق الفن للخير وتحقيقه للجمال الروحى ، بواسطة التهذيب وتنمية الذوق .
ولكى يتضح هذا القول ، فما علينا الا ان نبحث عن جواب للسؤال التالى الذى طرحه طه حسين :
- هل يستطيع الفن أن يتخذ الشر موضوعا ، ويستخلص منه صورا فنية جميلة ؟ ؟
لا يوجد مجال للشك فى أن الموضوع الذى يختاره الفنان كوعاء يبرز فيه وجهة من وجهات نظره المعينة يختلف ، فقد يكون الدافع الذى أثار انتباه الفنان تجاه ذلك الموضوع بالذات هو دافع خير ، وقد يكون عكس ذلك .. والمهم الذى نريد الوصول اليه ، هو أن الشر يصير عاملا من عوامل الخير ، اذا عبر عنه الفن . فلنفرض أنه توجد بين أيدينا لوحة تصور الحرب ، وتمثل القوة والعنف فهذه اللوحة فى الواقع وإن كانت تمثل تنكيل الانسان بأخيه الانسان إلا أنها لا تأخذ موضوع الحرب لذات الحرب ، إنما تأخذ هذا الموضوع ليكون نقدا لسلوك ثلة منحرفة ، لا هم لها الا التنكيل بالآخرين . وفى هذا النقد إقناع بضرورة تجنب الحرب . وبالطبع هذا الاقناع لا يكون عن طريق التعبير المباشر كما هو الحال فى الأدب ، بل يكون عن طريق التأثير الجمالى ، الذى يشعر به المتأمل من ذلك الأثر . ومن هنا كانت غاية الفن كذلك انشاد الحقيقة ، وكشف ما هو غامض في العالم وفي ذات الانسان . ومهما اختلفت الطرائق التى يسلكها الفنانون فالغاية واحدة وهي نشدان الحقيقة والخير والجمال .
وحتى الفنون التى نصفها بألا أخلاقية فانها فى الواقع تريد تدعيم الأخلاق الوضعية ، فالمتأمل من لوحات جبران - دون أن تكون له خبرة فنية سابقة يرى أن فى تصويره للنساء العاريات هتكا للقيم الاخلاقية ، ولكن فى الحقيقة وان كان الدافع الجنسى فى لوحات جبران قويا ، الا ان غايته هى : كشف حقيقة
النفس البشرية عارية كما اوجدتها الطبيعة ، وهو فى لوحاته يقف حائرا بين ثلاثة عوامل : القيم السماوية ، والوضعية ، والطبيعة البشرية التى تحاول هاته القيم تغطية حقيقتها .
وخذ كذلك فن بيكاسو ، فهو وان كانت خطوطه الغليظة تظهر معالم الفن الوحشى واضحة ، وتبدو فيها النقمة جلية ، الا أن هذه النقمة ليست غاية فى ذاتها ، بل هى نقد للنظام الاقطاعى المستبد .. وخلاصة القول نستنتجه من قول شيلى فى كتابه ( برومتيوس طليقا prometheus Unbound ) الذى يذكر فيه أن أجمل مغزى أخلاقى مصوغ فى أجود شعر . فكذلك نستطيع أن نقول :
- إن ابلغ مغزى جمالى مصوغ فى أجود فن ..
ن. ب.

