وهذا انطون الجميل باشارئيس تحرير الأهرام ، وعميد الصحافة الشرقية ، انطون الجميل الأديب لا الصحفى . . ها أنت ثقرأ له حديثا جامعا فى مجلة المنتدى عما سماه " العيوب الصغيرة " وها هو يقول فيه ما يأتي
" . . وقد يكون خطر العيوب الصغيرة اشد من خطر العيوب الكبيرة ذلك ان الكبيرة تشهر علينا هربا علنية فنخافها ونحتاط لها . . أما الصغيرة فتتمكن منا خلسة وعلى غفلة منا . نحجم عن القتل بالسلاح وعن سرقة المال ولا نحجم عن القتل باللسان ، وعن سرقة المجد المزيف ..وهكذا تنسج العيوب الصغيرة حولها خيوطها رفيعة لا أيه لها فى بادىء الامر وتنتهى بان تكون اصفادا من الحديد نرزح تحتها .
" ويزيد فى خطر هذه العيوب انها قد تكون فى ظاهرها أقرب الى الفضائل منها الى الرذائل بل انها قد تتقنع بقناع الفضيلة ، فيبدو الغرور اعتدا ابالنفس . . والخيلاء اباء ، وحب الذات غيرة ، والغضب ثورة للكرامة والحسد تنافسا محمودا ، والفضول حب استطلاع ، وانثرثرة ذلاقة لسان . .
" وهذا ما يدعونا الى زيادة الحذر من العيوب الصغيرة . الى ان يقول " ونحن نألف عيوبنا النفسية كما نألف عيو بنا الجسمية ، فنعود لا نأبه لها ولا نشعر بها ، ولكن الناس يشعرون وينزعجون وكثيرا ما يتألمون . . "
تواضع العظمة :
واليك حديثا اخر في هذه المجلة ايضا ، انه حديث عنوانه " تواضع العظمة " بقلم احد ادباء فلسطين الأستاذ خليل السالم ، لا احب ان اتركه دون ان اقتطف منه بعض ما جاء فيه ، يقول الكاتب :
" كلما ازداد العظماء رفعة ومجدا ؛ ازدادوا تواضعا وعزوفا عن المجد ليس لانهم لا يحسنون السير فى مواكب المجد ، ولا يقصدون فى نضالهم العلمى شهرة وتشريفا فحسب ، بل لان علعلمهم الواسع يرشدهم الى جهلهم الواسع ايضا . . فكلما ازدادوا علما ازدادوا جهلا . . ذلك ان كل حقيقة تكشف تفضى الى عماية جديدة ، فيخضمون أمام عظمة الكون واسرار الحياة ، ولا يجدون مبررا لأن يستطيلوا كبرا ، ولا يسمحون لمظاهر الاعزاز والتكريم ان تنال من انفسهم ، قانعين بما اكتشفوا واستنبطوا ، بقول " كيترنج " رئيس مجمع تقدم العلوم الامريكى " يوم ترضي ما بين يديك فقد بدأ عقلك يتحجر !"
"وكثيرا ما ينكر العلماء الافذاذ على انفسهم كل فضل ، او يستخفون بكل ما بذلوا من جهد ولو انه أفاد الانسانية ، وحث خطى العلم .
الى ان يقول : " . . كانت تجارب فرنكلين العالم الامريكى اساسا لعلم الكهبرائية الساكنة ، وقيسا انار حواشى بعض ما تم بعده من كشوق واختراعات ، اتدري ما ذا كتب فرنكابن الى الجمعية الملكية فى لندن واصف هذه التجارب أكتب هذه العبارة الخالدة : " ربما لا يحتوي كتابي هذا أي شئ جديد ، وربما لا يستحق القراءة لان الباحثين الاوربيين كما اظن قد اكتشفوا النتائج عينها قبلي"
وؤثر عن العالم "جينز" انه كان يقاوم كل محاولة تهدف ان تجعل منه شخصا معروفا ، حتى ان شهرته فاضت ، وصيته ذاع فى اوربا قبل ان يعرفه ابناء وطنه . "
اهدى " نبوتن " منظاره العاكس الى الجمعية الملكية فى لندن فحاز الرضا والقبول ، ورشح نبوتن لعضوية الجمعية فكتب نيوتن الى سكرتيرها يقول "سيدى دهشت عندما قرأت كتابك عن اهتمام الجمعية بامر اكتشاف لى لم اكن شخصيا ارى انه يستحق الاعتمام ... وحيث ان الجمعية الملكية رأت انه يستحق التسحيل ، فلا بد انها قدرته باكثر مما قدرته انا ، ولو لا ان طلب
مني بعض الاصدقاء ان ارسله الى الجمعية لظل امره مجهولا كما كان منذ بضع سنوات ".
الى ان يقول الكاتب : " فهل يتعظ اشباه المنعلمين بيننا الذين اذا اوتوا حظا من العلم والثقافة أو حصلوا على شهادة جامعية انتفخوا غرورا ، وامتلا و عجبا ، واصبح لا يرضيهم الا ان تقدم بين ايديهم شعائر المديح الرخيص والثناء الكاذب ، ولا يقنعهم الا ان يصفق لهم المجد ، وتمشى فى ركابهم العظمة والذين اذا علموا شيئا ظنوا انهم علموا كل شئ . . فلا يقرأون كتابا ، ولا ببحثن امرا ، لانهم بلغوا منتهى العلم ، ووصلوا إلى اقصى المعرفة !
" في اذ ان هولاء يجب ان نهمس : ان خضم المعرفة عميق واسع ، ولا يطفو على سطحه منتفخا الا الجسم الخفيف . . الجسم الاجوف ، والجثة الميتة العفنة . . وان فروع المعرفة لا يمكن ان يحيط بها عقل ، وان العالم الحق لا يكل ولا يمل من طلب المعرفة ونشدان الحقيقة ، وان العالم الحق كلما ازداد رفعة ومجدا ، ازداد تواضعا وعزوفا عن الشهرة والمجد . "
انقد ام حسد ؟
وهذا الأديب اللبنانى الناقد الاستاذ مارون عبود يقول في كتابه " على المحك " بعنوان : " انقد أم حسد " ما يأتى :
"...هكذا سار ويسير النقد عندنا ... تختم المأساة يأكل اللحوم ونبش القبور ! فمن لنا بزياد جديد ، ويتراء جديدة الحدود ؟ أما هواة النقد فنقول لهم ما قاله امس المندوب السامى للصحفيين : " انتقدوا الاعمال لا الاشخاص " ونزيد " كونوا منصفين " .
" فهل من نقاد مخلصين للفن لا يحابون كاتبا ، ولا يمالئون شاعرا ، فلا يكيلون الثناء لشهير ، ولا يتعامون عن جيد جاء من نكرة ؟ ليت الصحف والمجلات تقلع عن هذه الالقاب التى تغر الادباء وخدع القراء ... وليتها تذكر اسماءهم بما يذكر في اوربا اسم " فاليرى " و " سميلنج " و " تاغور" و " ولز "
و" شو " و " جيد " ومن اليهم من كبار كتاب العالم ، ثم لا يعرض لمحصولهم الادبى الا فى مختبرات التحليل ... فلتتركن الصحف هذه الطلاسم التى ترقى بها قراءها ، وتنفج الادباء حتى يصبحوا كالقطن المنفوش !
حقا ان محصولنا الادبى فى تأخر مستمر ، ونحن على ابواب " مجاعة روحية " فادباءنا اكتفوا بشهرة جوفاء ، تذهب بذهابهم كصدي ينقطع بانقطاع الصوت . انهم كتلك الزهرة " شب الليل " التى تعيش فى الظل ليلة واحدة . فالى النور ايها الاخوان ، الى الادب الخالد ، ولا يغرنكم ما يقال بالغد حكم جبار لا يعرف رحمة ولا محاباة .
" وبعد فاقول : والاسف ملئ الفؤاد ، اننا اذا قرأنا شيئا فيماف فهو عيال على كتاب الغرب وشعرائه ، ان لم يكن نصا فمعنى ، فعلى رفوفى كتب اعظمتها جد الاعظام ، حتى كتبت الى احد مؤلفيها ، وانا لا اعرفه ، اثنى على جهوده وعمق تفكيره ... وكم كانت خيبتى مرة بعد سنتين اذ عرفت ان معظم الكتاب مأخوذ
والبلية انك اذا ارشدت الناس الى هذا " الاخذ الشريف " وقلت كلمة فى احد هؤلاء " الطوباويين " تغامزوا جميعا عليك ، وقالوا : " حسد ! " وهكذا ينجو المنلبسون بالجريمة ..:
وجماع الكلام ان الناقد النزيه كالصيقل الماهر يبدو جوهر السيف تحت انمله شيئا فشيئا ، أو كالمرشد الامين يجذبك الى متحف ملئ بعرائس الفنون ويدلك عليها واحدة ويشرح لك معانى جمالها ، وما كان النقد قط منذ كان ، الا معوانا على رقى الفنون ، وفنان لا يسمع غير التقريظ لا يبدع والماء ان لم تصفقه الرياح ركد وأسن . "

