الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "المنهل"

بين الكتب والصحف

Share

سمو العطاء

. . ولبنان ! ماذا اقول عن لبنان ؟ انه السابق اذا ما ذكر الادب الحديث انه اول وطن عربي حمل المشعل . . وانجب فى اواخر القرن التاسع عشر من نوابغ الادباء والمفكرين ، من كانوا بحق اساتذة ومعلمين ، وكانوا بحق فى طليعة الرائدين .. !

ولا يزال لبنان القرن العشرين هو لبنان القرن التاسع عشر . . لا يزال مصدرا لاجود الانتاج في عالم الأدب الرفيع . . وهذا اديب مشهور من كبار ادبائهم " خليل تقي الدين " يتحدث في مقال قصير في كتابه " خواطر ساذج " عن ماذا ؟ عن سمو العطاء . وصدقني اني قرأت هذا المقال مثنى وثلاث ورباع وفي كل مرة رأيته جديدا ، وهذا هو يقول :

" انت في الحياة تسمو بقدر ما تعطى ، لا بقدر ما تأخذ ...

وقليلون في الناس من يعطون ، واقل منهم اولئك الذين يعرفون كيف يعطون !

هولاء تم نخبة النخبة ، وخلاصة الخلاصة . اذ ان للعطاء شروطا يجب ان تتوافر فيه ، او يفسد وتشوهه طريقة العطاء .

الاترى ان الذى يعطى قرشا ليأخذ قرشين غير الذي يحسن فى طي الكتمان ويظل حريصا على اخفاء اسمه ، وهو مع ذلك سعيد لانه اعطى ؟ !

وهنالك الذين يعطون وكأنهم يشترون ، اولئك الذين يعرضون عليك المحبة ، او ينفحونك بمال او بههدية ، وهم ينتظرون منك مقابل ذلك عملا ، او امتناعا عن عمل . لا يعد عطاؤهم شيئا بالنسبة اليه !

هولاء ليسوا من المعطين بل من التجار ! ...

ومع ما في العطاء المجرد من سمو ، فهنالك عطاء اسمى وارفع ، هو عطاء الانسان جزءا من نفسه ، او فلذة من كبده ، يجود بها على الناس ، لينقذوا عقولهم ويرووا ارواحهم ونفوسهم فهذه الاجزاء التى يستغنى عنها " كلك " لتكمل النقص في " كل " غيرك ، هذه القطع من قلبك تنعم بها ، على الناس لابسة لباس المادة من لغة ، او لحن ، او لون ، هي اسمى مراتب العطاء .

وهولاء الذين يعطون هذا العطاء هم ابناء الفن الموهوبون ، وعطاؤهم هذا ري للعطاش ، واشباع للجائعين ، لكنه عذاب لهم ، اذ انهم غالبا ما يغمسون ايديهم فى دماء قلوبهم حين يعطون ..

لابد للاديب !

وهذا اديب لبناني آخر هو الاستاذ لطفى حيدر ، يتحدث عن الثقافة الواجبة للاديب فى كتابه " محاولات فى فهم الادب " فيقول :

" . . لابد للاديب ان يأخذ من كل شئ اخذا غير سطحى . . ان هذا الرجل الذي يدخل في نفوس الناس ، يستكشف اسرارها ، ويشهد صراع الطبقات ، ويقف على مبضع الجراح ، ويسقي السم مرارا أو يتناوله ، يدافع عن المجرم والضحية ، ينقل الحياة بريشته ضاحكة باكية ، ويقتحم ما وراء الحياة ، هذا الذي تصطرع العواطف البشرية بين شتى قلمه ، كم يجب ان يكون فيه من الفيلسوف والمؤرخ ، والحقوقي والطبيب ، والاجتماعى والموسيقى ، يا ترى ؟

" لا يجب ان يكون الاديب مهندسا ولكن كم تنفع الهندسة الاديب في تنسيق عباراته ، وتنظيم أفكاره ، وربط ذلك كله ، لإيجاد الوحدة الفنية !

" وبعد هذا فالادب ليس كنز هذه المعلومات ، ثم تصديرها كما هى وليس الاديب عطارا يكدس الاشياء في مخزنه ، الى ان تسخر الاقدار مشتريا لها ، فيمسح عنها الغبار ويبيعها ، وانما الادب هضم وتمثل . . والاديب يشبه صاحب المعمل ، يأخذ مواد أولية مختلفة فيدخلها في معمله ، ثم يخرجها شيئا غير ما كانت ، يحمل طابعه الخاص " علامته الفارقة " .

كتاب من غير أقلام !

وان اردت ان تعجب ، فلك ان تعجب من هولاء الكتاب الذين ينعتهم كاتب فى " الرسالة " بأنهم كتاب من غير اقلام ، حيث يقول :

" . . ان الفكرة السليمة قوامها الاسلوب السليم ، وان الكاتب الذي لا يستطيع ان يصحح ما يكتب لا يستطيع كذلك ان يصحح مايقرأ ، ومعنى ذلك انه يقرأ على غير فهم ووعى .

" ولكنى اعرف كثيرا من ناشئة هذا العصر ، وكتاب هذه الايام قاصرين عن تصحيح لغتهم وتقويم اسلوبهم ، واني لاعرف كتابا بيننا يملؤون الدنيا باسمائهم ويتصدون للنقد والمناقشة ، وهم حين يجلسون لاراقة المداد على الورق لا يعرفون مصادر الكلام من موارده ، فيتركون هذا الاناس يستخدمون

اشخاصا على اجر معلوم لهذا الغرض ، وعندهم ان هذا ليس بعاب ، بل انهم ليحسبون التمسك باللغة عنجهية وتقعرا لا يليق بمفكرى هذه الأيام .

" وانا والله لست ادري ماذا يكون ذلك الكاتب اذا فقد أول شرط للكتابة ؛ واى شىء يبلغ من الادب ، اذا لم تكن لديه اداة الادب ، وهل يجدى هؤلاء شيئا ما يتشدقون به من انهم يحذقون لغة او لغتين اجنبيتين على حين يجهلون اللغة التى يكتبون بها وينتسبون اليها ؟ !

" ولكنها بدعة اعجمية ، خلقها العجز وبررها القصور عند هولاء وانهم لكتاب من غير اقلام ، وان حسبوا انفسهم من الاعلام "

ينبوع الشباب الدائم !

ولكن . . اما من شئ غير الحديث عن الادب ؟ أما من شئ غير هذا الحديث المعاد المكرور ؟ !

ما اكثر إغراء الادب ! وما اكثر ما يتحدث عنه الادباء وما اكثر ما يحتله من صفحات في جرائدنا ومجلاتنا ! ولكنا نعود فنقول : اما من شئ غير هذا الحديث المعاد المكرور ؟ . .

بلى . وهذا هو حديث وجيز عن اجمل أشياء الحياة عن الشباب ، او عن ينبوع الشباب الدائم كما يقول الكاتب الامريكى الذى جاءنا بهذا الكلام في كتاب " هل انت حي " واليك مايقول :

" ليس الشباب زمنا من ازمنة الحياة ، بل هو شعور فى النفس ، وارهاف فى العزيمة ، وتوقد في الخيال ، ونشاط في العواطف ، وارباء الشجاعة على التهيب ، وغلبة شهوة المغامرة على حب الراحة ...

وما من احد يهرم لانه عاش عددا من السنين ، وانما يهرم الناس حين يهجرون مثلهم العليا جانبا . وكر السنين يترك الجلد مغضنا ، ولكن ترك الحماسة " يغضن الروح " ، والقلق ، والشك ، وعجز المرء عن الايمان بقدرته والخوف والقنوط ، هذه هي السنوات الطويلات المدد التى تحنى الرأس ، وترد الروح الناطق ترابا فى تراب !

وسواءا كان الحي فى السبعين ام فى السادسة عشرة من عمره ، فلن يخلو قلبه من حب للعجيب الرائع ، ومن دهشة حلوة تساور النفس حين يرى النجوم وما يشبهها من الاشياء والافكار ، ومن جرأة ماضية تتحدى خطوب الدهر ، ومن شوق كالذى علا قلوب الصغار رغبة فى معرفة الغيوب ، ومن بشاشة للحياة الزاغرة بالمرح والنضال !

وانت شاب بقدر ما اوتيت من ايمان ، وهرم بقدر ما منيت به من شك ، وصغير بمقدار نفتك بنفسك ، وكهل بمقدار وجلك ، وفتى بحسب املك ، وشيخ بحسب يأسك !

ومادام قلبك يتلقى رسالات الجمال والبشر والشجاعة والجلال والقوة من الارض ومن الانسان ومن الآباد فانت شاب .

ومتى وهنت الاشباب التى بينك وبين الحياة ، وطمرت حبة قلبك ثلوج التشاؤم والشك وقلة المبالاة فقد شخت حقا ، وعليك رحمة الله .

س - ع

اشترك في نشرتنا البريدية