الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "المنهل"

بين الكتب والصحف

Share

) مظهر من مظاهر التنويع والتجديد والدم الجديد فى " المنهل يلمسه القراء فى هذا البحث وفيما يليه . من البحوث المتسلسلة التى تفضل ويتفضل بها صديقنا الكاتب المعروف " س . ع . . تحت هذا العنوان (

بين الكتب والصحف ! ما أمتع الجلوس بين هؤلاء الصحاب ! انها ساعات تحلوفيها الحياة ، وتنبعث فيها الامانى ، ويتنبه فيها الفكر ، ويتيقظ فيها الاحساس ، وتنسى فيها الهموم ، ولو الى حين . وما ابهج الساعات التى تنسى فيها الهموم ! وما أقلها ! وفى هذه الصفحات القلائل أحاول - كلما اتيح لى - أن أدون بعض ما يبدو لى انه شائق ، أو يبدو لى انه مفيد من هذه القراءآت ولعلى بعمل كهذا - على مافيه من سهولة ومن عناء ايضا أستطيع ان اضع امام القارئ الذى تحول ظروفه العملية بينه وبين ان يقرأ باستمرار ما يرد الينا من الخارج من الانتاج الفكرى ، لعلى استطيع ان اضع امامه صورة - ولو مصغرة - مما يدور فى هذا العالم الذى نعيش فيه من شتى الحيوات وشتى الافكار ، وشتى الامانى والاحلام ، وشتى المشاكل والهموم ، فاذا كان ، هذا كله ، أو بعض هذا كله مما يمكن ان نتحصل عليه من وراء هذا النوع من الافتباس والتدوين ، فلنا ان نقول : انها نتيجة حسنة ، وعلينا اذن ان نوالى البحث ونوالى الاختيار واوالى الندوين ما استطعنا الى ذلك سبيلا .

وأول ما نفتتح به هذه الاختيارات هو كلمة قيمة ، أو شهادة كما اراد راويها ان يسميها ه انها كلمة لفارس بك الخورى عن الشرع الاسلامى ، انها شهادة من هذا العربى الكبير فيها الرد البليغ على من يزعمون ان شريعة الأسلام قد تأثرت بانظمة الرومان . ومعنى انها تأثرت ، انها اقتبست . ومعنى انها اقتبست انها لم تكن كلها نظاما اسلاميا محضا ، نظاما مصدره كتاب الله وسنة رسول الله ثم ما اتى بعد ذلك من اجماع وقباس ، يعتمدان فى الاساس على ذلك

الكتاب وعلى تلك السنة . انه زعم ليس إلا ! زعم لم يؤيده اصحابه بالبرهان والدليل ، وانما تخيلوه فحالوه . وهذا هو الأستاذ الكبير فارس الخوري وهو مسيحى كما هو معلوم ! ثم هو حجة فى الفقه والقانون يقول قولة الحق فى هذا الموضوع .

ومن هو فارس بك الخورى ؟ انه زعيم كبير من خيرة زعماء العرب ، ثم هو عالم بحاثة كان بالامس استاذ القانون فى جامعة دمشق ، وهو الآن رئيس مجلس النواب السورى ، اما كلمته التى نشير اليها فقد اوردها كاتب فى عدد حديث من مجلة الرسالة قال الاستاذ فارس بك

" المقايسة بين الشرع الأسلامى والشرع الرومانى لا نراها تستقيم لنا بالنظر لاختلاف الهدف والسنة بين الشرعين : الأول منهما قائم على قواعد الحق المطلق ومقتضيات العقول . والثاني على المصالح والمنافع الدنيوية . فيبنى على هذا التخالف ان الأساس فى الشرع الأسلامي مصلحة الفرد فى الدنيا والآخرة ، وفى الشرع الرومانى مصلحة الجماعة فقط . وهذه المبادئ ظاهرة آثارها فى كل صفحة من صفحات هذين الشرعين تفرق بينهما تفريقا يتعاصى على المزج والتوحيد . حتى ان الحكيم يكاد يستنبط استنباطا ، الحكم بالمسائل المعروضة فى كل من الشرعين اذا اعتبر بهذه القواعد ورجع اليها وفى الأعم الأغلب يكون ظنه يقينا ، مثال ذلك مرور الزمان ، اما ان يسقط الحق ، واما ان يسقط الدعوي ، فالشرع الأسلامى لا يمكن ان يقول بسقوط الحق ، لأن الحق يبقى فى الذمة ، والفرد لا تبرأ ذمته الا بالوفاء ، أو بالإبراه مهما مر الزمان على الحق ، ولذلك قال ان الحق لا يسقط بتقادم الزمان ، وانما يمنع الحاكم من سماع الدعوى . فلم يكتف الشارع الأسلامى بتأمين مصلحة الدنيا بل استهدف مصلحة الآخرة ايضا ، فى حين ان الشارع الرومانى اتخذ الجانب الآخر وقال ان الحق المتروك يسقط والساقط لا يعود ، ولم يكترث باثقال الذمة وعقاب الآخرة . لذلك ترى انه ليس من السلامة القول بأن احد

هذين الشرعين مأخوذ عن الآخر . واذا طالعت اقوال فقهاء الأمتين فى احدى المسائل تجد كل فئة تعلل اجتهادها بطريقتها الخاصة صراعية المبادئ المتقدم ذكرها ، غير متأثرة بالأساليب وطرق الثعليل التى سلكتها الفئة الأخرى "

وهذا توفيق الحكيم ، الكاتب المفكر الموهوب ، يتساءل في جريدة " اخبار اليوم " عن نوع الثقافة هل يتغير بتغير المجتمع ، ثم يستطرد فى اسلوب مرتب وعبارات منسجمة الى الكلام عن صحافة اليوم وكيف يجب ان تكون ، وعن الصحيفة المثالية ، فيقول :

" هل نوع الثقافة يتغير بتغير المجتمع ؟ لاشك ان هنالك شيئا يتغير وهنالك شيئا ثابتا لا يتغير . . ان الوان الطعام المادى قد تغيرت وتنوعت وتعقدت على مر الاحقاب والازمان ، فاختفى العصيد والثريد ، وظهر فى المأكولات من مالح وحلو ومرطبات ومثلجات كل تنويع وتجديد ولكن الفاكهة بقيت هى الفاكهة فى كل وقت ومكان . . كذلك حياة المجتمع تتجدد فيها المظاهر ، وتتعقد المشكلات ، ويظهر الراديو والسينما واحدث النظريات السياسية والاقتصادية ، ولكن شيئا فيها يبقى بلا تغييره هو الاحساس بالجمال الفكرى والفنى ، فان بيتا من الشعر هز بدوية فى خيمتها منذ ألف عام قد يهز حسناء اليوم فى خدرها طربا . . واسطورة خيالية شغف بها الاقدمون فى مصر والهند واليونان قد تثير اوربا الحديثة عجبا . . فاكهة الذهن والقلب تبقى دائما نضرة . . ما دامت شجرة الحياة الانسانية باقية باسقة .

اذا تذكرنا ذلك جاز لنا ان ننتظر من صحافة اليوم القيام بمهمة التثقيف العام . لو راعت هذه الاعتبارات عند اعداد الغذاء العقلى للشعب .

الصحيفة المنالية فى نظري مائدة يجب ان تكون حافلة بكل انواع " الفيتامينات " يتناول القارئ منها ، ما يزجى فراغه ، وينمى اطلاعه ويقوى عضلاته المفكرة . اما من تقصر فى واحدة من هؤلاء فهى كالطعام الردىء ، يعطيك شيئا ويمنع عنك اشياء . .

وهذه مجلة " المنتدى " التى تصدر فى القدس ، وهى من ارقى المجلات الادبية

تقرأ فى افتناحية احد اعدادها الاخيرة كلاما رصينا عن التخصص فى الاعمال واخيرا عن التخصص فى الصحافة ، فلا تكاد تنتهى من القراءة حتى تقول فى نفسك : هذا كلام حق ! ولكن هذا ما تقوله المنتدى

* ان فى بلاد الغرب المتمدنة نوعين من التخصص اولهما ان الحلاق يحلق فقط فلا يخلع الاسنان ، وثانيهما ان المتخصص يدأب على ناحية معينة من العمل يتقنها ويبرز فيها فالطبيب مثلا لا يفحص الجسم كله ، بل يتخصص فى امراض الرأس أو الجلد أو الامراض الداخلية أو امراض الاطفال . واننا نلاحظ بأن ناحية التخصص فى الطب بدأت تشيع فى بلادنا . وهذا مما يثلج الفؤاد حقا ! ولكن لتأخذ الصحافة فى الغرب مثلا انك تجد صحافيا قضى سنين طويلة فى احدى الصحف لا عمل له غير كتابة العناوين . كما انك تجد فى كل صحيفة عشرات من المخبرين لدوائر العدلية . والبوليس ومختلف دوائر الحكومة والبرلمان وشئون التعليم والرياضة والاندية والاحزاب وكل واحد من هؤلاء لا يعرف غير اختصاصه وموضوعه ولا يتدخل مطلقا فى شئون زملائه المحررين الآخرين فاذا سألت الصحافى المختص بشئون الزراعة عن اختصاصه وجدت عنده ما يدهشك من المعلومات المدخرة القائمة على اساس الارقام والصور والتقارير المستقاة من اوثق المصادر

فلقد ذهب امس الدابر وذهب معه ذلك الصحافى الغلبان . الذى كان يكتب المقال الافتتاحى ، والاخبار المحلية ، والعليقات السياسية ، ويصحح البروفات . . وفى آخر النهار يكتب عناوين المشتركين ويلصق الطوابع على الجريدة . . ثم يغتنم فرصة تعطيل بسبب عبد دينى أو قومى ليتجول فى انحاء البلاد ، ويجمع الاشتراكات .

وما يقل عن الصحافة والطب والصناعات الشهيرة يقال عن غيرها من الامور التافهة التى قد تبدو لنا حقيرة وهي فى الحقيقة غير ذلك . . "

اشترك في نشرتنا البريدية