الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

بين الوليد بن عبد الملك وجوستنيان الثاني، (مثال من الدبلوماسية العربية)

Share

تذكر المصادر التاريخية ان الوليد بن عبد الملك طلب من امبراطور الروم معونته لا تمام مسجد المدينة .

وهذا الخبر جدير بالتأمل والبحث . لان طلب المعونة معناه قيام علاقات ودية بين الامويين والبزنطيين عامة ، وبين الوليد وامبراطور الروم يومئذ خاصة .

فى حين ان العلاقات الدبلوماسية بين بيزنطة والامويين لم تكن ودية قط . فالغزوات العربية فى أرض الروم لم تنقطع طوال العهد الاموى ، وكانت يزنطة تتدخل فى شؤون الدولة الاموية الداخلية فتثير الفتن وتدفع العناصر غير العربية او غير المسلمة الى العصيان . وقد اجبرت هذه الفتن عبد الملك ابن مروان على توقيع معاهدة مع البزنطيين قبل فيها شروطا مهينة ، ثم ما لبث ان نقضها . فلما ولى الوليد كانت الدولة الاموية قد ثبتت واستقرت وامتدت واتسعت أما بزنطة فكانت الفوضى فيها قد بدأت وانتشرت وعاصر الوليد فى حكمه الذى امتد من سنة 705 الى سنة 715 ثلاثة من ملوك الروم ، كان اولهم جوستيان الثاني ( 705 - 711 ) الذى اهتم بالانتقام من اعدائه وخصومه فخربت بزنطة بسبب ذلك ، وخلفه فيليبقوس ولم يكن اهلا للملك وسرعان ما قتل سنة 713 م . وكان ثالثهم انستاس ولم يكن احسن من سابقيه فأراد الوليد أن يستفيد من الفوضى التى عمت بلاد الروم فتابع الغزو مقلدا أباه . فكان يرسل الغزوة تلو الغزوة على رأسها أخوه مسلمة أو ابناؤه عبد العزيز ، والعباس ، وبشر . واخبار هذه الغزوات مفصلة فى كتب التاريخ

واذن فان العلاقات فى زمن الوليد بين الامويين والبزنطيين لم تكن ودية ايضا .

ففى عهد كهذا تزعم المصادر ان الوليد ارسل سنة 78 ه - 706 م او سنة 88 ه - 707 م سفارة الى ملك الروم يطلب منه ان يعينه فى عمارة مسجد النبى وان ملك الروم لبى طلبه

فهل يمكن اعتبار خبر هذه السفارة صحيحا ؟ وهل لبى ملك الروم - وكان جوستيان الثاني - طلب الوليد ؟

لنستعرض اقوال المؤرخين الذين رووا هذا الخبر

ان اقدم المؤرخين الذين تكلموا عن بناء مسجد المدينة هو البلاذرى (179 ه) وهو يذكر ان الوليد ارسل الى عمر بن عبد العزيز عامله على المدينة " ثمانين صانعا من الروم والقبط من اهل الشام " ولا يذكر امر معونة ملك الروم ، مع انه اقدم المؤرخين واقربهم من العصر الاموى

ثم ياتى الواقدى ( 204 ه) فيروى خبر معونة ملك الروم وينقل عنه اليعقوبى ( 284 ه) وغيره . ويبدأ الاختلاف فى تقدير المعونة وشكلها وعدد الصناع الذين ارسلهم ملك الروم . فاليعقوبى يقول نقلا عن الواقدى ، ان الوليد ارسل الى ملك الروم يخبره بهدمه مسجد الرسول ويطلب معونته فارسل اليه مائة الف مثقال ذهب ومائة عامل واربعين وقرا فسيفساء فبعث الوليد بذلك الى عمر بن عبد العزيز

ويروى الطبرى (310) فى حوادث سنة 88 ه ان ملك الروم ارسل الى مائة الف مثقال ومائة عامل من الفسيفساء اربعين حملا فهو اذن يورد الخبر كما رواه اليعقوبى عن الواقدى لا يبدل فيه الا كلمة " وقر " فيجعلها " حملا "

وفى القرن الخامس يذكر صاحب الذخائر والتحف وقد عاش ايام الفاطميين ان ملك الروم أهدى مائة مثقال ذهبا وأربعين وقرا فسيفساء ، والف عام بعثهم اليه .

وهكذا ارتفع عدد العمال من مائة الى الف .

وفى القرن السابع يذكر ياقوت الحموى (626)  ان ملك الروم ارسل اربعين رجلا من الروم واربعين رجلا من القبط ، واربعين الف مثقال من الذهب

هنا نقص عدد الرجال ، وارتفع وزن المثاقيل .

وفى القرن التاسع يحافظ المقريزى على الرواية السابقة ولكنه يقول " واربعين الف مثقال ذهب وفسيفساء "

فهذه الاخبار كلها ، التى كان الواقدى اول من ذكرها تؤيد طلب الوليد المعونة لمسجد الرسول ، وتختلف فى تحديد مقدار الهدية وعدد العمال

ولكن هناك اختلافا جديدا مهما يظهر فى القرن السادس . فابن عساكر يروى ان الوليد طلب المعونة لمسجد دمشق سنة 87 ه لا لمسجد المدينة . قال " لما اراد الوليد بن عبد الملك بناء مسجد دمشق احتاج الى صناع كثيرة فكتب الى الطاغية ان وجه الى بمائتى صانع من صناع الروم ، فانى اريد ان ابنى مسجدا لم يبن فى مصر قبل ولا يكون بعدى مثله ... "

وهكذا بدأت مع ابن عساكر رواية جديدة نجدها تنقل فى كتب المؤرخين الذين اتوا بعده . والى جانب اختلاف المسجد ، ظهر اختلاف فى عدد الصناع فجعلهم ابن جبير اثنى عشر ألفا وتبعه الذهبى فى ذلك . ولكنه ذكر فى تاريخ الاسلام أن الوليد أتى بهم من جميع الاقطار ولم يخص بزنطة وحدها .

ان اختلاف المؤرخين فى كون المعونة لمسجد النبى او لمسجد دمشق واختلافهم فى تحديد الهدية وانواعها - يبعث على الشك فى هذه المعونة

فطلب المعونة من المال والرجال يوجب وجود علاقات ودية بين الدولتين وقد راينا ان العلاقات كانت عدائية .

وطلب المعونة يشعر بحاجة الوليد اليها ، اى بحاجته الى المال والفسيفساء فى حين ان الوليد لم يكن اثناء بناء الجامع بحاجة الى المال فالمصادر تذكر ان بيت المال كان عامرا ، وكان فيه ما يكفى عطايا الناس عدة سنين

اما فصوص الفسيفساء فقد كانت تصل الى دمشق مع الغزاة ، كان الخليفة يفرض على كل رجل ان يحمل من ارض الروم قفيزا من الفسيفساء وذراعا فى ذراع من رخام ينقل ذلك الى حلب ومن حلب يحمل الى دمشق

واذا عرفنا ان الغزوات كانت متتابعة وان الغزاة كانوا كثيرين ادركنا مقدار ما كان لدى الوليد من الفسيفساء ومن الرخام

بقى الصناع الذين يرصعون الفسيفساء فهل اتى بهم الوليد من بزنطة لقد كان فى الشام كنائس كثيرة فيها الفسيفساء البديعة . كانت في القمامة واللد والرها ، ومعنى ذلك انه كان فى البلاد صناع محلليون من النصارى حذقوا ترصيع الفسيفساء وزوقوا كنائسهم بها . فلا بعقل ان يطلب الوليد العمال من بزنطة ولديه ، تحت سلطانه صناع النصارى ولقد سخر بخارى النصارى فى بناء المسجد فليس ما ينفى تسخيره البنائين والمرصعين منهم وقد راينا ان البلاذرى يذكر ان العمال الذين ارسلهم الوليد كانوا من الروم والاقباط اى نصارى الشام ونصارى مصر

لذلك كله يجب ابعاد الواقدى ، بشأن المعونة لمسجد المدينة ورواية ابن عساكر بشان مسجد دمشق . واستبعاد ارسال السفارة من دمشق الى القسطنطينية لطلب المعونة

فالعلاقات بين العرب وبزنطة كانت عدائية ، ولم يكن هناك اسباب تدفع الى ارسالها

اشترك في نشرتنا البريدية