الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

بين "كوكتال 1" الهمامي "واستراحة 2" الزناد

Share

ما نفع الشعر ؟ ربما يكون هذا السؤال ساذجا . غير ان تساؤل الادباء والنقاد والفلاسفة على مر العصور يدلنا على جدية الموضوع واهمية السؤال ولعل افلاطون اقدم تدرس لذات الفن ولا يعتبر خطأ الشاعر خطأ فى ذات العلم لان مجال الشعر لانهم حسب زعمه - يشحنون العقول بالاوهام والاساطير وهذا يخالف جدية ( المدينة المثالية ) . لكن تلميذه أرسطو فند قوله : ان الشعر ظاهرة فنية ندرس لذات الغد ولا يعتبر خطأ الشاعر خطأ فى ذات العلم لان مجال الشعر بعيد عن العلم . والحقيقة التى تجاهلها افلاطون ستبقى اخلد واهم لان الشعر هو التعبير الاحدى والاشمل عن كنه الحياة وحقيقتها . والشعر اذا كان هناك خلود فهو سر هذا الخلود . ونحن ما زلنا نقيم شخصية سيف الدولة ذلك الفتى العربى الشهم فى زمن تراجع فيه المد العربى وتقاسم الملك شراذم من العجم والعبيد والمماليك . وربما كان هناك آلاف سيف دولة غير انهم لم عاصروا متنبيا واحدا ... وزيادة عن الخلود فان الشعر هو الفن الاقدر على تحريك عواطفنا وتنمية احساسنا الجمالى وصقل ادراكنا الذوقى ... وقد احس الجاهليون هذا الاحساس بالجمال والروعة فى القرآن فاتهموه بالشعر لادراكهم ان الشعر اكبر مسيطر على النفوس .

والشاعر مكتشف عظيم فى دنيا المجاهل والاهواء النفسية ... ووسيلة الخيال الواعي . ومن هنا يفترق الشاعر عن الشخص العادي . فتركيب العقول واحد ولكن الامزجة تختلف . وقد امتاز الشاعر عن غيره بالخيال فبواسطته يجسم لنا الجمال الذى قد نمر بجانبه ولا ننتبه اليه وحتى اذا انتبهنا قد لا نستطيع التعبير عنه واعادة خلقه من جديد .

كانت هاته الإفكار تعج فى رأسى وأمامي ( كوكتال ) الطاهر الهمامى المنشور فى العدد الثاني من ( الفكر ) . هذا ( الكوكتال ) الغريب الذي ذكرنى بقصة الانسان الصفر التى نشرت بهاته المجلة ... واذا اختلف الموضوع فطريقة العرض واحدة وهدفها واحد اذ ترمي الى نعت الادب الحديث بالجمود والضعف وهي بالتالي حجة مجانية للناقمين والحاقدين على التجديد الادب والتجديد ليس حلمة صيف او وثبة حاجز . بل هو اعمق واوعى من هذا اذا اردنا له البقاء والخلود . وكم من افكار جيدة حملت كفنها فى الارتجال . والتجديد لا بد له من خطوات ثابتة قوية ليقوى على مصارعة الاحداث وتحمل الشدائد . وحتى من يشترى سيارة عصرية لا بد ان يمر بوسائل النقل البدائية والدراجات ثم الاصناف المتواضعة من السيارات الى ان يصل الى الطراز الرفيع ... اما إذا كانت القفزة من الحمار الى ( الشفرلى ) مثلا فلن يعرف قيمة السيارة وبالتالى لن يحافظ عليها بل ربما يسئ الى الحضارة من حيث لا يدرى ... ولنا فى امراء النفط مثال حى . الذى اريد ان اقوله ان الجديد طريقه القديم ... واذا قفزنا الى التجديد من غير ان نمر بالقديم نكون قد حملنا سفاحا وولدنا فئرانا ... لا أدبا جديرا بالاشعاع والخلود ... فالتسلسل المنطقي له قيمته ... اما القفز فوق الحواجز فكثيرا ما يدق عنق صاحبه .

لن أطبق المقاييس الشعرية المتعارفة على قصيد الهمامى لانه تجاهل كل المقاييس . ولان المقاييس صارت كليشيات وأطرا فارغة فى نظر جماعة ( غير العمودى والحر ) .

وقد رأينا هذا الصنف يقوم فى الشرق وتتزعمه مجلة ( حوار ) ومجلة ( شعر ) اللتين أغرتا اقزام الشعراء بيسر النشر فتجمع حولهما انماط المهرجين وكانتا تريدان غزو العالم العربي بهذا الجيش من المرتزقة علهما تكسبان سبق التجديد او بالاجرى سبق الرواج غير ان هاته الدعوة ذهبت سدى بعد ان تحطمت على صخرة الواقع ... وانهزم المرتزقة الى الظل ...

ومع انهزامهم يمكن ان اسجل بامانة ان الانماط التى جاؤوا بها امتازت عن انماطنا بالتلوين الصورى والاناقة اللفظية ودقة التعبير بل ظهر فى الكثير منها تحانس التفعيلة ... وسموه بالاسم المنطقى الصحيح فقالوا عن الجنس شعرا منثورا والقصيدة : قصيدة نثرية .

ولنعد الى الاخ الطاهر الهمامى فقد استهل قصيدته " بشكوى الى العروى : تحياتي سيدى ... وبعد فان قطار القلعة الجرداء :

عربة هرمة ... هرمة سوداء ... سوداء وسخة ... وسخة سوداء ولست أدرى لم هذا التلاعب الساذج بالالفاظ . والتكرار للتأكيد والتلوين الموسيقى فهل يجنح " الهمامى " الى ايقاع موسيقى - استغفر الله - فهو برئ من هاته التهمة انها شبح الماضى المخيف ... هاته الموسيقى الشعرية خليلية وجماعة " غير العمودى والحر " اغتالوا الخليل ... انها قيد وهاته الجماعة نكره القيود ولو كانت من ذهب .

وأنا أحاول أن أسأل السيد الهمامى : ماذا يريد بالضبط ولماذا يصر على تسمية هذا النمط بالشعر ؟ لماذا لا يكون بدعة جديدة ليست بشعر ولا نثر وهل افلس قاموسكم من الاسماء .

ان ابسط ما يراعيه الشاعر محاولة ادخال القارىء الى عالمه المجهول ذلك العالم الروحانى ذى الضباب المتكاثف والاوردة الحمراء ، ان الشاعر نبى كل عصر بل نبى العصور كلها الذي يحمل معجزاته فى شعوره لهذا توهم الناس انه ينطق بالغيب وان له شيطانا وليس به مس ولا شيطان ... انها حاسة فنية تحاول ارتياد المجاهل وكشف الغيوب ... وعالم الشاعر لهذا عالم مجهول بناء بالتجربة الصادقة والاحساس الفني الجاد ونحن قد لا نصل الى مستوى التجربة الشعرية للشاعر ولكننا نشعر بخدر رقيق ودغدغة محببة تسرى فى أوصالنا عند سماع القصيدة أو قراءتها ... وهذا هو الجواز الذي منحه لنا الشاعر لدخول عالمه المجهول وبقدر ما نعيد القصيدة الجيدة مرة ومرات بقدر ما تتكشف لنا هاته الغلالات الوردية وترينا عالما - من الجمال والسحر - كان مستورا .

والشاعر ادرك سره حكماء اليونان فقالوا : ( جالس في عربة فخمه يجرها جوادان قويان هما الشعور والمخيلة يسيرهما حوذى حكيم هو العقل ) اذا فلا بد من الشعور والخيال ... والشعور هو الاحساس المرهف ومحاولة تجسيد

الأشياء بالخيال المحبب غير المسرف وهذا ما سماه اجدادنا الكذب الشعرى فقالوا : ( أعذب الشعر أكذبه ) ... ولكى تتوفر للشاعر التجربة الصادقة لا بد من حارس او سائس للخيال والشعور .. وهل احسن من العقل لسوس هذا العالم الزاهى ولولا العقل لكان شعر الشاعر ضربا من الهذر .

ترى لو طبقنا العقل على ( كوكتال ) الطاهر الهمامى الى أين سنصل ؟ أو بالاحرى لنفتش عن عقل ( الهمامى ) من خلال القصيد انه :

( دجاج ينهق . . . وأرانب تقوق . . . وبعضنا مصلوب وبعضنا مشنوق ) و . . . كلبة جرباء . . أمالا لا .

شئ مدهش ! هذا اعجاز يا سيدى الطاهر بهذا المنهج العميق الواعى سوف نصل الى العالمية . . . أنا أشك أنك قلت هذا الكلام وأنت بكامل قواك العقلية يا ناس نريد ادبا بناء لاهراء وتلفيقا نريد نقادا يحرسون نهضتنا الأدبية ويمهدون لها الدرب لا دعاة يشوهون حضارتنا ويسيئون الى سمعتنا .

وكانى بالطاهر الهمامى احس بان ما قاله لا يقال نثرا فكيف به شعرا وتذكر الشعراء فجأة بعد ان حسبهم فى عداد الموتى وان الجو خلا له :

باعة الكلام الابيض

ما زالت قلوبهم تنبض

وما زالوا يعيشون .. وقد حسبناهم ماتوا وتابوا ...

اطمئن يا أخي فان الشعراء الحقيقيين ماتوا وكيف لا يموت ألف مرة من يقرأ قصيدتك .. توارى الشعراء لانهم لم يجدوا مكانا هادئا فى قلوبنا يزرعون فيه زهورهم البيضاء فقد نبت العوسج والسدر فى هاته القلوب وتبلدت اذهاننا .. نعم تبلدت اذهاننا من تجار الكلام ( غير الابيض ) الذى سودت به الصفحات على حساب الشعب مسخت سوق عكاظ فصار كلامها اسود بعد البياض وهداما بعد البناء وفي مقطع ( قافلة تسير ) يقول الهمامى :

تصفيق فيق . . . سبر الاراء . وتعود الاغنية ونفس المغني يعود . . . حتى اقلق وتقلق ... أجل لماذا لا تقلق ويقلق سامعك الذي ستدخله الى عالمك الشعرى

الشفاف ... ثم يحشر السيد الهمامى مجموعة من العلامات ... علامات استفهام وعلامات جمع وطرح وارقام سبعة وثمانية ومعه يسقط الرقم لماذا تسقط هذا الرقم وقد سد لك فراغا عجزت عن سده ؟

قطار القلعة الجرداء ... ينهق نهيق ويعوى عواء . وقد تكون فى النومة الحلوة ما بين يقظة واغفاء ...

رحم الله قس بن ساعدة فقد مات خطيبا ولو قدر له ان يبعث لرأى خطبته - من عاش مات ومن مات فات - اعظم قصيدة وصلت اليها اذهان ابناء القرن العشرين بل لوجد لفظة أكثر عمقا وشمولا .

ثم يصل السيد الهمامى الى اللعبة الكبرى تحت عنوان ( فراغ يملؤه القارئ ) لا شك انه يريد نكتا ومزاحا وكانه أحس بسأم القارئ فرفه عنه وهذا الفراغ وافرد له زاوية للكلمات المتقاطعة ... ليسليه ... وليس من عجب في هذا وقد كان الجاحظ يسلى قراءه بالاستطراد وهل الجاحظ ارفع شأننا أو أشفق على القراء من السيد الهمامى ولربما اخذ اغلب القراء إقلامهم وكتبوا في الفراغ الذي طلب منهم تعميره : ( هنا يرقد المرحوم : الشعر العربى رقدة الاطمئنان والابد بعد ان اغتاله ابناؤه خشيه مشاركتهم الزاد . . . )

ولعل مسك الختام عند الشاعر ( الزق والبول ... ) نعم بلغت شفافية الزق والبول المرتبة الشعرية التى تقود القارىء الى عالم الشاعر ... انا أكره عالمك هذا :

تركب اليوم قطار القلعة الجرداء . لتزق عليك دجاجة . داجة رمداء .

من الجاك الى الشعر يا سيدى الهمامى كان يمكن ان تكتب مقالا فى احدى الصحف عن قطارك هذا وبالفاظك التى اخترتها لكن لا تسمه شعرا حتى لا تسئ إلى غيرك من الشعراء الجادين المخلصين . . . واذا كانت قصيدتك سريالية فعقول التونسيين ما زالت بعيدة عن الادب السريالى ... لنا مشاكلنا الكثيرة التى تحتاج الى حلول سريعة وجذرية والسريالية أدب المترفين ونحن لا نملك سد الرمق .

بالله يا أخي لا تتعب اذهان القراء بهذا الكلام . . . وللقارىء عليك حق إذا كنت تكتب له اما اذا كانت كتابتك لنفسك فاحتفظ بها . . انها سر والسر اذا ما جاوز صاحبه ذاع ونحن لا نريد لهذه الاسرار الذيوع ان قصيدة من هذا النوع تمثل فى نظري تحديا كبيرا لمقدرات الشعر والشعراء وهى بالتالي اكبر اتهام لذوق القراء وضحك على ذقونهم وخاصة اذا نشر فى اكبر مجلاتنا واقدمها فالعالم الخارجى لا يعرفنا الا من خلال ( الفكر ) فحافظوا عن سمعتنا الادبية غفر الله لكم واظن ان جماعة ( غير العمودى والحر ) ابتلاهم الله بعقدة : خالف تعرف ... لكن التعريف بالشخصية ليس على حساب الادب لان أدب كل أمة يمثل نضجها فهل نضجنا في مالا لا ... وقافلة تسير . . . وزق الدجاج ... وبول الحضارة ، ولربما نحن الآن فى حاجة الى محطة بعد هذا الشوط الطويل مع السيد الهمامى لنراجع مأساة الشعب عندنا . . . ولنترحم على اللغة العربية وقد ترحم عليها حافظ ابراهيم قبلنا :

رمونى بعقم فى الشباب وليتنى       عقمت فلم اجزع لقول عداتى

ولدت ولما لم أجد لعرائسى          رجالا واكفاء وأدت بناتى

اذا فقد وأدت العربية بناتها عندما لم تجد لهن رجالا هكذا قال حافظ لكن الحبيب الزناد ينفى هذا الزعم ويقول لا . . . هناك رجال فاجلس معى فى فترة استراحتى لاريك الرجال او بالاحرى لاسمعك قول رجال اللغة العربية :

مثلما ترى كلبا مكلوب . . . او دجاجة جرباء جائعة .

كان منبطحا أمام عين الشمس ... تأكله أكلا بطيئا .

قد يتوهم القارىء ان السيدين الهمامى والزناد رغبا فى انشاء حديقة حيوانات ... وقد منحتهما ( الفكر ) قطعة بيضاء على صفحاتها فأقاما هذا المعرض المسلى ... لكن على حساب القراء فهم الذين يدفعون ثمن التهريج ... ويشاهدون الدجاجة الجرباء والكلب المكلوب ... والارانب التى تقوق والصنف الجديد من الدجاج الناهق لا شك ان هاته الحيوانات العجيبة استوردت من مجاهل افريقيا ... ولربما احتاج المتفرج الى الاستعانة ببيطرى ليشرح له جرب الدجاج وكلب الكلب .

ويستمر السيد الزناد فى فترة استراحته فيطلب منا ان نكون كيميائيين فشخصه المنبطح :

يقطر فى فمه المثقوب ......

اكسير الدهشة الصفراء     كبريت الياس

هل صرنا في مخبر ؟ علم ذلك عند السيد الزناد .

وانا لا أنكر ان صور السيد الزناد كانت موحية شفافة - على عكس الهمامى - لكن القالب الذي وضعت فيه هذه الصور يسمى نثرا ونحن دائما نسمى الاشياء بمسمياتها حتى لا يركبنا الغرور ونعيش فى غيبوبة من احلام اليقظة ...

فى نظري ان هاته النماذج نكسة خطيرة ومنعطف قاتل فى مسيرة نهضتنا الادبية بعد ان حمل روادنا لواءها امثال : نور الدين صمود وقاسم والميدانى وزبيدة وماجد . . . وقد تعجبت لتقهقر هؤلاء الرواد وتقدم اولئك المتشاعرين . . . حتى توهمت ان معركة بيضاء وقعت اغتصبت فيها العروش فصار زمامنا بايد غير أمينة . . . واصبحنا فى مسرح فسيح وعلى الخشبة ممثلون لا شعراء ومهرجون لانقاد وحواة لا انبياء .

انه لوضع مؤسف ان يصير الادب عندنا - وهو قلب الامة النابض - ينزف دما ويموت كمدا والمتفرجون يشاهدون الاحداث بفتور كان الامر لا يعنيهم وكان الادب مقصور على الطبقات . . . ان الادب للشعب والشعب الذي يدفع الثمن يطالب بالادب البناء لا الهدام والافكار الهادفة لا التالفة .

اشترك في نشرتنا البريدية