كثير من الكتاب والمفكرين - الذين انتجوا أدبا - واستطاع ذلك الادب ان بعمر عبر الزمن - يلتقون بأفكارهم حول نقط مشتركة ، فيقفون منها مواقف كثرا ما تتقارب وتتحد رغم بعد المسافة المكانية وحتى الزمانية أحيانا ، ورغم اختلاف الظروف والبئات التى عاشها هذا ومر بها ذاك .
واذا كان الادب لا يعدو ان يكون خلاصة تجارب عاشتها ولا تزال تعيشها الانسانية ، فهل يصح ان نقول أن نعيمة و " ملار " قد عاشا نفس التجربه وهزتهما نفس العواطف ، فعاشا نفس الازمة النفسية والحيرة الذهنية اللتين ولدتا لدى كليهما تارة تساؤلا حائرا ، وطورا سخطا ناقما ؟
ثم ان كلا من الحيرة والسخط كانا دوما قائمين على النظرة المشتركة الى الانسان ، أو قل الى حضارة الانسان ، ثم الى حظه من الانسانية أمس واليوم أو الانسان وعلاقته بالطبيعة والكون
لقد شقي كل من نعيمه و " ملار " بواقع الانسانية المر ، وضاقا بالحضارة ذرعا ، فدعا كلاهما الى رجوع للأصل ، الى امتزاج بالكون واندماج فى الطبيعة ، وافلات من جاذبية المادة والغرائز
لعل أول نقطة يلتقي عندها الكاتبان هى سخطهما على افلاس الجانب الروحى وقيام الجانب المادى قويا عاتيا .
فالكاتب الامريكي " ملار " يرى ان حضارة هذا القرن هى حضارة الجفاف الروحى أو حضارة اللاديين . وهو يظهر تعطشا كبيرا الى الرجوع لتلك الحياة البسيطة التى عرفها الانسان قديما ، الحياة الغنية بمقدساتها ومبادئها ومثلها ان انسان اليوم فقد انسانيته لانه فقد مثله ومقدساته ، ومضى يبنى ما يسميه
حضارة فى حمية جنونية ، تيبس شعوره وتقوى فيه البهيمية ، فاضحى كالاعمى ، تعوزه الحساسية وتنقصه العاطفة والشعور والذوق
واذا فحتى يسترجع الانسان ما افقدته المادة من مقومات الانسانية المرتكزة على الضمير والوجدان والنفس التى تعتبر وعاء جامعا لكل القيم والمثل والمبادىء ، فانه يجب الرجوع الى التدين أو على الأقل الى امتلاك شعور ديني . فلقد كان التدين ولا يزال المنبع الأصلى لكل القيم الروحية ، بل هو المنجم الزاخر بالمقدسات الكفيلة بأن تسمو بالانسان مما تردى فيه من هوة المادة السحيقة . وهكذا فمن رأى ملار " ان الرجوع الى المقدسات أمر حتمي لسد الفراغ الروحى فى نفس انسان هذا القرن . ان الحضارة التى نعيشها استمدت اسسها ودعائمها من مواد غير الدين ، فضل الانسان فى متاهات المادة وأقام صروحا من الاسمنت والفولاذ ، اقامها على انقاض صرحه الروحى المتهدم . على ان دعوة " ملار " الى التدين لا تقوم على تعلق بالدين بقدر ما تهدف الى خلق نفوس تدين بالمبادئ والمثل وتترفع عن الضعة المادية
وقد يبدو لنا ان تعلق(ملار) بالمقدسات أو دعوته اليها أمر يرمى الى خلق أجواء أو طقوس مفعمة بالهدوء ، ترتاح النفس فى ظلالها وتعمها الدعة والسكينة ، وتسمو على الحضارة الجهنمية بجنونها وحركيتها المحمومة .
وهكذا فان (ملار)ما هو الا رد فعل ، أو هو وقوف ضد تيار الحضارة القوى الجارف ، وان شئنا فهو فرار ، وكل فرار يتطلب ملتجأ ومهربا ومعتنقا حديدا بحل محل المادة التى أصبح الانسان يدين بها .
لا اخال ملار " الا ذلك الرجل الذي أصم أذنيه دوى الآلة حتى ضاق بها ، ففر من وجهها ملتجئا الى هدوء المعابد ينعم بسلامها وطهارتها . يقول " ملار " ان " دوستويفسكى " قد لخص وضعية العالم المتحضر احسن بكثير مما فعله دانتى بالنسبة للقرون الوسطى . ان ما عرف بالعصور المتحضرة " ما هو الا مرحلة انتقالية أمكن للانسان فيها ان يتعود على موت الروح . اننا أصبحنا نعيش نوعا من الحياة بهيميا متوحشا . فالآمال والمعتقدات والمبادئ وكل ما. امنا به مما يشد حضارتنا ويجعلها متماسكة انهار اليوم ولا شئ يمكن أن يبعثه من جديد . تلك هى حقيقة عصرنا الحاضر . . . . لا اننا سنعيش ابتداء من الآن ولمدة اجيال بالفكر فقط ، الشئ الذى يعنى تحطيما ، تحطيما ذاتيا " (1) .
وبذلك يبدو التشاؤم بينا فى أدب " ملار " ؛ فهو لا يعيش مجرد حيرة فقط ، وهو لا يعاني مجرد ضيق أمام أجواء مخنقة ، فيدعو الى اعتزالها والدخول فى عوالم روحية طاهرة ، وانما ضيقة يقوم على يأس ، وحيرته تنم عن خيبة قد ولدت في نفسه انهيارا واستسلاما . وما دعوته الا صيحة فزع أو صرخة ستغاثة اشبه بصراخ من اشرف على التلف ، ورأى الهلاك أقرب اليه من حبل الوريد .
ذلك هو( ملار)؛ برم بما ولدته الحضارة ، محتار أمام عقدها ومعضلاتها ، ثم يائس من استرجاع ذلك الرصيد الروحى الذى تخلى عنه الانسان فى غير حسرة ولا اكتراث .
واذا فأين نعيمه من ملار ؟ . . . ان الحضارة زيف ، والعلوم دياجير فى نظر نعيمه . وهذا العصر يمتاز بأنه عصر الظلمة ، وقد ظنه البسطاء عصر النور ؛ هو للظلمة أقرب لانه حوى من الويلات اشدها وأمرها . والانسان ميال الى اكتشاف العالم السماوى فى حين لا يزال يعيش من عالمه فى ظلمة ومن نفسه فى حلكة . وهل كشفت العلوم للانسان شيئا سوى حقارته وصغره ووضعته أمام غروره وضعفه ؟ . . ألا يجدر بالانسان أن ينكب على نفسه لينير جوانبها ويحارب فيها البهيمية والوحشية وينمى حظها من الوجدان والعقل والشعور ؟ . .
وبهذا تكون الدوافع الى النقمة والحيرة على هذا العصر الآلي واحدة أو مشتركة بين الكاتبين . أهمها انغماس الانسان فى ظلام المادة حتى أصبح يتلمس طريقه فى غمرة العتمة فيدوس أخاه الانسان ويرميه بالعذاب والموت ونعيمه لا يختلف كثيرا فى اتجاهه عن الكاتب الامريكى ، ومظاهر الطهر والمقدسات والطقوس والعبادة التى كان " ملار " يحن اليها هى عنده اندماج الانسان فى صلب الكون ، أى اندماجه فى الله . . . وهنا يلتقى الكاتبان ليتفقا حول الملجا أو المهرب
وهل هو مهرب ديني روحانى ما ورائى ؟ . . لا شك فى أنه متنفس ديني . الا ان " هنرى ملار " لا يوضح اتجاها دينيا أو حنينا روحانيا بقدر ما كان يلتمس العبادة لما تنطوى عليه من راحة نفسية وطهر مبعد عن رجس المادة . . غير ان اتجاه نعيمة لا يقف عند حد التماس المتنفس أو المهرب من الدين أو فى الدين ، بل يتعداه الى بناء هيكل روحي قوى ، وصرح وجدانى لا يدخله الفساد ولا يصيبه الهدم ، بعيد عن الغرائز البهيمية التى تعوق الانسان عن
الوصول الى غايته من ادراك القوة المطلقة ، والحرية الازلية (2). تلك هى الدعائم الاساسية المحركة للانسان لتخرجه من حقارته وضعفه
ولئن التقى الكاتبان الى حد ما فى رفضهما للمدنية الحديثة ودعوتهما الى اثراء الروح والوجدان فانهما يختلفان فى نزعتهما التشاؤمية . " فملار متشائم فى استسلام ، ينعى على الانسانية واقعها ومصيرها المظلمين ، ولا يرى لها مخرجا الا في الرجوع الى روحانيات غير دينية المعالم . وبذلك تظهر على تشاؤه نزعة يائسة ، حالكة ، لانه لا يرى فى ليل الانسانية أى بصيص من نور ، على حين ان نعيمة يرى الدياجير متكاثفة ، ولكنه سرعان ما يعشى أبصارنا بالانوار التى يفجرها فى النفس بعد ان يضع السبل الموصلة الى نطهيرها والسمو بها عن البهيمية والوحشية . وهكذا يمكننا ان نجسم ما قيل فى أن الملجأ الذى ارتاه كل من الكاتبين للانسانية يختلف فى مظهره لا فى جوهره فهو عند " ملار " ضيق ، معتم ، غامض : وهو لدى نعيمه شاسع ، مستنير بعيد المدى ، مقياسه الاطلاق ، وزمانه الابدية . وبناء على ذلك يكون تشاؤم " ملار " باكيا وتشاؤم نعيمه باسما مشرقا .
ولو أردنا أن نتعمق فى أغوار هذين الاتجاهين المتباينين فى الظاهر لبدا لنا ان " هنرى ملار " يدين بالثورة أكثر من الدين نفسه . وذلك يبدو خاصة في اتجاهه الثورى الناقم ، لا على الحضارة بجحيمها واتونها المادى المستعر وشهواتها ومفاسدها فحسب ، وانما على وضع هو وضعه .
فمن جوانب ثورته انه يجهل حتى هدفه فى الحياة ، وينقم على حظه منها ، وعلى ما اتاحت له من سبل العيش . انها ثورة الانسان على المجتمع ، وثورته على الحياة لانه رأى نفسه مكبلا وقد آمن بحريته ، ورأى التيار يعاكس اتجاهه وقد وطن العزم على ادراك منبع السيل الجارف . آمن " ملار " بطاقته كفرد وخانه ظنه اذ زين له انه المتصرف فى حظوظه ، والموجه الوحيد لسفينته عبر محيط الحياة ، فاصيب بخيبة أمل ، وساء ظنه أكثر في الحياة وفي مصير الانسان وحتى فى طموحه وطاقته الخلاقة
وهذا " ملار " يقول على لسان زوجته : " انى حينما استمع اليك أحيانا اشعر بأن لك رغبة فى ان تحيا ألف حياة فى وقت واحد ، وانك دوما لا تشعر بالرضي لان هذا الوجود أصابك بخيبة أمل مثلما أصابك شخصك وكل شئ فى الحياة انك لمغولى تنتسب الى سباسب اسيا الوسطى " (1).
وما تلك الثورة الا نتيحة حتمية لصدمة ضد تيار الحياة ، ذلك التيار الذي لم يقاومه نعيمه إذ كان على بينة منه ومن مأتاه ومرماه . لقد ثار نعيمة على ذلك التيار ثورة متفائلة باسمة لانه قبل كل شىء رجل دين وتدينه منطبع فى نفسه واعماق كيانه ، فقد تلقاه فى شتى المدارس الارتدوكسية " ما بين لبنان والاتحاد السوفياتى منذ نعومة أظفاره
ثم انه لم يصطدم لانه امن بأن الانسان ما هو الا جسم يدور ضمن فلك ، شأنه فى ذلك شأن الكرة الارضية وبقية الكواكب . ان الانسان فى نظر نعيمة يطمح الى الحرية المطلقة ولكنه ليس حرا ؛ قد يوهم نفسه فيقنعها بأنه بتنفس الحرية ، وما حريته فى الحقيقة الا مجرد استبدال لنوعية القيود وللون الاستعباد . وما دام الانسان يتحرك قسر ارادته ضمن الحركة العامة لهذا الكون ، وان كل حركة يصدرها ما هي الا تجاوب حتمى ولازم لحركة كبرى هو جزء لا يتجزأ منها ، فان عليه ان ينقاد ويرضى فى طواعية واستخدام بما يجرى عليه ضمن المجموعة من غير أن يثور او ينقم أو يسخط ل " أن المقاومة عاقبتها الخبية والألم . والمطاوعة نتيجتها النجاح والانشراح - " ( 2 ) .
ومن اجل ذلك كان نعيمة منشرحا في سخطه ، هادئا فى ثورته ، متفائلا فى نظرته لمستقبل الانسان . فاما أن يصيب السهم مرماه أو يخطئه ، وفي كلتا الحالتين يكون الانسان اما موفقا فى اهدافه أو فاشلا فيها ، تبعا لمسايرته ومعاكسته لها عن وعي أو عن غير وعى : وهل يستطيع أن يسير حياته على هواه الا من كان فى مستطاعه ان يسير الكون على هواه ؟ "(2).
وهكذا فان كلا الكاتبين قد صدمه الواقع ، وكليهما قد ضاق بالواقع المؤلم فالتحأ الى الدين تارة والى الطبيعة طورا ، ملتمسا فى هذا وباحثا فى تلك عما يملأ النفس بما هى فى حاجة شديدة اليه من سكينة وتفتح وصفاء . غير أن * ملار " لم يحد ما يشفى غلته من ذلك الجو القدسي الروحانى فكانت صدمته أشد ، وسخطه أعمق ، وحيرته أكبر . . . . " ففي المحيط الذى أعيش فيه لا يهز مشاعرى ما يصدر عن معاصرى من خلق وابداع . ذلك انى لم اشعر قط بوجود حاجة دينية ملحة ولا برغبة شديدة نحو الجمال فى كل ما يصنعون ليس هناك فن معماري بديع ، ولا رقصات مقدسة ، ولا طقوس دينية مهما يكن اتجاهها .
فالجسور الكبرى وناطحات السحاب العظيمة ، والسدود القوية لم تزدني كلها الا برودة وعدم اكتراث . والطبيعة وحدها قادرة على أن تكسبني شعورا حساسا . ان كل ما نستطيعه هو تشويه الطبيعة... والاسوأ من ذلك اننا لا نجد شيئا يستحق ان نسسجد له أو ننحني أمامه ، لقد كنت وحيدا فى عالم يرقص فيه الناس كالمجانين . ان ما اريده هو العبادة والتقديس . . . ولكن لا وجود لشئ يستحق ان يقدس أو يعبد ، لا وجود الا لصحراء من الاسمنت والفولاذ ،ء من الاسهم والقيم ، من المحاصيل والانتاج ، من المصانع . . . . هي صحراء من القلق ، من أشياء لا تنفع ، من حب تعوزه الحرارة والبهجة ، انها بلا حب (1)
لقد وجد نعيمه الدين والطبيعة حيث التمسهما ، فكان موقفه يختلف عن موقف " ملار " من حيث انه يتصف بالهدوء والرصانة والتفاؤل . لقد وجد الدين كنقنقذ له من عذاب الواقع المر ، ووجد الطبيعة ملجأ يزرع فى الانسان شعورا يقربه من مفهوم الحرية المطلقة التى ينشدها ... . " اجل هي الطبيعية امنا الرؤوم ، منها لحومنا وعظامنا ، ومنها انفاسنا وانباضنا . . . . تبارك من سواها فجعلها لنا كتابا ومدرسة ومعلما . . . . " (2).
نظر كل من نعيمة وملار الى الانسان وواقعه نظرة عارية مجردة عن المنظار الخاطئ المخفى لحقائق الاشياء الذي أصبح كل الناس عبيدا له فى هذا القرن ، فشقى الثاني واستبدت به الحيرة اذ أعوزه الملجأ والمهرب ، ورض الاول اذ لا بد له من الرضى - لانه رأي فى ذلك الواقع مرحلة انتقالية نحو الاهداف المطلقة للانسان .

