الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

تأثير الحركة الوطنية، على تطور التشريع التونسى 11

Share

الفصل الثالث * : تأثير الحركة الوطنية على ظهور التشاريع الاصلاحية

ان الجذوة الوطنية لم تنطف أمام طغيان الحكم المطلق فاتخذت شكل الاصلاح الادارى على يد المصلح خير الدين الذى انصرف عند توليه الوزارة الى تطهير البلاط من العابثين واخذ على عاتقه اصلاح الامور الادارية والقضائية فكون مجالس قضائية تنظر فى مختلف الدعاوى جنائية كانت او مدنية ، وسن لها القوانين : كقانون الفلاحة الذى غير فى عهد الحماية بنص لم يدخل عليه من التحوير الا جزءا بسيطا يلائم حاجة المستعمر الى استغلال اعوان الادارة التونسية فى داخل البلاد لتدعيم سطوة معمرى الارض من الاجانب ، وقانون الاجراءات لدى المحاكم الشرعية التى خصها بالنظر فى الزيجات ، والنفقات والتركات واستحقاق العقار وقانون احداث البلديات (1) .

وخطط برامج عمل وصلاحيات أقسام الوزارة بين وزارة كبرى ووزارة عدل ووزارة تربية ووزارة خارجية - باصطلاحنا الحديث - ونظم طرق الاشراف على معاهد التعليم وخاصة منها جامع الزيتونة ومعهد الصادقية ، كما نظم الجريدة الرسمية وغيرها من المشاريع التى بذل الجهد فى ابرازها ، كما اتخذت الروح الوطنية مظاهر اللوم والتصدى مرة ، والنصح والارشاد اخرى ، لاقناع الباى وسلط الحماية بضرورة الحد من طغيان الحكم الفردى، وتفريض السلط القضائية لهيئات عدلية مختصة ، وتعيين الحقوق الفردية والعامة ضمن مدونات قضائية قارة ، وتخليص احكام المحاكم العدلية من مراقبة الكاتب العام للحكومة ، ومن أهواء السياسة الملكية ، فى الاذن بتنفيذ عرائضها او تعطيل العمل بها ، مما

دفع بالكثير من القضاة الى معارضة توجيهات الكاتب العام للحكومة ، والاصرار على رأيهم فى القضايا المعروضة بين ايديهم ، حتى كتبت جريدة الزهرة عند الاعلان عن وفاة القاضى الشهير محمد ( بالفتح ) بوسن ( مات القاضى الذى كان لا يحكم من وراء حجاب ) لما عرف به من شجاعة واصرار فى مواجهة تحديات ادارة الاشراف الاستعمارية .

وكنتيجة لهذه المساعى الدائمة اضطر الباى الى تفويض سلطته فى التصريح بالاحكام الى مجموعة من المجالس العدلية المنتصبة لفصل النوازل الجنائية والتى أسست بموجب الامر العلى المؤرخ فى 18 مارس 1896 بعد ان اعترف للخصوم فى القضايا المدنية بحق الاطلاع وتسلم النسخ من الاحكام الصادرة فيها وذلك بموجب أمر 27 ديسمبر 1884 - كما أذن بتأليف لجنة لتحرير مشروع مجلة مدنية وتجارية صيغت بنودها المستمدة فى معظم الاحيان من احكام مجموعة قوانين عهد الامان ضمن لائحة طبعت سنة 1899 لم يؤشر عليها بالاصدار الى أن اصدر الباى فى 15 ديسمبر 1905 امرا بنشرها وسماها مجلة العقود والالتزامات ، وقد توفرت على اعداد لائحتها لجنة فنية مختصة من اعلام القانون والقضاء من بينها مقرر اللجنة الاستاذ ( د . صانتيلانا ) الذى اوضح ان ( مهمتها تتمثل فى ان تجمع وترتب وتنتقى من التشريع الفرنسى ما تراه صالحا للاستعمال فى مهمة التدوين النهائية ، على ان تترك جانبا المواد المتعلقة سواء بالاحوال الشخصية او بنظام الملكية العقارية ، كما كان عليها من ناحية اخرى ان تستخرج من عمل المحاكم الشرعية ومن التشريع التونسى ، كل ما يمكن استعماله ، لتماشيه سواء مع مبادىء القانون العصرى او مع الظروف الحالية للمجتمع التونسى (1) وقد توفر على شرح هذه المجلة وتحليلها الاستاذ ( اندرى موريل ) ضمن كتابه المطبوع فى سبتمبر 1911 .

الا ان ذلك لم يشف غلة الوطنيين ، فانبرى اعضاء تونس الفتاة اللذين انضووا تحت راية جمعية قدماء الصادقية سنة 1905 بزعامة على باش حامبة الى ملاحظة ( ان الاصلاح الحق الذى يتمثل فى تفريق السلط والتفويض للقضاة التونسيين فى محكمتى الاستئناف المدنية والجناحية وفى محكمة الجنايات ، لم يظهر له اثر ، خاصة بعد ان ازداد ضراوة تدخل الكاتب العام للدولة التونسية

ومدير العدلية فى الاحكام عن طريق المعاريض ) والى التنديد ( بضعف الاجراءات المدنية والجزائية ، وبالهوة التى مازالت العدلية التونسية ترزح فيها نتيجة لما كانت تعمد اليه السلطات الاستعمارية من انتهاك لحرمة القضاء الوطنى واستيلاء على اختصاصاته لفائدة المحاكم الفرنسية ، مؤكدين بان نشر القوانين لا يكفى الاصلاح الاوضاع ان لم تصحبه الضمانات الكفيلة بتطبيق مضمون تلك القوانين ) .

فقد كتب على باش حامبة فى جريدة التونسى ( ان القضاء من المؤسسات الاجتماعية التى تتأثر اكثر من غيرها بالتطور الذهنى والاقتصادى لشعب ما ، وكل شعب متطور هو فى أشد الحاجة إلى قوانين جديدة والى ضمانات جديدة لتطبيق تلك القوانين ) .

وقد آزره فى ذلك حسن الڤلاتى الذى طالب على صفحات نفس المجلة ( باعداد برنامج كامل فى آجال مضبوطة للاصلاحات المزمع انجازها بشأن اعادة تنظيم القضاء الوطنى على ان يرتكز الاصلاح على القواعد التالية :

- 1 - حتمية التفريق بين السلطتين القضائية والادارية .     - 2 - أن القضاء الذى يصدر باسم سمو الباى لا ينبغى مطلقا ان يظل محبوسا

- 3 - وجوب انسحاب وسيلة الطعن بالاستئناف على سائر القضايا .      - 4 - لا يمكن ان يوجد قضاء بدون مجلات قانونية وبدون قضاة قادرين على فهم تلك المجلات وعلى تطبيقها .

- 5 - يجب ان يشتمل القضاء التونسى على ثلاثة اصناف للمحاكم .

أ - محاكم النواحى ب - محاكم جهوية

ج - محكمة الاسئناف بالوزارة او دائرة تعقيب ، وان تطبيق هذه المبادىء العامة التى لا يمكن ان تتنازل عنها قيد أنملة ، يمنحها قضاء سليما (1) .

واستجابة لهذه الحملة الصحفية وللتدخلات الشخصية التى كان يقوم بها بعض الوطنيين من ذوى النفوذ لدى السلط الحاكمة ، وعلى الخصوص منهم الطاهر خير الدين ابن المصلح خير الدين باشا ، صدر الامر العلى المؤرخ فى 24 ديسمبر 1910 بنشر قانون المرافعات المدنية المنقح بامر 26 افريل 1921 ، كما صدر الامر العلى المؤرخ فى سنة 1920 بتأسيس مدرسة الحقوق لتخريج القضاة الفنيين ، والامر العلى المؤرخ فى 30 ديسمبر 1921 والقاضى بسن مجلة المرافعات الجنائية وبتفويض الباى لسلطاته فى مراقبة معاريض الاحكام الجزائية. واصدار الامر بتنفيذها من عدمه ، الى المحاكم المختصة بنظر القضايا الجزائية ، كما صدر أمر على فى 24 افريل 1921 بتأسيس وزارة العدل وفصل صلاحياتها القضائية عن السلط الادارية ، وفى 14 جويلية 1922 صدرت اربعة اوامر علية احدها قاض بابطال وظيفة الكاتب العام للحكومة التونسية ، واسناد صلاحياتها الى مدير الداخلية ، والى مدير الاقسام العدلية ، واثنان منها قاضيان بضبط وظائف كل من الادارتين ، والرابع قاض بتأسيس ادارة للعدلية مستقلة عن الادارة العامة للداخلية اداريا وماديا .

وعلى الرغم من مطالبة النخبة التونسية فى تلك المرحلة - وضمن امكانياتها ووسائل عملها المحدودة - برفع المظالم الضريبية عن كاهل الشعب التونسى وباصلاح التعليم وتأسيسه على مقومات وطنية واقرار الحق النقابى للتجمعات العمالية التونسية واصلاح القضاء الوطنى وتوسيع صلاحياته ، وتأكيد حقوقه دستورى منتخب وإيجاد النصوص التشريعية التى تقتضيها حاجة المجتمع الادبية والمادية وايكال السلطة التشريعية لممثلى الشعب ضمن مجلس دستورى منتخب وايجاد النصوص التشريعية التى يقتضيها حاجة المجتمع التونسى للاصلاح والرعاية على ان تركز احكامها على مقتضيات الشريعة الاسلامية والاعراف التونسية ، وما يصحب هذه المساعى احيانا من مواجهة نقدية وتشهيرية للتشاريع التوطينية المغرضة التى تسنها السلط الاستعمارية مباشرة او بواسطة الباى .

فان عموم التشاريع التى سنت فى هذه المرحلة والتى شارك فى اعداد بعض مشاريعها مجموعة من القضاة والاطارات القانونية التونسية انئذ كانت تمتاز :

أ - بتشتت عناصرها وتوزعها بين احكام طائفية شرعية أو موسويه واحكام اجنبية او ملكية تستجيب لاحداث جزئية ومصالح موقوتة مختلفة الطابع والمبنى لا تصدر عن ارادة واحدة ولا لغرض قومى عام .

ب - بصدورها عن ارادة فوقية لا ارتباط لها بارادة الشعب واختياراته ومثله ومصالحه ، اذ كانت تنبثق عن نظر فوقى يؤمن بحقه فى التوجيه دون

معقب ، وبواحب الاخرين فى الامتثال له دون مناقشة او رفض لما يسنه من اوامر عامة او خاصة تقتضها ظروفه الملكية والاستعمارية بحسب ما اذا كان مصدر الامر ملكا او مقيما عاما .

ج - بتبلورها فى اطار اجنبى عن مصلحة الشعب يهدف الى قهر ارادته وتسخير طاقته وانتزاع ثرواته ، واذا بة شخصيته فى بوتقة الاهداف الاستعمارية العليا التى تسعى للمس بمعالم الذاتية الوطنية من لغة ودين وتاريخ وتركيز دعائم الاستيطان والتبعية الدائمة للدولة الحامية وجالياتها الاروبية الماسكة بزمام الحظوظ القومية اقتصادية كانت او ادارية او تربوية .

د - بصياغتها فى نصوص مستوردة المضمون والبناء لا علاقة لها ، بارضية المصطلح التونسى ومحتواه تتناول مواضيعها من افق اجنبى بعيد الصلة عن المؤسسات والمفاهيم التونسية ومبانيها التشريعة الاصيلة .

الفصل الرابع : نشاط الهيكل القضائى للمحافظة على الذاتية الوطنية .     وكانت هذه المشاغل ونداءات الاصلاح تستجيب لاحاسيس القضاة التونسيين الذين طالما أعنتهم نظام الامتيازات القنصلية والسيادة المزدوجة بما اقتطعه من اختصاصات القضاء التونسى ، وما انتحله من تشاريع لتدعيم المصالح الاجنبية والنيل من الشعور القومى وايكال النظر فى قضايا المواطنين لسلطات ملكية غير بصيرة حينا وأجنبية أحيانا (1) وقد ضؤل كيان القضاء القومى وحددت سلطاته بمحاكم البايات والدايات والقواد التى تناولت فصل النوازل بأوجه ما أنزل الله بها من سلطان ، فعممت الاستثناءات والامتيازات وسلبت القضاء الاصلى سلطته التنفيذية وهى روح الصفة الحكمية ، فاصبح بروز آثار الاحكام الشرعية فى الحيز الفعلى منوطا بالشهوات والاهواء ، وامتدت ايدى المكاتب الادارية فى الاقسام التى تعاطى القضاء فارهقت الشعب وسامته الخسف والجور ، وانتصبت المحاكم القنصلية من جهتها تذل ابناء البلاد لصولة الاجانب

وتعبث بمصالحهم لتحقيق ما للاغيار من منافع غير مشروعة ، وكان الامل ان يرجع عهد الامان للقضاء التونسى ما عبثت به سلطة الملك المطلق من صلاحياته واستقلاله ، الا ان المكائد السياسية وانتصاب الرقابة الادارية فوق المجالس القضائية ، واستئثارها بحق ابرام الاحكام بطريقة المعاريض الملكية ، حال دون تطبيق أصوله القضائية فبقيت المحاكم القنصلية وأضيفت اليها بدعة المحاكم المختلطة ، وعلى هذا الاساس بنى الاستعمار الفرنسى سياسته فى القضاء ، فاعتبر سيادة القضاء التونسى قاصرة محدودة ، فانشأ على الارض التونسية محكمة فرنسية يحتج لشطر من حقها بالامتيازات القنصلية وللشطر الاخر بأوهام السيادة المزدوجة التى كانت تسيطر على السياسة الاستعمارية ، فافتكت المحكمة الدخيلة من مراجع نظر المحكمة الاصلية للقضايا التى يكون احد طرفها غير تونسى ، وقضايا المنازعات العقارية فى الملك المسجل وغير ذلك ، حتى اصبحت المحاكم الفرنسية تقضى بين طرفين مسلمين فى نوازل الحالة الشخصية ، وتقضى بين تونسيين فى نزاع حول ارض تونسية ، وبعد ان استأثر القضاء الاجنبى بما خصص به نفسه ، رد الفواضل على القضاء التونسى ، الذى اصبح منهوكا مشطورا بفصل احد شقيه عن الاخر ، وسلب القوة التنفيذية عن احكام القضاء الشرعى والزامه فى المظاهر والاجراءات أشكالا جامدة بائدة تفضى به طبعا الى الاضمحلال ، بالحط من رتبة المحاكم العدلية وبوضعها تحت رقابة حكام فرنسيين يشغلون مناصب الادعاء العمومى زيادة على الزام المحاكم العدلية بالصبغة الادارية المنافية لحرمة القضاء .

فكان ذلك مدعاة للشعور بالغضب والحسرة لدى القضاة التونسيين ، وحافزا لهم على مواجهة مظاهر الاستبداد والتعسف التى يلقاها المواطن التونسى عن طريق السلط المستبدة او الهياكل الاستعمارية المفتعلة ، بمجموعة من المواقف الوطنية المصممة والمركزة على دفع شبه القصور والاقليمية والتعسف التى كان يلحقها باطلا المؤرخون الاروبيون المغرضون بأحكام التشريع الاسلامى والقضاء الاسلامى ، زعما بان ما يحتجون به من مظالم الملك المطلق ومن قصص الاستبداد الشخصى الذى يرتكبه بعض ملوك المسلمين ازاء بعض الاجانب انما يجد سنده فى احكام الشريعة الاسلامية ، وهو ما يدعو فى نظرهم المغرض الى قصر نظر المحاكم الاسلامية دون تناول احوال الاجانب وقضاياهم ، وذلك تبريرا لظهور المحاكم القنصلية بالبلاد الاسلامية ولما افرطت فيه من تصرف وتجاوز للسلط حتى لكأنها دول مستقلة داخل الدولة المضيفة .

فأكد اولائك القضاة بان تلك المزاعم لا سند لها من التشريع الاسلامى وان

ما أتاه النظام القنصلى والاستعمارى هو أفحش ظلما وأسوا قصدا مما أسند الملوك الاطلاق من مظالم لا تبرر على اى حال اغتصاب سيادة الدولة ، واقتطاع ثرواتها لفائدة المصالح الاجنبية خاصة ( بعد ان تغيرت الاوضاع ابتداء من ظهور عهد الامان ، واصبح تشريعنا ونظام محاكمنا يقارب شيئا فشيئا ما هو قائم فى الاقطار الاروبية ، مما لم يبق معه مبرر لنظام الامتيازات القنصلية ولا للنظام القضائى الذى انشاه الحكم الاستعمارى ولا لسيطرة الدولة الحامية على ميادين التشريع والتنفيذ والقضاء ) (1) ويسعوا جهدهم الى التمسك بالذاتية القومية وابراز معالمها وخصائصها فى مختلف تصرفاتهم ومبادراتهم فلم يالوا جهدا فى :

أ - إبراز شخصية القاضي الوطنى : 1) من خلال مواجهتهم المصالح الاستعمارية والكشف عن احابيلها المصطنعة فيما تنشره من قضايا ضد التونسيين بغرض ارهاصهم والضرب على روح المبادرة والرفض فيهم ، فكان القضاة التونسيون يأبون مجاراة السلطة ويحتكمون الى قواعد العدل ومبادىء الضمير القومى فيما يصدرون من قرارات .

2) ومن خلال تمسكهم بالاحكام الشرعية والعادات القومية فيما يأتونه من اوجه لفصل القضايا المعروضة عليهم ، وفيما يبدونه من اوجه التحليل والنقد لمشاريع القوانين ونصوصها بغرض انهاضها على مبادىء التشريع الاسلامى ومالوف العرف التونسى ، حتى لا تنسخ الذاتية القومية فى التشاريع المستوردة . لذلك كانوا لا يترددون فى الجهر باعتبار المحاكم الفرنسية ذات طبيعة استثنائية ، وفى التمسك والتنويه بتراتيب واحكام مجموعة القوانين الناشئة عن عهد الامان ، واعتبارها نافذة المفعول (2) وفى المطالبة باسناد سلط الاشراف على المحاكم التونسية من مدع عمومى ورئيس محكمة تعقيب وكاتب عام للعدلية الى حكام تونسيين .

3) وحرصهم الشديد على تدعيم حرية الاجتهاد للقاضى التونسى وتركيز وجهة نظره فى مقابلة ما قد يتعرض له من ضغوط سلط الاشراف القضائى او الادارى على وجدانه سواء كان بصفته عضوا ضمن المحاكم التونسية او ضمن المحاكم المختلطة حتى أنه كان يؤثر عن بعضهم أنه كان يأبى ابداء رأيه فى المجالس المختلطة الا بعد ان تعرب لديه الوثائق ويناقش رايه فى القضايا بكل حدية ، كما كان البعض الاخر يرفض الامتثال لتوجيهات الكاتب العام للحكومة المدرجة على لائحة المعروض فيما يظهر له من اوجه الحكم .

ولتحقيق الاستمرار في هذا المنحي وضمان الرواج له والتداول حوله ، احدثت ودادية للقضاة التونسيين تعمل على جمع كلمتهم وتمييز منحاهم والدفاع عن مصالحهم المهنية والمادية والادبية ، وعلى تدعيم شعور الكمال والاستكمال فى نفوسهم وتحريك كوامن ثقتهم بانفسهم واعتمادهم على جهودهم والتفافهم حول الودادية التى منحتهم القوة والاعتزاز .

ب - السعى لتطوير القضاء التونسى . 1) عن طريق الدعوة الى توسيع صلاحيات المحاكم الشرعية والوطنية وتنمية  اطارها الفنى ومراكز عملها فطالبوا ضمن لوائح قدمت للباى ولوزير العدل وللكاتب العام للحكومة ، باسترداد ما للقضاء الوطني من الحق الطبيعى فى النظر فى الاملاك المسجلة والقضايا السياسية وقضايا العائلة المالكة ، وقضايا ادارة البريد والسكك الحديدية وقضايا فواجع العمل والدفاتر التجارية ، وباعتبار وظائف الادعاء العمومى من الوظائف المفتوحة فى وجه الحكام التونسيين ، الى درجة الاحتجاج لدى وزارة الخارجية الفرنسية على القرار السفيرى المؤرخ فى 21 ماى 1951 والقاضى بقصر تلك الوظائف على ذوى الجنسية الفرنسية ، وبتوسيع المؤسسة العدلية عن طريق احداث دائرة جنائية ثانية ودوائر استثنائية بالافاق ، ودوائر اخرى بمحكمة الدريبة وبانجاز قانون اعوان التنفيذ ، والقانون الاساسى للحكام التونسيين الخ . (1) وبتوسيع نطاق اليد العاملة والاكثار فى عدد الحكام لمجابهة الاحتياجات المتزايدة الناشئة عن تطور القضايا وكثرتها بالمقارنة لما عليه العدد الحالى من الحكام .

2) المطالبة بتوفير المهيئات المادية والاعتبارية لعمل القضاء التونسى على

اساس التنظير بينه وبين المحاكم الفرنسية ذات الطابع الاستثنائى من جهة تخليص تنفيذ احكامها من مراقبة سلط الاشراف الادارى وتوسيع افاق الترشح للخطط القضائية خاصة بالنسبة للمحرزين على شهادة الاجازة فى الحقوق التونسية اللذين يجمعون فى معظم الحالات بين اللغتين العربية والفرنسية ، واختزال سلم الرتب، ورفع المرتبات وتقرير غرامة الزى وتضعيف الغرامة الفنية وتعميم وسائل المخاطبة اللاسلكية بمكاتب القضاة ، واستبدال الاثاث المهترى فى بعض مكاتب الحكام بأثاث يتناسب مع مهمة القضاء السامية ، وتخفيف الاعباء الشكلية للنشاط المهنى على القاضى من كتابة محاضر ومتابعة اجراءات التداعى وتلخيص وقائع الدعوى بالاضافة الى الحكم وتسنيد الاحكام .

3) اثارة دواعى التكافؤ لدى القاضى الوطنى فيما بينه وبين القاضى الفرنسى لغويا وفنيا وذلك من خلال التأكيد على رفع المستوى التأهيلى والعلمى للحاكم التونسى عن طريق عقد الندوات العلمية وتنظيم المحاضرات المختصة وتوفير مكتبة للمراجع الشرعية والقانونية وتشجيع حركة البحث والمدارسة وتجميع نصوص القوانين التونسية وتوسيع نطاق دروس الاجازة فى الحقوق التونسية بما يلائم ظروف التطور العالمى التطور وظهور الاحتياج فى الاوساط العدلية لتحرير الجنسيات وتأثيرها على مرجع النظر وبعض المسائل المالية والاقتصادية والتجارية (1) .

4) اعداد الاحكام الشرعية فى صياغة قانونية فنية مع المقابلة بين احكام المذاهب الفقهية السائدة ضمن مواد متناظرة العدد والموضوع ، وخاصة فى مادتى الاستحقاق والاحوال الشخصية بغرض تعصير المادة الفقهية وتيسير تناولها على قضاة المحاكم الشرعية وفق الارجح من المذهبين المالكى والحنفى ، وتمكين قاضى المذهب من التعرف على حكم المذهب الاخر من المدونة عند مطالبته بالحكم وفقه ، وبقصد بيان ملاءمة الاحكام الشرعية المنضبطة لمقتضيات العصر فى المجالين الاجرائى والموضوعى وكنتيجة لذلك اسس قانون للمرافعات الشرعية لمادتى الاستحقاق والاحوال الشخصية فى المذهبين المالكى والحنفى سنة 1949 .                                                                      ( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية