- 3 - الفصل الخامس : دور الحركة الدستورية فى بلورة الاصلاح التشريعى وقد تدعمت الحركة الدستورية بظهور الحزب الحر الدستورى سنة 1920 الذى كان يطالب بضرورة تفريق السلط حتى انه عبر عن ذلك بواسطة رئيس الوفد الحزبى الذة مثل أمام الباى فى 20 جوان 1920 ضمن خطاب جاء فيه على الخصوص ( ان الامة مجمعة الارادة على ان تكون مسيرة على ما كان اباؤها من قبل بدستور محرر يعلن ويضمن الحقوق والحريات السياسية وفصل السلط عن بعضها ) .
وما ان ظهرت جماعة الشبان الثوريين بزعامة الاستاذ الحبيب بورقيبة ضمن هيكل الحزب الدستورى حتى برزت معالم جديدة للحركة الوطنية اشد عمقا واصالة مما سبقها ، اتضحت ميزاتها الثورية الخاصة فيما نادت به ضمن جريدة صوت التونسى التى صدرت ابتداء من غرة اكتوبر 1930 وجريدة العمل التونسى التى صدرت ابتداء من غرة نوفمبر 1932 ، سواء كان ذلك قبل الانفصال او بعده ، من مقاومة سياسة الاوامر العلية وازالة امتيازات الاروبيين ، وتعميم التعليم ، ومنح التونسيين حق تولى المناصب الادارية ومقاومة حركة تعمير الاراضى ، والقضاء على نظام الخماسة ، والدفاع عن حرية الصحافة وحرية الاجتماعات ، وحفظ العدلية التونسية باعتبارها المؤسسة الوحيدة التى سلمت من معول الحماية ، وضرورة احترام القانون واحترام الافراد الساهرين على تطبيقه ، ومواجهة كل اعتداء صارخ على القضاء التونسى قد يهدف الى انتزاع صلاحياته ( 13 )
ثم لا تلبث هذه الجماعة ان تتساءل ، ( لقد حررت فرنسا شعوب اروبا الوسطى فلم لا تحرر شعبا صديقا لها ، منح لها دماءه ؟ ان الآمال القومية لا تتحقق الا بفضل الشعب نفسه الذى ما انفكت تخونه اقلية من ذوى الامتيازات اولئك الذين يلبسون ثياب الحرير المرصعة بالذهب والفضة ) ( 14 ) وان تحتج على اتخاذ الفرنسيين لتونس كسوق لتجارتهم ( يستوردون من ايطاليا الطماطم المصبرة بينما يبيع سكان الرأس الطيب بضاعتهم بابخس الاثمان ، كما يستوردون التمر من مدينة البصرة ، بينما يتخبط أهل الجريد فى فقر شديد , كما أقامت الزيوت المستوردة مقام زيت الزيتون ، واستوردت الاحذية من تشيكسلوفاكيا ، فاضطر الحذاؤون التونسيون الى البطالة ، اما البنوك فانها لا تمد بالاموال الا الاروبيين ليشتروا باثمان بخسة الشركات التونسية المشرفة على الافلاس ، كما يستوردون المصنوعات الاجنبية بأثمان بخسة لتنهار الصناعة التونسية ، ولن يعول على اعضاء المجلس الكبير لازالة الفساد اذ هم اناس ذوو عقلية بالية ، ديدنهم النفاق ، وغايتهم احتلال المناصب العالية ، بل يجب ان تنبثق قوى جديدة مثل قوى الطبقة الشغيلة وقوى الشباب ) ( 15 ) .
وقد اعربت هذه الحركة عن تطلعاتها الجديدة فى مناهج عملية مستحدثة ، فتحولت عن مخاطبة القصر الملكى والسلط الحاكمة بمشكلها وآمالها ، وتحولت بالدعوة الوطنية من مظهر التحكم والتردد ، وجاوزت حدود الشرعية الصورية التى اتخذت قيدا لارادة الامة ، الى بناء استراتيجية دقيقة شاملة تعتمد : الارادة الصلبة فى توضيح الاهداف الاساسية للعمل الوطنى ، وضبط خطة ثورية متطورة ومتفتحة له ، وبلورة الارادة الشعبية من خلال المساهمة فى العمل الوطنى ، وتوسيع آفاق المفاهيم الوطنية وتعميق جذورها فى مختلف الطبقات الشعبية ، وتحويل مناهج العمل بين يدى الشعب الى طاقة فعالة مؤمنة ومنضبطة بمبادئها السامية .
الامر الذي اعطى ابعادا جديدة للعمل الوطنى ، بحيث وجد فيه العامل والمزارع والمثقف التونسى اصالته ورسالته وآماله الكبرى بما جعل الحركة الوطنية قطب
رحى مختلف الاهتمامات ومنارها ، تستوعب كافة مشاعر القلق والسخط والثورة لدى التونسيين ضد العبودية والتخلف والطغيان ، مما ساعد على تكوين الجامعة القومية وبروز معالمها من خلال نشاط كل الطاقات الحية فى الامة , وقضى على أسطورة التناقضات الطائفية والمعارضات القبلية التى تستغلها السلط الاستعمارية لاثارة الفتن بين المجموعات الوطنية ، وكشف خطر استيعاب الدولة لارادتنا فى التحرر عن طريق الصهر فى المؤسسات المزدوجة , والتلويح بالامتيازات والمنافع الخاصة ، وترجم احاسيس الامة ومثلها الطموحة فى مبادئ اساسية واضحة ، تتمثل فى المحافظة على مقوماتها الذاتية من لغة ودين وتاريخ وآمال ، وفى تحرير الارادة الوطنية من القيود الخارجية والداخلية التى تكبل مصيرها وتطمس اختياراتها التلقائية ، وفى تخليص الوطن مم الاستعمار السياسى والتوطينى للدولة الغاصبة ، وفى تحقيق العدالة الاجتماعية والتحول الاقتصادى لعناصر الثروة القومية ، وفى تسخير دواليب الدولة وهياكلها الادارية والسياسية لبعث تطور اجتماعى وتربوى لكافة وحدات الامة .
وكان الحزب قد اعتمد فى توضيح هذه الاهداف ، وتركيز الارادة القومية حولها أربعة مناهج :
1 ) الاتصال المباشر بالمجموعات الوطنية فى مواطن تمركزها ، ومشاركتها احاسيسها واهتماماتها ، وتقييم اسباب ضعفها وتعاستها وخذلانها ، ومحاورتها حول مبادئ الحزب وطرائق الكفاح الوطنى .
2 ) تركيز خلايا حزبية فى مختلف مناطق البلاد تحقق استمرار العلاقة وحيوية المتابعة بين الحزب والمجموعات بالوطنية .
3 ) تفاعل الاهداف الحزبية مع مشاعر الطبقات الكادحة والطبقة المثقفة ، وادماج منظماتهما فى صلب الحركة الوطنية ، مما اكسبها قوة وامتدادا حيويا فى شتى المصالح الادارية والاهلية .
4 ) اعتماد الوسائل الاعلامية لكشف الاعيب السلط الحاكمة بين يدى بالرأى العام القومى وتوجيهه وطمأنة الحاليات الاجنبية والسلط الدولية بشرعية الكفاح الوطنى .
وقد تبلورت معالم بالذاتية القومية فى النطاق الاصلاحى لدى القادة الوطنيين
فشكلوها فى جملة من الحلول نادى بها الحزب ( 16 ) وتبنتها المجموعات الوطنية كالاتحاد العام التونسى للشغل ( الذى اقترن كفاحه بكفاح الحركة الوطنية فتعرض مناضلوه الى ما تعرض اليه الزعماء الوطنيون من اضطهاد ونفسى فى كفاحهم ضد الاستعمار ، ولم يتيسر للحركة النقابية ان تسترجع نشاطها الا بعد الحرب العالمية الثانية على يد احد ابنائها وهو المرحوم فرحات حشاد مؤسس الاتخاد العام التونسى للشغل ، والذى عرفته تونس وعرفه العالم لا كقائد نقابى فحسب بل كزعيم وطنى آمن بان لا حقوق للعمال التونسيين ولا كرامة لهم ما لم يعترف لوطنهم بحقه فى السيادة والاستقلال ) .
وتتمثل تلك المبادئ فى المناداة :
1 ) بضرورة تطوير الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والدينية بصفة شاملة تحقق للعمل الاصلاحى الاستمرار والعمق ، وتمكن من تحويل المشاعر الدينية الغزيرة الى طاقة فعالة لتدعيم مناهجنا الاصلاحية ونصرة قضايانا الوطنية , وبان لا شئ يوفر اسباب القوة لامة من الامم ان لم تستند لطاقات علمية وتقنية تكسبها ( القيمة ) وتحولها الى ثروة حية نافعة . خاصة وان الاسلام الذي هو وحدة متماسكة بين شؤون الدنيا والدين ، ودين فكر وعمل لا يحول دون ذلك ، ضرورة انه حث على اعمال الرأى والاجتهاد فى جميع الشؤون الدينية والدنيوية حتى نضمن لحياتنا اطراد التقدم والازدهار ونصون ديننا من التحجر والقصور عن استيعاب شؤون العصر والامة .
2 ) وبتركيز الاهتمام بالطاقات الشابة من المجتمع التونسى وتوفير الغذاء الفكرى والعاطفى والمادى لها ، على اساس من الاصلاح والواقعية والشمول , وذلك بمراجعة الدور التربوى للبئات الثلاث فى توجيه الشباب وتنشيط عوامل التكامل بينها ، وتدعيم الشعور فيه بالمسؤولية والاصالة والشخصية ، وتغيير المفاهيم الاجتماعية والافاق الفكرية لديه ، وتأصيل القيم الاخلاقية والوطنية فيه ، وحمايته من التردى فى مواطن الاحقاد والاغراض والشعارات والعواطف المشبوبة ، حتى تجد هذه الامة من يحفظ مناعتها واستقرارها ، ويكبح جماح النزوات الشاذة فيها عندما تشتبه عليها السبل ، ولا يتم ذلك الا بتهذيب أداة التفكير واصلاح الاسرة وتعميم الثقافة وتحسين مستوى اغلبية القوى الحية فى
الامة ، وتنشيط دور منظمات الشباب فى الاستيعاب والحيوية ، وتوخى الصرامة فى اصلاح المجتمع عند الاقتضاء صيانة للاخلاق العامة من التدهور والتفسخ .
3 ) وبمواجهة المظالم الاجتماعية الناشئة عن احتلال الوظائف الاجتماعية للافراد والمجموعات سواء كان ذلك على اساس العمل او الجنس او الثقافة او السكنى مما يحتم تغيير النظر الى دور المرأة فى المجتمع ورفع المظالم التى كبلت طاقاتها مئات السنين وذلك بتوعية المرأة وتعديل نظرة الرجل اليها ، والقيام بتقييم صحيح لحقوقها وواجبتها ، وتخليصها من استبداد الوالدين وتعسف الزوج ومساعدتها على تحقيق شخصيتها فى اختيار منهج الحياة الذى تريد ، دون ارهاق لها بالزيجات المبكرة من الغرباء او انجاب العدد الوفير من الاطفال او حرمانها من العلم والثقافة وتكبيل ارادتها فى خدمة المجتمع ومشاركة الرجل اهتماماته .
ما يتحتم تغيير النظر الى العامل والمزارع وتقدير دورهما فى النهضة القومية ، وتنمية الانتاج القومى ؛ واقرار حقوقهما الاساسية ازاء الممول وصاحب الارض ، ومساعدتهما بمختلف الخدمات الاجتماعية للرفع من مستواهما المهنى والفكرى والاجتماعى ، وفسح الفرص امامهما لتحقيق فرحة الحياة لابنائهما .
4 ) بتركيز مقومات السيادة الوطنية واقرار هياكل اساسية وتنظيمية لنشاط دستورى يمنح الشعب فيه حق تقدير اختياراته ومتابعة سلطه وتشخيص سيادته من خلال مجلس برلمانى منتخب وحكومة وطنية تمثل رغبات الشعب واماله ، وقضاء وطنى يبلور ارادة الامة فى عدالة سليمة وامن دائم وحق محمى , ومجالس ادارية وانتخابية ذات اشعاع بلدى او قومى ، وتنظيمات ادارية تعمل لفائدة الشعب وتستجيب لحاجياته وتطلعاته ، وتشاريع اصيلة نناه ناهضة ذات محتوى قومى سليم .
( 5 ) باقرار خطة قومية ذات مضمون اصلاحى تقوم على جملة من التدابير والمعطيات المالية والعلمية والبشرية لتحقيق مراجعة شاملة للاوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة بالبلاد ، بما يمكن من تطوير الثروة القومية وتنمية طاقاتها الانتاجية وتكييف وسائل ضبطها وتوزيعها واحكام مناهج استثمارها وصرفها , وبما يساعد على رفع المستوى الثقافى للامة ، ونشر التعليم بين افرادها وتطوير العلاقات الاسرية والاجتماعية بينهم ، وتكييف حاجيات المواطن وتطعيمها بالوسائل الحضارية المتعددة ، وتوفير مواطن الشغل والاستقرار له ، وتحقيق الحماية الصحية والمهنية له ولافراد عائلته .
وهكذا يتضح المنحى الجديد للحركة الوطنية التى لم تعد تطالب النظام القائم بتحقيق اهدافها الاصلاحية وفق المفاهيم القومية بل اتجهت الى البحث عن شرعية النظام نفسه ورفض وجوده الغير الشرعى مستهدفة بذلك تحقيق التحرر الوطنى والثورة على الحكمين الاستعمارى والملكى ، والسمو بالاصلاح الاجتماعى والاقتصادى الى اسمى المعطيات الوطنية والانسانية .
وان لم يتح لهذه الحركة ان تؤثر على نحو بارز فى السير التشريعى للنظام القديم فانها لم تلبث عندما مسكت بزمام الحكم فى الدولة التونسية المتحررة ان اخصبت النشاط التشريعى بمجموعة من الولائد التى تنظم جوانب الحياة السياسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية للمواطن التونسى على نحو يتسم بالشمول ويحرص على تحقيق مميزات الذاتية القومية من خلال الاهداف الاصلاحية التى يسعى اليها التشريع القومى والتى انعكست على مجموعة التشاريع الوطنية الصادرة عقب تحرر الارادة الوطنية من التحكم الاستعمارى فى 20 مارس 1956 بغرض :
أ - تونسة التشريع السائد وتوسيع مشمولاته .
ب - تكييف القوانين الجارية بالمعطيات الجديدة للمجتمع التونسى فى الميدان السياسى والاقتصادى والاجتماعى على نحو يحقق لها الفعالية والاصلاح .
ج - تقنن المواد التى لم يشملها التقنين السابق تيسيرا لمهمة القاضى والمتقاضين .
ه - توحيد المحاكم وتقريب القضاء من المتقاضين واكساء عمله طابعا طريق تنشيط الاتفاقيات القضائية معها .
ه - توحيد المحاكم وتقريب القضاء من المتقاضين واكساء عمله طابعا عصريا مرنا ( 17 ) .
وقد برز ذلك على الخصوص فى جملة من التشاريع الاساسية التى تهم حالة الاشخاص المدنية وتنظيم العلاقات الاسرية ومراجعة الوضعية العقارية بالبلاد عن طريق الغاء الاحباس واجبارية المسح العقارى واعادة النظر فى احكام
الاستحقاق ، وتنظيم الهيكل القضائى واجهزته المختلفة من محاكم ومحاماة واشهاد وتنفيذ ، وتنظيم علاقة الدولة بمواطنيها ، وتدعيم النشاط الاقتصادى عن طريق ضمان حق العامل وحمايته من فواجع الشغل وتنظيم علاقة التجار بغيرهم سواء كان ذلك فى النطاق الوطنى او فى النطاق الدولى عن طريق مجلة التجارة ومجلة التجارة البحرية الى غير ذلك مما احتوته مجموعة التشريع التونسى الحديث من قوانين متعددة وهامة تحيط بجوانب نشاط المواطن التونسى فى الداخل والخارج ضبطا واحكاماما . والتى ما زال البعض منها الى الان قيد المراجعة والتقييم من طرف اللجان الفنية المنكبة على دراستها واعداد المشاريع المختلفة لتعديلها او الغائها وتعويضها بمشاريع اوفر مادة وادق محتوى .
ويمكن تتبع تأثير الحركة الوطنية على تطور التشريع التونسى وتواكبهما عبر المراحل التاريخية الحديثة للامة التونسية فى مجال الاحوال الشخصية مثلا ، كما يظهر ذلك من الاستعراض التالى :
الفصل السادس : - أ - الاحوال الشخصية فى عهد الحماية : لذلك كان تقنين الاحوال الشخصية بتونس نتيجة اختيار ضرورى أملته الظروف المصيرية لتقدم الامة وحتمية اقرار العدالة الاجتماعية بين افرادها واعتبار المحيط الحضارى والدولى للانسان التونسى الجديد ، فقد كانت تتنازع تونس سنة 1956 جملة من الظواهر المتناقضة الاتجاهات فمن الناحية القضائية بقى المشرع التونسى حتى ذلك التاريخ وعلى الرغم من دعوات ومشاريع اصلاح الاسرة التى نادى بها دعاة التحرر ، مغلول اليد بالمصالح الاستعمارية التى عملت على عرقلة تطور الامة وتفتحها ، وبالاعتبارات الطائفية والدينية التى اكدت على مزج مصالحها الخاصة بالاصالة القومية من خلال تمسكها بالتنظيمات الاجرائية ، والاحكام الاصلية للاحوال الشخصية ، تلك الاحوال التى كانت تسود طوائف ونحل المواطنين التونسيين ، على الرغم مما اصاب احكامها من تشتت فى الصلاحية وتناقض فى الحلول الشرعية .
اذ كانت هناك ثلاثة انواع من محاكم الاحوال الشخصية :
- محاكم شرعية - محاكم يهودية - محاكم فرنسية .
فأما المحاكم الشرعية فقد كانت تبت فى قضايا الاحوال الشخصية للمسلمين من المواطنين التونسيين وفق الاحكام الاسلامية المنبثة فى مضانها من مصادر الفقه ومراجعه الا ان اختلاف المذاهب المعمول بها ، وتعدد اراء الفقهاء ، حتى فى الجزئية الواحدة منها . جعل الاحكام الفقهية غير معلومة لدى المتقاضين بالاضافة الى حيرة القاضى فى اختيار الاوجه منها رغم جريان العمل بالتنصيص فى امر توليته على ضرورة الاخذ بمشهور المذهب ، ومع ذلك فقد ساد الخلاف بين القضاة فى تقدير الارجح الى درجة اضطرت الباى فى بعض القضايا الى اصدار امره بالقضاء فيها بمذهب دون آخر ولو كان مستنده الفقهى مرجوحا او ضعيفا وذلك ضمن شبه قانون يصدر عنه ولا ينشر بالجريدة الرسمية يسمى ( بالمعروض ) ، وكانت المحاكم الشرعية تتخذ شكل المحاكم الفردية بالمدن الصغيرة ، وشكل المحاكم المجلسية بالمدن الكبيرة ، مع محكمة عليا بالعاصمة تتركب من غرفتين تختص احداهما بتطبيق المذهب الحنفى وتختص الاخرى بتطبيق المذهب المالكى ، وللطالب اختيار التقاضى على أحد المذهبين ، كما للمطلوب اختيار اختيار نقل الدعوى للغرفة الثانية مما يضطر قاضى التعهد الافتتاحى الى صرف الدعوى لتلك الغرفة نزولا عند رغبة المطلوب مما يؤدى الى بطء فى القضاء وتبدد فى الثورات وتصدع فى العائلة ، الامر الذى اضطر المشرع الى اصدار قوانين لتحديد الاختصاص الشخصى والاختصاص الموضوعى لهذه المحاكم ، صدر أولها فى 2 سبتمبر 1948 وقضى الفصل الثانى منه بان قضايا الاحوال الشخصية والمواريث التى تظهر فيها المحاكم الشرعية هى التى تكون بين المسلمين الذين ليسوا برعايا ولا محتمين بدول غير اسلامية ، او بين تونسيين مسلمين وغيرهم فى النزاعات المتعلقة بمواريث الرعايا التونسيين ، اما القضايا الاستحقاقية فتنظر فيها سواء كانت بين الرعايا او بينهم و بين غيرهم ممن ليسوا برعايا . فاذا كانت بين رعايا دول غير اسلامية فلا تنظر فيها
واما القانون الثانى فقد صدر فى 23 سبتمبر 1948 وقضى بتخصيص الغرفة المالكية بالنظر فى قضايا الطلاق بالاعسار او بموجب الضرر ، وصحة التبرع فى المشاع ، والوصية للعدوم وتخصيص الغرفة الحنفية بالنظر فى شفعة الجوار واجبار الاب ابنته البكر البالغة على الزواج ، وصحة الوقف على النفس ، ويبقى حق الخيار للمطلوب فى غير هذه الدعاوى سارى المفعول ، وكان هذا الموقف نتيجة لدعوات الاصلاح الاجتماعى التى ظهرت بالعالم الاسلامي عامة ونادت بالنظر فى بناء الاسرة الاسلامية واحاطتها بضمانات الاستقرار والتطور
وذلك بسبك احكامها بما يلائم العصر صيغة ومضمونا ضمن مدونات قانونية مستقلة تشمل بالنظر كافة متساكنى الدول الاسلامية .
وقد وجدت هذه الدعوة صداها لدى طلائع المثقفين التونسيين اللذين عهدوا سنة 1948 الى العلامة الشيخ عبد العزيز جعيط بتأليف مجلة الاحوال الشرعية وتهيئة عناصرها وتحرير فصولها وعرضها على لجنة فنية منتخبة من كبار الحكام والمحامين واساتذة القانون لتدارسها وابداء الرأى فيها ، وبعد اعداد الشيخ للمشروع وفحص اللجنة ( 18 ) له ومصادقتها عليه تداولته الايدى وعملت لاسباب شتى على وضع العراقيل المتنوعة دون ابرازه لحيز الوجود الى ان كان الاهتمام به من جديد سنة 1956 كمصدر اساسى وتفسيرى لمجلة الاحوال الشخصية موضوع حديثنا هذا .
اما محكمة الطائفة اليهودية القارة بتونس فقد كانت تنظر فى كل ما يهم الاحوال الشخصية لليهود وفق احكام الشريعة الموسوية التى يستمدها الحبر من كتب الاصول دون تقيد بإجراءات معينة او تعريف بمصادر الحكم ، وان كان ملزما باتباع اجراءات التوثيق الوارد بها امر 28 جوان 1938 فى خصوص المسائل الزوجية والتبرعات بين اليهود ، وقد استمرت هذه المحكمة فى عملها الى ان الغيت فى مفتتح عهد الاستقلال بقانون 27 سبتمبر 1957 .
واخيرا المحاكم الفرنسية التى كانت تشمل بنظرها مستوطنى البلاد من الاجانب غير التونسيين وتجرى فى ضبط احوالهم الشخصية القواعد والاجراءات المقررة بالقانون الفرنسى ، وقد ألغيت هذه المحاكم فى فاتح جويلية 1957 بمقتضى الاتفاقية المبرمة فى 9 مارس 1957 بين الدولتين التونسية والفرنسية .
ب - مواطن الاصلاح فى التشريع الشخصى الجديد ودواعيه : وقد وجدت هذه الدعوة للاصلاح صداها لدى المشرعين الاصلاحيين الذين واكبوا فترة التحرر السياسى فى المجتمع العربى فانصرفوا الى اعادة صياغة احكام الاحوال
الشخصية فى قوانين منفردة تتسم بسهولة المصطلح وايججاز العبارة ، ونقاوة مادتها من الاستهجان والاعجام ، وبتناول الكليات والمسائل العامة دون الفروع والجزئيات التى طفحت بها المصادر الفقهية فى انتظار من يجلوها بالسبر والنظلا من رجال القضاء والفقه ، كما تتسم بتطعيم الاحكام الشرعية ببعض المبادئ القانونية العامة التى تقتضيها ظروف الحياة المعاصرة دون ان تنافى الشريعة او تعطل احكامها ، وباجراء بعض القواعد الشرعية على وجه اللزوم بعد ان كانت على وجه الاباحة رعاية للمصلحة العامة ، وفي حدود ما تقتضيه المبادئ الاصولية للفقه الاسلامى . ففى تونس مثلا جرى تشريع الاحوال الشخصية على هذا النحو الاصلاحى من الشكل والمضمون الذى برز على الخصوص :
فى منح المرأة حق التطليق انشاء وفى عدم اجبار الزوجة على مساكنة زوجها . وفى منع تعدد الزوجات سواء على الصيغة القانونية او غيرها . وفى تحديد اقصى امد الحمل بعام واحد . وفى تحديد سن الرشد القانونى للرجل والمرأة بعشرين سنة .
وفى تحديد سن ادنى للزواج بسبعة عشر عاما للمرأة وبعشرين سنة للرجل الا اذا كانت هنالك ضرورة متأكدة بالنسبة للمرأة ، وذلك اعتبارا لما يستلزمه البناء الاسرى من نضج عقلى وعاطفى لا يظن حصوله فيمن لم يبلغ تلك السن المذكورة ، فضلا عما ينجر عن الزواج المبكر من ارهاق للطاقة المادية والبدنية للعائلة بسبب تكاثر الاطفال الذين تعجز العائلة والمجتمع عن استيعابهم وتوفير حاجياتهم التربوية والصحية فى العصر الحديث .
وفى اقرار نظام التبنى لتحقيق التربية والعطف العائلى للمتشردين والابناء الطبيعيين .
وفى تعميم قواعد الارث الواردة بمجلة الاحوال الشخصية على مختلف المتساكنين .
وفى اقرار مبدأ الرد فى الميراث عند فقد العصبة .
وفى اعتبار مبدأ شخصية القوانين بالنسبة للاجانب واخضاع حوالى الشخصية لقانونهم الوطنى .
كما برزت مظاهر هذا الاصلاح من ناحيتى التنظيم القضائى ومرجع النظر الحكمى فى الحاق القضاء الشرعى بالقضاء العدلى وجعلهما قضاء وطنيا موحدا فى هيكل واحد ونسق واحد ينسجم مع مقتضيات التنظيم القضائى المقارن , ويحقق العدالة ويقربها لجميع الافراد ، ويركزها على اسس متينة سليمة ويخضع كافة المواطنين التونسيين لنظر المحاكم الوطنية وقواعد الاحوال الشخصية الواردة بامر 3 اوت 1956 بعد ان الغيت محكمة اليهود بقانون سبتمبر 57 مما حقق للقضاء التونسى السيادة والاستقلال على الوجه الاكمل فى ادق صلاحياته الوطنية ، وهكذا يتضح من استقراء الحلول المستحدثة التى انتهجها المشرع التونسى وسبرها ، ان الاصلاح كان يرمى لتحقيق جملة من الغايات الاساسية للنهوض بالمجتمع ، والتى يمكن تعيينها فى :
تحديد النسل استقرار العائلة وتطويرها ضمان حقوق المرأة رعاية القصر الارتباط بمناهج الحضارة القومية توحيد قانون الاسرة
وتبرز هذه المقاصد الشرعية على نحو اوضح عند تحليل التعديلات الجديدة واستقصاء اثرها فى كل حالة من حالات الاشخاص كما يتضح ذلك بالنسبة الحالة الزواج او الطلاق او النفقة مثلا . ( 19 )
