الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6 الرجوع إلى "الفكر"

تأخر موعد دفنى

Share

" ما زلت تذكرها . . " ولم أجب . . بماذا أجيب ؟ ماذا أقول ؟ ! ولزمت الصمت . . وبدأ الاشفاق يغزونى . . الاشفاق ؟ بل الرثاء ! رثاء لحال هذه المرأة التى أرادت أن تقاسمني مرارة أيامى . .

كانت تعلم كل شئ ، تعلم أني انسان تحطم ، انسان لم يعد يحيا ، ولكنها أصرت على العودة بى الى الحياة ، أصرت على التضحية ، على المحاولة . .

" لماذا تزوجت ؟ " وبدأت أحقد على ذاتى . . " كيف تركت نفسي أنساق بسهولة ؟ " كنت محطما ، كنت فى مسيس الحاجة الى من يرحم ذلى ، ولم أستعن بأحد . أقنعت نفسى بفكرة الفناء ، وكتبت فى مفكرتى " انسان مات ولم يقبر " وبدأت أستسلم وبالتالى آتلاشى .

وظهرت رجاء . كانت كمن برز من عدم . ولازمتني : لم أعرف فيها الزميلة القديمة الصموتة ، تلك التى كانت تنظر الى بحذر ، بخوف وحرمان . لم أعرف فيها تلك الفتاة العاملة التى كانت تتزوج كل سنة كتابا معلومين لتطلقهم اثر الامتحان . . . استقبلتها بفتور عندما قدمت نفسها فى قاعة الأساتذة ، وانتظرت منها أن تتركني لسويدائى ، ولكنها لم تفعل ، إذ جعلت تتحدث عن المعهد والتلامذة والواقع . وتقهقرت سنوات الى الوراء لتتحدث عن التلمذة والصراع . . وكنت صامتا أرمقها بعينين ميتتين . وتفطنت نظراتها تسرقان أصابعي فأدركت مقصدها وتجاهلت أحاديثها . وفجأة سألتنى عن سلوى ، وأحسست بالاسم يلسعنى فقمت بتثاقل ، وانصرفت بسرعة ٠٠

وتكررت لقاءاتنا فى قاعة الأساتذة ، ولم تعد تسأل عن سلوى ، فبدأت أطمئن اليها : الى أفكارها الرجعية ، الى " الله " تحشو بأسمائه جملها ، الى " بالمكتوب " تعزي به نفسها . . ونفد زاد الكلام الفارغ فانتقلت الى ذاتها تتحدث عنها بخجل ، بتواضع ، بحقارة ، بحرقة وأسف . وتكررت كلمات العبث والغرابة والصدف والأحداث على لسانها . وغاصت الى أعماقها عندما

تحدثت عن الحرمان والبرودة والضياع . ولم أبادلها كلمة . ولم أعلق فالأموات لا يتكلمون ولا يعلقون . وأنا ميت من زمان !.

وقلقت من نفسها فبدأت مرحلة الأسئلة تلقيها بدقة . وأجيب عنها بغموض وأتجاهلها ، وأرفض الاجابة فى بعض الأحيان . وبعد شهر انتقلنا للمواعيد وأشهد لها بسعة الأفق وغزارة الحيل

وأخيرا سألت عن سلوى . وتمزقت بين الهذر والصمت ، وغلبني الضعف فتكلمت . كنت يائسا وكانت آملة . قلت لها إنى تحطمت وإن باب المرأة أغلقته الى الأبد . وأعلمتها أن الكون والعدم استويا لدى على صعيد واحد وأفهمتها أن الانسان لا يحب مرتين وأن الكلمات التى يقولها للمحبوب الاول لا تعاد لثان بنفس الصدق ونفس الحرارة ونفس الحياة . . وأصابتها العدوى فتكلمت . قالت إنها لا تثق فى الآخرين ، فالآخر عدو أو لا يكون وإنها لا تتحمل رجلا كأيها الناس : يخدعها ويكذب عليها ويدعي الكمال والمعرفة والعظمة . أعلمتني أنها لا تطيق معايشة رجل يعتبرها وعاء أو آلة أو " ناقصة العقل والحظ والايمان " ، " رجل له العلم ولها الجهل ، له الحياة ولها الموت ، له الرغبة ولها التلبية " وأفهمتني أن التفريق بين الأصالة والتزييف صعب جدا فى عالم البراق والأكاذيب . وكم من رجل أوهم فتاته انه ملاك طاهر ولما سلبها اسمها وجسمها انقلب الى شيطان ماكر . وكم من متزوجة تقسم بأغلظ الايمان على أن زوجها لم يطأ أخرى ، فى حين أنه زير نساء يفعل بتستر . . وكم . وكم . .

وختمت الخطبة بترديد : " الرجال ذئاب ، ثعالب " .

ولم أعلق : فالأموات لا يعلقون !. وفى المساء كلمتني تلفونيا ، وطلبت منى أن ألقاها فى مكان خطير على القلوب الحساسة . ودون تردد ذهبت : فالأموات لا يترددون !

أعجبني فيها الايجاز وعدم اللف والتقديم عندما قالت : إنها مذ عرفتنى أعجبت بنباهتى ، وثوريتى : " فالشباب ايمان وثورة " ، وأخذت بغرابة أفكارى ، وطرافة اطوارى و " النساء يعشقن الغموض " . وأعلمتني أنها لا تطلب منى أن أبادلها المحبة ، وأن ما تطمح اليه لا يتعدى " تركها تخدمني ".

وتركتها تتكلم ، وانشغلت بالتفكير فى التفكير ، ونسيتها تماما عندما فاجأتنى بقولها : " ما رأيك " . ورأيت الشوق فى عينيها الدامعتين ، وتعلق حدقتاها بشفتى . ولم أتكلم : فالأموات لا يتكلمون ! وطال انتظارها وسقط وجهها على ذراعها وسمعتها تبكى . ترقبتها حتى جفت دموعها وانصرفت .

وخطر لى أن أعرج على حانوت خمار ، ونسيت أن الأموات لا يشربون فطلبت من النادل ذوقه ، فاحتار واستعجب وضحك وتكسر ، وأمر لى بسائر لا أذكر اسمه وشربت لأذكر سلوى ولأحدق فى واقعى بعينين محمرتين تأملت السيارة أحرق بوقودها أيامى ، وأحجر على النساء ركوبها ، وفى المنزل الجديد بنيته لوعد احتضر سنوات بين فكى مجتمع لا يرحم ، احتضر بتمرد بثورة ، بعظمة ، وقضى ليحيا مأتمه فى قلب تأخر موعد دففنه . وتذكرت سلوى ، تذكرت الهمسات تدغدغ حواسى ، والتنهدات تحرق قلبي والابتسامات تنير جوانب نفسى . . تذكرت كل شئ ورأيتها تعيش من جديد ، ونسيت أنها الآن بيعت بالتحيات والجلسات فى المقاهى وحول كوانين الشاى ، نسيت أنها الآن آلة اشتريت لصنع الأطفال ، لتنظيف المنزل ، لطهى الطعام ، لتعطير الفراش وللاستعداد لمهزلة الليالى . . وخدعتني مخيلتى فتصورتها فى المنزل الجديد ، فى الحجرات التى رسمها طموحها فى أيام المسرة والالتهاب . وتذكرتها تنتظرنى بشوق ، بلهفة ، بهيام ، ولم أفهم نفسى فقفزت كالمصاب ، وقذفت للخرقة البيضاء بورقتين فخرت راكعة ، وجعلت أركض ، وأركض . ودفعت الباب بلهفة وجعلت أصيح : " يا سلوى !" وسمعت الصدى يردد الاسم فى آهة طويلة ، ثقيلة ، موجعة . . وجعلت أركض من حجرة الى اخرى وأنادى . ولما اقتربت من السرير الطويل ، ولما تصورت البرودة الحقيقية ، ولما رأيت الفراغ الغاضب تركت نفسى أنهار على البساط المثلج ، وارتفعت يدى الى شعري تمزقه ، وجعلت أبكى بعيون الأرامل.

وبعد أيام صادفتنى رجاء فى قاعة الأساتذة ، وقرأت الألم العميق على صفحة وجهها فتنهدت بحرقة . . . . وتركت نفسي أنساق كالميت أثناء الغسل . . . وتزوجت ، وكان زفافى مأتما ، وأخذت حياتي طريقا معينة: أنا لا أقرب زوجتى فى النهار ، لا أكلمها بلطف ، لا أهمس في أذنيها كلمات فارغة ، لا أقبلها . أنا لست رجلا فى النهار

أما فى الليل فانى أعود متأخرا ، وأطفئ الأنوار لأندس الى جانبها فى الفراش . وعندما يأخذها النوم . وعندما تخدعني مخيلتى أعانقها . وتبقى هى جامدة فقد حرمت عليها الكلام في مثل هذه الأوقات ، وحرمت عليها المشاركة ، حرمت عليها كل شىء . . وكنت أعانق سلوى : كنت أتصور سلوى وأضم جسد رجاء . وعودت نفسي على الخديعة ، وأنست للنفاق . ولم تثر رجاء !!!.

وقبل أن يفضح الصبح الأشياء ، اسل نفسى من الفراش بحذر ، وأضع ثيابى بسرعة ، وأرمى بجسمى فى السيارة أحرق بوقودها أيامى وأترقب موعد دفني .

وعشت سنة كاملة أشعر خلالها أننى زوج مثالي : فأنا لا أخدع زوجتى ، لا أكذب عليها ، لا أنافقها . أنا لا أتصرف معها تحت ضغط دوافع خفية تجهلها . إنها تعلم كل شئ وهذا ما يعزيني . إنها تعلم أن الجسم الذى أضمه بحنان ، وأتحسس تضاريسه بجنون ، وأشمه بلوعه ، وأعصره بقسوة لطيفة ، ليس جسمها وإنما جسم سلوى . ثم إنها تعرف سلوى ، تعرف محبتى لها ، وتعرف وفائى لعهود الصبا وخرافات الشباب . . إنها تعرف والسلام.

هل تتألم ؟ لم ألاحظ ذلك . هل تشعر بالحرمان ؟ لا أعتقد لأنها لم تطلب منى ولدا يبدد وحشتها . . والنساء لا يطلبن إلا الأولاد . . . أنا لا أعرف: فالأموات لا يعرفون !

لماذا تزوجت ؟ لماذا استسلمت كالحمل ؟ لماذا لم تثر رجاء ؟ . . وتذكرت ما قالته لى عندما كانت تحاول التغرير : الوعاء . . الآلة . . الرجل الذئب .. الرجل الثعلب . وتهت فى عالم أفلاطون ولم أضحك من نفسي.

لماذا لم أنسحب كالعادة فى هذا الصباح ؟ واستعدت الأحداث : عدت مع الواحدة بعد منتصف الليل . خلعت ثيابي كلها ، وغرقت في الفراش الدافئ . تناومت فلم أنم . ووجدت نفسى أفكر فى سلوى ، وغزتني الصور ، صور من الماضى ، من الحاضر ، من المستقبل المحطم ، صور من لا زمان . وهاجمتني التساؤلات : أين هى الآن ؟ هل تقاسى من كبشها ما أقاسي من نعجتى ؟ هل تنام عارية معه كما أفعل أنا مع رجاء ؟ وتذكرت القطيع الظالم فسخطت .

وتحركت رجاء فأحسست بنفسى أزور كالمصاب ، وجعلت انظر اليها بخوف واشفاق ، بكراهية وحقد : إنها تنام باطمئنان ، وأسهر بحرقة . إنها . . ولم أجد الكلمة . وتجمدت عيناى على عنقها العارى . وأحسست بالرغبة تحفر فى أعصابى ، وشعرت بنفسى أتلوى تحت سياط من لهيب : ماذا لو لمست هذا العنق الشهى ؟ وامتدت يدى تجس اللين . وجعلت أصابعي تتحرك بكسل ، ثم انحدرت الى أسفل ، الى الغطاء تزيحه ، ولأول مرة رأيت رجاء. وحملقت في وجهها ، فاذا بها تبتسم ، وأحسست بالحقد يعصر قلبي . وعدت احدق فى الجثة الحية . وبيدين قاسيتين جعلت أعصر الحياة النائمة . وفتحت عينيها فتجمدت وخجلت من نفسي.

وخطر لى أن أقبلها بجنون ، أن احترق معها فى يركان الوجود . . . ولأول مرة جرؤت على تقبيل رجاء ، وشعرت بها تتفاعل ، تشارك ، فصعقت " سلوى

لا تقبل هكذا ، لا تضغط على الشفتين ، لا تقاوم . . سلوى تغيب معى فى عالمنا البعيد ، عالم الفتور ، عالم المستقبل ، فى رجاء المستحيل ".

وجعلت تلوك عبارات فارغة فجن جنوني : سلوى لا تتكلم في مثل هذه المواقف . . سلوى تعبر عن الكلام بالصمت والحركات " . وعرفت أن سلواى ليست من النساء ، إنها نسيج وحدها .

وتخلصت من رجاء برفق ، ثم وضعت ثيابى بكسل ، وجلست فوق طاولة وجعلت أفكر وأنظر : أفكر فى سلوى ، فى الأيام التى كنا ننتظرها معا ، فى قبلات الصباح ، فى ابتسامات الفجر ، فى التكاسل ، فى الجنون يدفع بنا الى عدم ترك الفراش ، فى الالتحام الأبدى . . . وأنظر الى رجاء العارية ، الى التضاريس الغريبة ، الى الضفدعة المخيفة . . . وسمعتها تتمتم : " ما زلت تذكرها " ولم أجب . وأحسست بنفسي أتمزق بين الرثاء والندم . . . ووددت لو أبكى ، لو ادفن نفسي ، لو أموت مرة أخرى . وبخذل انتصبت واقفا وقلت كأنما اخاطب نفسى أن ساعة التناسي قد أزفت وإن البناء من جديد استحالة . . . وخرجت أبحث عن كفني .

اشترك في نشرتنا البريدية