القطار يسير ، يلتهم الطريق ويطوى المحطات عبر المسافات والزمن يجرى يقتات السنين ، وأنا شل تفكيرى وشلت ارادتى ، انظر الى زهرة عمري الذاوية وأحلامي المتلاشية وفرحي المصلوب فى ساحة الايام ولا أفعل شيئا أوكل أمري إلى الصدفة العشوائية والقدر المحتوم . زرعوا فى تفكيرى بذور الاستسلام والرضوخ ، أبي وأمي ، حولانى الى آلة خرساء تنفذ الاوامر دون مناقشة أو تفكير .
لو اننى تماديت في مقاومتى ورفضى ، ربما ستبيض ليالي غرفتى الموحشة كالقبر ، ربما يطلع فجرى وتغتال خيوط الشمس أشباح بيتي ، تزيح الافكار السوداء من ذهنى وتذيب القوالب الثلجية التى تلفني من رأسى الى أخمص قدمى ، وتبعث الدفء والحرارة والحياة فى نفسى . متى تنتهى هذه المهزله . المناسبة التى اعيشها ؟ ! متى تنزاح قيودى التى تكبلنى وتفصلنى عن السعادة متى ؟ متى ؟
صوت أبي مازال يقرع أذني ويملؤني رعبا كلما تذكرت ذلك اليوم : " يجب أن تتزوج شاءت هذا أم ابت . انه بن عمتها ولا ينقصه شئ
قال عمى : الولد نسخة من أبيه . ان اختي فاطمة تتحكم فى أبيه وتديره كما تدير الخاتم في اصبعها . ماذا تريد ابنتك المغفلة هذه ؟ أتريد من يتحكم فيها ويضربها "
قالت عمتي الثانية : محمد لا ينقصه شئ . انه مهندس في الميكانيك العام في فرنسا وأبوه له سيارة فخمة ربما كان عاملا بسيطا فى ورشة . ربما كان مجرد " نادل " فى احدى الملاهى الليلية التى تعج بها فرنسا !
صاحت أمي في وجوههم : " انها لا تحبه ولا تريد الزواج منه ، لا ترغموها . لقد أمسكت عن الطعام والنوم منذ أن سمعت الخبر "
لكنها ما لبثت أن انضمت الى صفوفهم خاصة حين هددها ابى بالطلاق ان لم تحاول اقناعى . هي لا تريد أن تفقد بيتها ولا تقوى على فراق أبى !
كنت صغيرة ولم يكن بامكانى أن أفعل أى شئ سوى الدموع أذرفها فى غيظ مكبوت .
يا لهم من أغبياء وحمقى ! عمتى وزوجها ماذ ينتظران من زوجة لا تحب ابنهما لا أدرى ! وهو الابله الحيوان الذي كنت اعتقد بأنه سيفهمني ويقدر موقفى ويعدل عن فكرة الزواج ، ضحك حين قلت له : لا أحبك ، قال :
- " الزواج عندى شركة والشركة لا تستوجب الحب " .
هكذا يصير بعضنا حين يذهب الى بلاد الغرب ، يتخلى عن كل قيمه الاخلاقية ، عن عروبته ليصبح صورة مشوهة ، أراجوز مفكك الاعضاء ! لقد عاد بلا قلب ، بلا ضمير ، بلا شخصية ، عاد ببدلة وربطة عنق ونظارات على عينيه وبعض المال ، ماذا أفعل أنا بماله ؟ أتراه سيعيد لى السعادة التى حرمت منها ؟ لا لن استطيع ، غاب الأمل من سمائى وودعت حياتي الضاحكة حين عقد قرانى وحرر صك عبوديتى وتشابكت خيوط مأساتى
لو أننى تصديت لأبى وصحت بأعلى صوتى : " لا أريده لا أريده " ما الذى كان سيحدث ؟ ربما نجحت فى اصابة هدفى ولاصبحت الآن بغنى عن وضعى المتأزم ومشاكل المتشعبة . ربما ربما
هى ساعة أو بعض ساعة ويصل القطار الى المحطة وأجد عادل حبيبي في انتظارى فى شوق ولهفة . كان زميلى فى الدراسة وكان فى كل مرة يفاتحنى فى الخطبة وكنت أشير عليه بالتريث وبتأجيل الموضوع الى بعد التخرج . ولكنني الآن ماذا أقول له وقد توظفنا نحن الاثنين ؟ ماذا أفعل . أو بماذا تران أجيب ! حائرة ، قانطة جبانة ، عاجزة عن الرفض ، عاجزة عن القبول .
سامحك الله يا أبى . كنت تريد التخلص من بناتك بأي ثمن . كنت فقيرا والفقر غول يقتات الضعفاء . يقتل فيهم الاحساس والعقل والتفكير والإرادة كنت ككل الفقراء حين يكتسحك الملل ومرارة الحياة . كنت تحتسي كؤوس الشاى وتمارس لعبة الحب مع أمي لتروح عن نفسك . هذه كانت التسلية
الوحيدة المتوفرة لديكم معشر الفقراء ! وبدأنا ننزلق الى الوجود وانت تبتسم ببلاهة وحمق دون أن تدرى أن انجاب الاطفال مسؤولية كبرى ، تبتسم دون أن تدرى بأن الحياة ستتطور والافكار ستتغير والكل يتغير ولن نقوى على العيشة مثلما عشت أنت وأمي ولن نقبل الزواج بنفس الطريقة . وفي يوم اغبر افقت من غفوتك لتجد خمس بنات وثلاثة أولاد يملؤون عليك البيت الصغير . واحترت كيف توفر لنا لقمة العيش ومصاريف الدراسة . وحتى وسائل تحديد النسل ، لم يعد بامكانك الاستنجاد بها ، فاتك الاوان !
بت تفكر فى وسيلة أخرى تخفف عنك الحمل الثقيل ، قفزت الى ذهنك فكرة الزواج : الحل وطريق الخلاص الوحيد . ظللت تنتظر أبناء الحلال الذين سيريحونك منا ، ولم يطل الانتظار ، زوجت أختى الكبرى لاول راغب وعقدت قرانى على محمد وأوقعتنى عصفورة غريرة فى قفص من حديد لا تقوى على تحطيم قضبانه ، لاتقوى على الهروب .
مرت العطلة الصيفية رتيبة مضجرة والتحقت باحدى المدارس السياحية هروبا من الذكرى ومن الجو الخانق واذا بالذكرى تلاحقني تضغط على قلبي وتكبت أنفاسى ، تعذبني ، تؤرقني وتحطم دماغي من كثرة التفكير ، واذا بالمشكلة تصبح مشكلتين . التقيت بعادل أحببته كما أحبني حبا طاهرا نزيها وكانت علاقتنا سامية . أعطاني الكثير من نفسه ومن وقته وعلمني أشياء كثيرة كنت أجلها . لم يحاول أن يستغل ضعف شخصيتى وقلة وعيي ، علمني بأن الحب الصادق تضحية وعطاء دائم دون التفكير فى المقابل ، علمنى بأن الهروب من الواقع والمشكلة جبن ، وبأن المواجهة والتصدى هما البديل الذى يجب ان نطرحه
توقف القطار فى المحطة وبدأ فى قذف ما فى جوفه الى الرصيف وأنا فى غفوة عن ذلك . لكزتنى صديقتي بمرفقها قالت : " ألا تنوين النزول " . أفقت من غفوتى وقلت : بل لقد سرحت فى متاهات مشاكلي المتأزمة ونسيت نفسى تناولت حقيبتى ونزلت وعلى الرصيف المقابل كان عادل يجول ببصره بين المسافرين باحثا عني . انفرجت شفتاه عن ابتسامة عريضة حين رآني واندفع نحوى كطفل صغير يسارع الى أحضان أمه ، ابتسمت أنا بدورى وتسارعت دقات قلبي حتى أحسسته ينتفض بين ضلوعي محاولا كسرها نطق عادل والفرح الطفولى يستقر على صفحة وجهه
- أهلا ما الذي أخرك الى الآن ؟ لقد خفت أن لا تأتي وقلقت عليك كثيرا .
- لا موجب لذلك . انا بخير ، وانت ؟
- أنت أدرى بحالى وبالمخاوف التى تقض مضجعي كل ليلة ، متى ينزاح هذا الكابوس وأحس أنك لى وحدى لا يزاحمني فيك أحد ؟ وأنا أضع خاتم الخطوبة فى اصبعك متى ٠ ؟
- لم كل هذا ؟ وانت تعلم بأنى احبك أنت ولن أكون لسواك . ألم أقل لك من البداية بأنه ذبابة تقلق راحتى وتعكر صفوى وسأنفضها عن عارضي الم اقل لك بأن خطبتي له كانت حماقة ارتكبها أبى وساعدته أنا بضعف شخصيتى وموقفى الانهزامى ؟
- أعرف لكن متى يحدث ذلك ؟ أشعر أحيانا بأنك تتلهين بعواطفى وترقصين على أعصابي .
- عادل أرجوك يكفى ، يظهر انك لم تعرفني جيدا . انا لن أتزوجه مهما يكن لأني لا استطيع أن أتزوج رجلا وان يضمنا سرير واحد وقلبي يعانق قلب رجل آخر .
- اذن انتظر منك جوابا صريحا ونهائيا . عندما تعودين ليس بامكاني أن انتظر أكثر مما انتظرت .
- ثق بأنى أقاسمك نفس الشعور ولكن ما حيلتى ؟ لو كان غريبا عن العائلة لسهل الامر ، فأبى رجل عنود لا يقبل النقاش ولا يتراجع فى أقواله وأفعاله حتى وان كانت خاطئة وكان هو مقتنعا بذلك . هكذا كل الآباء نظل أمامهم برغم تعلمنا وثقافتنا وقوة ادراكنا وفهمنا للأشياء ، برغم كبر سننا نظل فى نظرهم أطفالا لهم الحق فى اختيار لعبنا ، طعامنا ، لباسنا ، وحين نكبر يزوجونا بمن يريدون ! وعلينا ان نوافق دون نقاش ونصمت وآلاف البراكين تستعر بداخلنا ، نحاول اطفاءها ببكاء صامت ودموع غزيرة نذرفها تحت الاغطية حين ننام ، وتزداد البراكين تفجرا ويزداد الوضع تازما وتتسع الهوة بين الآباء والبنين .
لم لا يتركوننا نختار ونتحمل نتيجة الاختيار ! أبي في البيت ، غول يخافه الجميع ، حتى أمي لا تقوى على مجابهته ، وفي عمله يحنى الجبهة لرؤسائه
ويتقبل الاوامر بخضوع تام ! اختي سميرة ، عندما تتحدث عن أبى تنعته بالارهابى . انها طالبة فى كلية الحقوق . لقد وعدتنى عندما عدت في المرة الفارطة وقصصت عليها قصتى معك بأن تحاول اقناع أبى وتجعله يوافق على فسخ الخطوبة .
- غريب أمرك ! وغريبة أنت ! يا من أحببتك وأوقعتنى فى دوامة الحيرة والقلق والخوف اللامتناهى ، الخوف من ان تتركينى ذات يوم كسير الجناح كيف توكلين مشاكلك للآخرين يحلونها وتقفين أنت مكتوفة الايدى تنتظرين لم لا تقاومين ؟ ! لم لا تتصدين لأبيك ولهذا الحيوان الآدمى الذى يريدك دمية لا قلب لا تفكير ما دمت لا تحبينه وما دمت مقتنعة فى قرارة أعماقك بأن قوله " لا " هى الحل البديل ! ؟
رافقني عادل الى محطة الحافلات ثم ودعني على مضض . صعدت الى الحافلة التى ستنقلنى الى مدينتى وعيناى تتابعانه الى ان اختفى
ترى ما الذى تخبثه لنا الايام ؟ أترانا سنرسى على شاطئ الطمأنينة ! أم سنظل تائهين بين أمواج الحياة نبحث عن منفذ للخلاص ؟

