كنت أنا الاخرى فى طور قلق من أطوار حياة الفتاة . . ولكنني كنت أجاهد . . وكنت أنا ايضا أريد أن أغيب عن مسرح الاحزان والدموع ولكننى كنت أتدبر العواقب ولا أستهين بشئ . .
وكنت ترى دوما على وجهى الشرود وفى عينى عدم الرضا . . غير انى لم اشتك يوما بل كان الصمت هو الشئ الوحيد الذى ألف تحته شكواى واحزاني وآمالي وفشلى وبسماتى ودموعى . .
كنت كما وجدتني . . صخرة جامدة يحكم عليها كل من شاهدها بأنها لا تنفع فى شئ ولا تصلح لشئ ..
أما هي فعيبها الوحيد أنها كانت تستسلم لايام الاسى وكانت تتبرم بالحياة وبكل ما يتعلق بالحياة فى اليوم الذى لا تراه فيه وكأنه أصبح كل شئ فى حياتها ومحور وجودها . . وكنت أرى ذلك فى عينيها وعلى ملامح وجهها وفي نبرات صوتها وفى ثورتها على كل شئ يعترض طريقها . . كانت تقول لى قبل أن تلتقى به : " ارانى ضائقة بالوحدة " فأرد عليها بوجه باسم وبحماس بالغ : " لا تيأسي يا حبيبتى . . عما قريب ستلتقين به " فلا يلبث وجهها الاسمر القلق أن يشرق بسرور فاتن .
معها هي وحدها لم أكن صخرة ولم أحس فى حضورها ولو مرة واحدة بذلك الاحساس الذي يلجم لسانى ويقبر كلماتى كلما التقى بغيرها من عباد الله . . كانت نمسة حالة من نسمات الربيع . . بديعة التكوين ..
رائعة السيماء ترى فى وجهها أحلام ليالي الصيف وفي عينيها اخضرا الربوع . . وعلى كتفيها سكون الليل . . ليل صاخب لا تهدأ أمواجه ولا تستقر على حال . . في صخبه هدوء وفي سواده نعومة وصفاء . .
ولم تكن تؤمن بالمثل الانقليزى القائل : " لم يزل فى البحر من السمك اكثر مما خرج منه " بل كانت تقول دوما : " رسمه فى نفسى اشبه بنقوش الفراعنة " .
ولم تكن تنتمى الى أى حزب من الاحزاب بل انها كانت تسخر من هذة لاحزاب التى لا تدعو كما ترى الى غير التناحر ولا تخدم كما علمت غير أغراض ذاتية وان اختلفت طرق عملها . . وهي تنقم على انسان اليوم .. لانها لا ترى فيه غير آلة صماء تدور محركاتها بدون وعي منها . . انسان فاقد الشعور ، بليد الاحساس . . حيوانى التصرف . . ولذلك أحبت عصام وتعلقت بعصام وأخلصت لعصام . . لان عصام كان انسانا . . يحمل بين جنباته قلبا يحب بصدق ويخفق بصدق . . ولانه كان يسعد بنعيم الروح قبل أن يفكر في نعيم الجسد ويؤمن بتلاقح الارواح قبل اختلاط الاجساد .. ولانه كان يناديها دوما بيا " حلمى الجميل " ولم ينادها مرة بما هو شائع بين الآخرين بيا " عزيزتى " . . كان فى حديثه شعر . . وفي نظرته شعر .. فى تصرفه شعر . . كانت نظرته اليها طويلة . . عميقة . . تقابلها بنظرة مثلها فاذا به يشرد وتشرد مثله . . عندما يستفيقان ترتفع حمرة الحياء الى وجهيهما . . وكانت جلساتهما الدائمة معا سلسلة من النوادى الثقافية يذكران فيها الاشعار والفلسفات ما جد فى عالم الادب والفن . . وكانت سعادة كل لقاء بينهما تكمن فى أن ترنو اليه ويرنو اليها . . فى تلك اللحظة يريان الله ويؤمنان بوجود الله . .
أحبت عصام لانه انسان واحببتها لانني أحببت فيها عقيدتها وروحها وافكارها . . ولاننى كنت مثلها أعشق دنيا الفن والادب . . والاحلام الخضراء . . ولاننى كنت أحس بما تحسه وأفكر بما تفكر وأرى ما ترى وان اختلفت وجهات نظرنا بعض الاختلاف . . فقد كنت أبدو صلبة وكانت تبدو أرق من زهرة . . وكنت أشك فى كل شئ . . وكانت تثق بكل شئ ..
وفى هذه السنة التى هى من أهم سنوات حياتى . . بدأت الحوادث تجرى بسرعة مذهلة . . ولامر شخصى اضطررت الى أن أقابل والدها . . وهذه
أول مرة أراه فيها لاتحدث اليه . . كان من رجال الاعمال المشهورين ومن اصحاب الملايين وهو ينتمى الى حزب يحارب الراسمالية وفلسفته فى الحياة هي : " أن تعيش ليومك ولا تفكر فى غدك وانس أمسك " وكان الموقف حرجا بالنسبة لى الا ان الحاجة جعلتني أعرف كيف أواجه وانا واثقة من موضع قدمي .. ولقينى لقاء باردا فهو كما اخبرتك لا يهتم بما مضي . . ومثل صحفى حاذق نقل لي خبر انتحار وحيدته وكأن الامر لا يهمه بقدر ما يهمنى .. وتجمدت نظراتي على الرجل . . وأطلت من مصيبتى على مصيبة أشد وطأة وأشد لوعة . . وطفرت دموعي في صمت ولم أستطع أن أدفع حرقة الاسى .. وفي تلك اللحظة بدت لى الدنيا كهفا مظلما هائل الجوف حالك السواد .. وتراءى لي طيفها وهى تواجهنى قائلة : " لا تأسفى على . . فقد اخترت المصير الذى أرضانى وأراحنى من دنياكم . . "
وغالبت اضطرابي حتى أسأله عن أصل المصيبة . . فلقد بدا لى أتفه من أن يحاول اخفاءه . . فلقد اعتقدت من انه متحرر زيادة عن اللزوم . . وقال وملامحه لا تعبر عن شئ محدود : " كانت تعتقد فى خرافة الحب " قلت له وأنا احاول أن أبدو ساذجة أمامه لا أفهم شيئا :
- " وهل أصبح الحب خرافة يا سيدى ؟؟ - بل هو نوع من المخدرات الخطيرة .. أفيون أفلت متعاطوه من قبضة العدالة والقانون .
- قلت فى ذهول وكأنني أحادث نفسى : " لاجل هذا انتحرت ؟؟ - قال : ولانها - كما تعلمين - تكتب الشعر وتقرأ القصة وتشاهد الافلام وتصادق صعلوكا من صعاليك الافكار الموتورة والاحلام الضائعة والايدى الفارغة . . واحد من هؤلاء الذين يبحثون عن خيوط الامل الاخضر وسط الضباب الاسود . . يصرخون ويزعقون ولا يخلقون غير الاوهام . . رصيدهم فى البنك الوهم وأسهمهم فى الاسواق الاحلام . ."
وأحسست بموجة من الالم تعصر كياني . . وقلت له وانا أحدق فى وجهه وخواطر كثيرة تجتاح أفكارى : أهكذا تنظر الى رجال الادب والفكر ؟ أمن هذه الزاوية ترى الشعر والقصة والافلام . . ألا ترى فيهم الضوء الاخضر الذي يضئ حياتنا وينير لنا الدرب ؟؟
رد على وهو مغتاظ : " لا تفهمينني . . كلكن هكذا . . بل كلكم هكذا معشر الادباء والشعراء . . تائهون فى أزقة المدينة تريدون أن نسجد على أقدامنا ارضاء لغروركم . . لقد سئمت رجل الفكر . . سئمت الفقر .. وسئمت الفلسفة وسئمت الصراخ . . لقد كنت أنتمى فى يوم ما الى حزبكم . . ازعق مثلكم وألهث مثلما تلهثون . . حياتى وهم وآمالي سراب . . وثروتى كل ثروتى . . أوراق ومجلدات وقلم . . تهت مثلكم حقبة من عمرى أضعتها وأنا اخدم الاخرين . . وأسعى لاسعاد الاخرين . . انثر فى طريقهم الورود وأسأل السماء لهم الغيث . . فسموني مجنونا . . واعرضوا عني . . لاني أردت أن أنير لهم الدرب - كما تقولين - وأهديهم الى الله . . واليوم وقد أعرضت عنهم . . واصبحت أعاملهم معاملة السيد لعبيده . . استغل ثرواتهم وازرع الشوك فى طريقهم . . قالوا اننى من بين الاسياد الذين يحق لهم احترامهم وتقديرهم . . بل اصبحوا يلتمسون رضائى كل لحظة وآونة .. ويمطروننى قبلات وأدعية ..
لقد كانت هى الاخرى مثلك .. تؤمن بما تؤمنين وبما كنت أؤمن قبل ان انتشل نفسي من هوة الضياع لاصبح رجل اعمال ناجح .. نصحتها بان تصحو وبان تفكر بعين العقل . . قلت لها : القى بكل ما عشش فى مخك فى زاوية النسيان وفكرى بما تفكر به الفتاة المعاصرة . . الفتاة الواعية لكل ما يدور حولها . . الفتاة التى تحاول ان تكون فى كل ما تعمل وتفكر مخلصة للواقع وفية له . .
وصمت . . وما كان على الا ان احترم لحظات صمته وانتظر . . بعد ان أقنعت نفسي بانه لا يمكن لى أن أرحل قبل أن أعرف ما يجول فى خاطر هذا الرجل وعلى أى شئ اقيم أسس بناء فكره بعد ان ودع عالم التائهين في الازقة كما يقول - سألته أستوضحه ما خفي عن ذهنى : ..
" وفى أى شئ اردتها أن تفكر يا سيدي ؟؟ رد على وقد لمعت عيناه وتهدج صوته :
قلت لها وكم مرة قلت لها : " القى عنك بهذا المخدر . . مخدر الشعر والقصص . . القى به لمن هم فى أشد الحاجة اليه . . لأولئك البؤساء الذين ينشدون نسيان واقعهم المرير . . أتركيه لمن كتب عليهم الحرمان من خيرات الدنيا أولئك الذين لم تمدهم الارض بغير الخيبة والبؤس والاحزان . . أتركي
دنيا الخيال لمن لا دنيا لهم .. وتعالى الى دنيانا .. الى الدنيا التى لا تفكر فى السماء ولا تؤمن بالخرافات . . الى الدنيا التى تجعلك تشعرين بكل لحظة من حياتك .. شئ واحد يجب أن تفعليه هو ان تطهرى أفكارك مما علق بها من صحبة اليائسين وملازمة التائهين . . وفكرى . . لا بذلك الصعلوك المهذار بل بالرجل الآخر .. وبالمليون دينار .. وبالسيارة الامريكية السوداء وبكوم الياقوت والزمرد .. وبالشهرة المتباعدة . . نصحتها بأن تفكر بحياة القصور لان تكون سيدة . . سيدة كاملة . . يسيرها عقل قوى . . لا تطأ أرضه عاطفة بل رغبة وارادة . . يجب أن تريد والا تحب وفرق بين " أريد " و " أحب " وهو فرق يشبه الفرق بين الارض والسماء . .
وبدا عليه شئ من التوتر . . فرأيت أن أغادر المكان ولم أقض حاجتى . . بل اننى نسيت ما جئت لاجله . . وخرجت وقد احتدمت المعركة فى رأسى واشتد الصراع وأنا أكاد أختنق . .

