الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

تابين الشيخ العربى الكبادى

Share

لقد عدا عادي الموت - مرة اخرى - على علم من اعلام تونس البارزين ورجل من رجالاتها البارين بل على مفخرة من مفاخرها التي بها نزهو وتباهي ، وتعدها من حلاها الباهرة ، وذخائرها الفاخرة .

لقد عدا الموت على شيخ ادبائنا الكبادي " وليس على عدوان الموت من معد " فبكته المحافل والمدارس ، وبكته الحلقات والاندية والمجالس وبكاه كل من عرف فضله ونبله ، وطيبة قلبه ، وكل من روي من معين علمه ، واغترف من فيض ادبه .

نعم لقد فقدته المحافل والمعالم ، وفجع فيه ابناؤه الروحيون ، - وما اكثرهم - ونعته الجرائد والمجلات والإذاعات وما منهم ومنها الا واله لا يتسلى ، وحزين لايتعزى - وكيف لا تبكيه الاندية والمحافل وقد كان منذ نصف قرن واسطة عقدها وحلية جيدها - كان راويتها المبدع ، وخطيبها المصقع ، كما كان محاضرها المعجب وساجعها المطرب .

فان بكته الرشيدية " " فلانه طالما نفحها باشعاره واحيا لياليها باسماره وشمل روادها وقصادها بفيض من روحه الزكية وشمائله الرضية .

وان بكته الإذاعة فلانه كثيرا ما عطر اجواءها . بما حمل الاثير من احاديثه الطلية ومجالسه العذبة الشهية حتى ليخيل للسامعين ان عهد الاصمعي والمفضل وابي على القالي قد نشر من وراء حجاب وبعث من بعد الدثور -

وان تحدثت عنه الجرائد والمجلات واطالت فلانه طالما زينها بأشعاره وآثاره تلك الاشعار التي كانت تحمل الينا قبسات من اندلس العرب او نفحات من بغداد بني العباس فتجعلنا نعيش معه في عصرها الكبير - لانه كان رحمه الله - لا يحيا بروحه الا فيها ، ولا ينسم الا عبيرها ، ولا يتفيأ الا ظلالها ولا يناجي الا رجالها ولو كان يحيا بالجسد مع ابناء القرن العشرين .

وكان في نواديه الشهيرة او بمنزله له دائما كالعهد به : صاحب الوجه الباسم المتهلل ، والطبع المتزن الهادى ، والمزاج المعتدل المواتى _

كان دائما المحاضر الذي لا يضجر او يتعب ، والمتحدث الذي لا يمل او يغضب يجلس بين يديه كبار الادباء وفحول الشعراء ونوابغ العلماء دون ان يجدوا

غضاضة في ذلك ويصغون اليه _ اذ كان هو المحاضر وحده _ ثم لا ينصرفون الا وقد صدروا عنه بعلم مجدد ، او حديث مستعذب او نادرة طريفة.

وكان في مجالس الانس روحها الخفاق وزينتها الفاخرة لانه هو الذي يسبغ عليها رونق الادب ويكسبها بهجة الظرف والكياسة _

وكان في حلقات الدروس مثال الاديب العالم - فالدرس معه لا مشقة فيه ولاجفاف ، ولا حذلقة ولا تزمت - بل هو اشبه بالتجوال في روضة اريضة حافلة بصنوف الفواكه والثمار وضروب الازاهر والرياحين فما تزال معه متنقلا من طرفة الى نادرة ومن ملحة الى نكتة ، الى استطراد ممتع الى فكاهة لطيفة - ويمر الزمن وتمضي الساعات دون ان تشعر بمرورها وتتمنى لو طال الدرس وطال معه الحديث - وما بالغ تلاميذه حين قالوا ان دروسه تستمر حتى في الطريق -...

لقد عرفت الشيخ الكبادي منذ عهد الشباب ولا يخطر في بالي ذكره الا ذكرت مجالسه التي حضرتها فى اول عهدى بالادب والتى اوحي فيها الي والى رفقائي سحر الاندلس والافتتان بأدبه - فكلمات قرطبة وولادة وغرناطة وابن الخطيب وابن زيدون ونحوها اصبحت لها في نفوسنا نحن شباب ذلك العهد - من الاصداء البعيد ، والامتداد الايحائي ما جعلنا نتصور تلك العصور الخالية في رؤى سحرية عجيبة - لقد مات شيخنا الكبادي ولكن ذكراه سوف تبقى عالقة فى نفوسنا على الصورة التى تراءى لنا بها في شبابنا وسوف تبقى تلك الاصداء البعيدة التى بعثها فينا وذلك الابحاء الذى ركزه في عقولنا حيا قويا لايمحوه كر الزمن ولا يد الحدثان وسيبقى ذكر شيخ الادباء في نفوسنا.نحن الذين عرفناه منذ عهد الشباب - وكأنه المثل الاعلى للرجل الذي يعيش للادب وللادب وحده يعيش له ليرويه للأجيال بعد الاجيال مؤثرا صحبة اعلامه على كل مال ونشب مكتفيا بدرر اشعارهم وثمين اقوالهم عن كل علق نفيس يطلب وكل ذخيرة تذخر .

فرحم الله استاذنا الكبادي والهمنا عن فقده الصبر والسلوان

القيروان في 26 مارس 1661

اشترك في نشرتنا البريدية